قال أبو المظفّر سبط بن الجوزيّ: روى أحمد بن ثابت الخطيب، عن عبد الله بن عليّ بن محمّد بن بشر، عن عليّ بن عمر الدارقطنيّ، عن أبي النضر: حَبْشون بن موسى بن أيّوب الخلّال، مرفوعاً عن أبي هريرة، وقال في آخره: عند ما قال النبيّ صلّى الله عليه و آله وسلّم: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَولَاهُ، نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}- (الآية).[1]
وروى السيّد الرضيّ في كتاب «المناقب الفاخرة» عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جدّه قال: لمّا انصرف رسول الله صلّى الله عليه وآله من حجّة الوداع، نزل أرضاً يقال لها: صَوْجان. فنزلت هذه الآية: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.
فلمّا نزلت عصمته من الناس، نادي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. فاجتمع الناس إليه، وقال: مَن أولَى بِكُمْ مِنْ أنْفِسِكُمْ؟! فضجّوا بأجمعهم، وقالوا: اللهُ ورَسُولُهُ! فأخذ بيد عليّ وقال: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَولَاهُ. اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وعَادِ مَنْ عَادَاهُ! وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ! واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ! لأنهُ مِنِّي وأنَا مِنْهُ، وهُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَا أنهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.
وكان نصب أمير المؤمنين آخر فريضة فرضها الله تعالى على أمّة محمّد. ثمّ أنزل الله على نبيّه هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}.
قال أبو جعفر الباقر عليه السلام فقبلوا من رسول الله صلّى الله عليه وآله كلّ ما أمرهم الله من الفرائض في الصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، وصدّقوه على ذلك- (الحديث).[2]
وذكر ابن كثير الدمشقيّ في تفسيره قائلًا: قال ابن جرير: وقد قيل إنَّ هذه الآية نزلت على رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم في مسيره إلى حجّة الوداع. ثمّ رواه من طريق أبي جعفر الرازيّ عن الربيع بن أنس.
ثمّ قال: وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخدريّ: هذه الآية نزلت على رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم يوم غدير خمّ حين قال لعليّ: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَولَاهُ. ثمّ رواه عن أبي هريرة. وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، يعني مرجعه من حجّة الوداع.[3]
وذكر ابن كثير في تأريخه أنَّ ضمرة روى عن ابن شَوْذَب، عن مطر الورّاق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: لمّا أخذ رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم بيد عليّ قال: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَولَاهُ، فأنزل الله عزّ وجلّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}. وقال أبو هريرة: وهو يوم غدير خمّ، وصومه يعدل صوم ستّين شهراً.[4]
إنَّ الروايات التي اثرت عن طريق الشيعة وثبّتها أعلامهم في كتب التفسير والحديث كعليّ بن إبراهيم القمّيّ في تفسيره، والشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ في «الأمالي»، والشيخ أبي عليّ الطبرسيّ في تفسير «مجمع البيان»، والشيخ الطوسيّ في كتاب «الأمالي»، ومحمّد بن مسعود العيّاشيّ في تفسيره، والشيخ أبي منصور أحمد بن أبي طالب الطبرسيّ في «الاحتجاج» وأبي عليّ الفتّال النيسابوريّ في «روضة الواعظين» وغيرهم، كثيرة جدّاً، وكلّهم اتّفقوا على نزول هذه الآية في غدير خمّ، بدون أن يذكروا أحداً من الشيعة خالف ذلك. ونقل السيّد الأجلّ المحدّث البحرانيّ، وهو من العلماء الكبار، خمس عشرة رواية في هذا الصدد.[5]
وروى عليّ بن عيسى الإربليّ عن صديقه المعاصر له: البدخشانيّ الحنبليّ الموصليّ في كتاب «مفتاح النَّجَا في مناقب آل العبا» الذي ينقل عنه كثيراً من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام وشأن نزول الآيات فيه، روي عن أبي سعيد نزول الآية الشريفة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} في غدير خمّ. ثمّ قال: رفع النبيّ يد عليّ عليه السلام فنزلت هذه الآية فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: اللهُ أكْبَرُ على إكْمَالِ الدِّينِ، وإتْمَامِ النِّعْمَةِ، ورِضَى الرَّبِّ بِرَسَالَتِي والوَلَايَةِ لِعَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.[6]
وبعد ذكر آيات نزلت في الإمام عليه السلام، قال: هذا ما نقلته ممّا نزل فيه عليه السلام من طريق الجمهور، فإنَّ الغرّ المحدّث كان صديقنا وكنّا نعرفه وكان حنبليّ المذهب، وابن مردويه وإن كان قد جمع كتاباً في مناقب أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام اجتهد فيه وبالغ فيما أورده ولم يألُ جهداً، فقد أورد فيه مواضع لا يقو لها الشيعة ولم يوردوها في كتبهم، و لكنّي لم أذكر نزول القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام من طرق أصحابنا، دفعاً للمكابرة، واستغناءً بما نقلوه العامّة من مناقب عليّ بن أبي طالب في كتبهم.[7]
[1] «تذكرة خواصّ الامّة» ص 18.
[2] «غاية المرام» القسم الأوّل، ص 337، الحديث السادس؛ وتفسير «الميزان» ج 5، ص 207.
[3] «تفسير ابن كثير» ج 2، ص 491، طبعة دار الفكر.
[4] «البداية والنهاية» ج 5، ص 213 و214، الطبعة الاولي، مطبعة السعادة- مصر.
[5] «غاية المرام» القسم الأوّل، ص 338 إلي 341.
[6] «كشف الغمّة» الطبعة الحجريّة، ص 95.
[7] «كشف الغمّة» ص 94، وذكر صديقه الحنبليّ، راوي الحديث في ص 25 و92 و96.