يستبين لنا قول بعض المفسّرين إنّ الآية نزلت في بدء البعثة النبويّة غير صحيح، لأنّ النزول في بدء البعثة يستساغ فقط عند ما يكون معنى العصمة من الناس أنّ النبيّ يماطل في إنجاز التبليغ والدعوة خوفاً على نفسه من القتل. ولو قتل حينئذٍ، فإنّ لواء الدعوة ينكّس تماماً. وهذا الاحتمال لا يصدق على الرسول الأكرم، فالآية- إذَن- لم تنزل في بدء البعثة.
يضاف إلى ذلك، أنّ الآية لو كانت نازلة في بداية البعثة، لكان المراد بقوله: {ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} أصل الدين أو مجموعة الأحكام والمسائل الدينيّة. فلا تعدّ هناك مسألة هامّة خاصّة حتّى يساوي عدم تبليغها عدم تبليغ أصل الرسالة. وفي ضوء هذا الافتراض، فإنّ معنى قوله: {وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ}، يتمثّل في القول: أيُّها النَّبِيّ؟ بلِّغ الدين، وإن لم تفعل ذلك؛ فما بلّغتَ الدين! وهذا كلام خاطئ.
وقال الفخر الرازيّ رفعاً لهذا الإشكال: إنّ هذا جارٍ على قانون قوله: «أنَا أبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي»، ومعناه أنّ شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة إلى حيث متى قيل فيه إنّه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يُزاد عليها. فهذا الكلام يفيد المبالغة من هذا الوجه.
فكذا ههنا: فإن لم تبلّغ رسالته فما بلّغت رسالته؛ يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ. فكان ذلك تنبيهاً على غاية التهديد والوعيد.
وهذا الكلام الصادر عن الإمام الرازيّ غير صحيح؛ لأنّ هذا الضرب من الصناعة الشعريّة في الحالات التي يتحقّق فيها حمل الخبر على ذلك العنوان صحيح عند ما يكون بينها اختلاف من قبيل اختلاف العامّ والخاصّ أو المطلق والمقيّد وأمثال ذلك؛ وبهذا السياق ندلّ على اتّحاد المعنيين في القضيّة الحمليّة، كشعر أبي النَّجْم الذي يفيد أنّ شعره هو شعره الصادر عنه. أي: لا يخال أحد أنّ قريحته الشعريّة قد جفّت ونضبت فلا تبدع، أو أنّ نوائب الدهر قد أرهقته وأضنته، وعطّلت قريحته عن إبداع شعر كشعره السابق. فشعره اليوم من حيث الفصاحة والبلاغه كشعره الذي أنشده أمس.
إلّا إنّ هذا اللون من التبرير لا يصحّ في آية التبليغ؛ لأنه بناءً على افتراض نزولها في أوّل البعثة، فإنّ رسالة الرسول الأعظم التي تمثّل أصل الدين أو مجموعة الأحكام الدينيّة كانت أمراً واحداً لم يعتره التغيير والتبديل والانحراف حتّى يقال: لو لم تبلّغ الرسالة؛ لو لم تبلّغ أصل الرسالة! ذلك لأنّ المفروض هو أنّ رسالة رسول الله هي أصل الرسالة التي تمثّل مجموعة المعارف الدينيّة.
ومن هنا يُستفاد أنّ الآية لا تصلح أن تكون نازلة في بدء البعثة. كما لا يصلح أن يكون {ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ} هو أصل الدين أو مجموعة معارفه وأحكامه. ولهذا السبب لا تصلح الآية أن تكون نازلة في وقت آخر حتّى آخر حياة رسول الله؛ فيما لو كان المراد من قوله: {ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} أصل الدين أو مجموعة معارفه. لأنّ الإشكال- مهما كان- واحد، وهو لزوم اللغو في كلام الله الذي يعود مفاده إلى القول: لو لم تبلّغ أصل الدين أو مجموعة أحكامه؛ فما بلّغت أصل الدين أو مجموعة أحكامه! ويضاف إلى ذلك أنّ الإشكال المتمثّل بتهيّب رسول الله وخوفه على نفسه يظلّ قائماً في هذه الحالة، حتّى لو لم تكن الآية قد نزلت في بدء البعثة.
واتّضح ممّا قلنا أنّ المراد من وجوب تبليغ النبيّ في هذه الآية لا يمكن- في أيّ حال- أن يكون أصل الدين أو مجموعة معارفه، فلا مناص من أن نجعله بعض الدين. وفي هذه الحالة أيضاً لو كان معنى قوله: {فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ} هو تبليغ بعض الدين، فإنّ الإشكال نفسه يتكرّر. إذَن لا حيلة لنا إلّا أن نعتبر المراد من الرسالة هو الدين كلّه أو أصله؛ وفي هذه الحالة يصبح المعنى كالآتي: لو لم تبلّغ هذا الحكم الخاصّ النازل إليك، فما بلّغت أصل الدين أو مجموعة أحكامه! وهذا المعنى صحيح ومقبول، ويمكن تبريره بهذا الشكل ككلام أبي النجم: شِعْرِي شِعْرِي.