إن البحث في دلالة آية التبليغ، وارتباطها بقضيّة الولاية، وبيان مفادها المعبَّر عنه بـ«فقه الآية» فهو كما يلي: تضمّ الآية وجوهاً أدبيّة تميّزها عن غيرها، وهي:
الأوّل: جاء الخطاب إلى رسول الله بعبارة: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ} أي المُرْسَلْ ومُبلِّغ الرسالة. فهي قد خاطبته بصفة الرسالة؛ ولم يخاطَب رسول الله بهذه الصفة في المواضع الاخرى من القرآن الكريم غير هذا الموضع. وموضع آخر في القرآن في الآية 41 من نفس السورة (أي سورة المائدة) خوطب النبيّ فيه بصفة الرسالة، وهو قوله: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}.
بَيْدَ أنّ مُخاطبته بالنبوّة من خلال قوله: يَا أيُّهَا النَّبِيّ (أيّها المنبّأ، المطّلع على عوالم الغيب، إذ ذكره بصفة النَّبَإ والإنبَاء، وفي ذلك دلالة على مجرّد الاطّلاع على عالم الغيب ونزول الوحي بواسطة جبرئيل) جاءت في ثلاثة عشر موضعاً من القرآن.
ولمّا كان الأمر بالتبليغ في قوله: بَلِّغْ أمراً بإبلاغ حكم نازل من الله، فلهذا من المناسب أن يخاطب بكلمة «رسول» ليكون مماثلًا للدليل على وجوب تبليغ مضمون الآية، حتّى ينبّه نبيّه على أنّ مهمّة رسول الله تبليغ رسالته؛ وفقاً لما اضطلع به من أعباء الرسالة وتعهّد بالصمود أمام كلّ ما يعتريها من مشاقّ ومتاعب.
الثاني: كلمة بَلِّغْ التي تحمل الأمر بالتبليغ، والتبليغ عبارة عن إيصال الحكم وإبلاغه وإلقاء الحجّة، وهي غير كلمة قُلْ واقْرَأ واتْلُ واذْكُرْ وذَكِّرْ وأمثالها التي تدلّ على القول والقراءة والتذكير. كما جاء في الآيتين 38 و39 من السورة 33: الأحزاب. {ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ، الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً}.
ومن هذا المنطلق فإنّ شأن الرسالة في القرآن هو الإبلاغ، وقد جاء ذلك في الآية 99، من السورة 5: المائدة، {ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ}.
الثالث: لم يرد في قوله: {ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ} اسم الشيء النازل وتحديده، بل ورد القول بالصفة ليدلّ على أهميّة الأمر وعظمته. ولمّا كان مُرسَلًا من الله، فليس للنبيّ حقّ في تأخيره. وأيضاً نرى أنّ للنبيّ عذراً في بيانه للناس.
الرابع: القيد {مِنْ رَبِّكَ} يدلّ على أنّ الله رحيم بك وهو الكريم والخالق والمدبّر والهادي لك، وكلّ شيء يعود لك تحت قدرته. وقد أرسل لك هذا، فكيف يكون هناك ترديد وتأمّل وتروٍّ وتأخير؟
الخامس: قوله: {وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ} وجاء في بعض القراءات: فَمَا بَلَّغْتَ رَسَالاتِهِ يدلّ على أهميّة الحكم المذكور، ومدى التأكيد عليه. إذ هو على درجة من الأهميّة بحيث لو لم تقم به وحده، فكأنك لم تقم بأيّ رسالة من رسالات الله التي حملتها وتعهّدت بالقيام بها!
وجاءت هذه الفقرة وهي تحمل طابع التهديد لتُشعر بأهميّة هذا الحكم إلى الحدّ الذي لو لم يصل إلى الناس، ولم يُراعَ حقّ المراعاة، فكأنّ أيّ حكم من أحكام الله لم يصل إلى الناس من قبل الرسول، وكأنّ أيّ جزء من أجزاء الدين لم يوضع في موضعه.
ولا بدّ أن نعلم بأنّ هذه الجملة شرطيّة. وهي ليست كسائر الجمل الشرطيّة المتداولة. إذ تستعمل الجملة الشرطيّة عادة عند ما يكون تحقّقها مجهولًا؛ ولذلك فالجملة الجزائيّة تترتّب على تحقّق الجملة الشرطيّة. بَيدَ أنّ الملحوظ هنا هو أنّ مقام النبيّ الأكرم أشرف وأرفع وأجلّ من أن يحتمل الله منه تبليغ الحكم وعدم تبليغه، وهو القائل جلّ من قائل: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ}.[1]
فعلى هذا نرى أنّ هذه الجملة الشرطيّة مفادها ومؤدّاها التهديد كما يبدو من ملامحها؛ بَيدَ أنها في الحقيقة إعلان لغير رسول الله يبيّن لنا مدى الأهميّة التي يتّسم بها هذا الأمر النازل، وعذر رسول الله في تبليغه.
السادس: قوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ}. ويدلّ الشقّ الأوّل من الآية على أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم كان قلقاً خائفاً من الناس في تبليغ هذا الحكم؛ أمّا الشقّ الثاني منها فهو بمنزلة الجملة التعليليّة للجملة الاولى. ذلك أنّ الله يلجم كافّة الفئات المعارضة، ولا يمكّنها من بلوغ الأسباب التي تستطيع من خلالها أن تنازع النبيّ وتخاصمه، وتنهض للإطاحة بدينه ونظامه. فيعطّل تلك الأسباب ويبطلها. وبالتالى فإنّها لن تفلح في منازعته على هذا الأمر.
ونرى هنا أوّلا: أنّ الآية ذكرت العصمة من الناس بصورة مطلقةً، ولم يبيّن لنا طبيعة الانتهاكات التي يعصم الله نبيّه من مقترفيها، كإيذائه جسديّاً بالقتل أو السمّ، أو القتل غيلة (الفتك والاغتيال)، أو النيل من سمعته بالسبّ واللعن والشتم والافتراء والاتِّهام؛ أو مناوأته بأساليب اخرى كتشويه سمعة النبوّة وحرف خطّها بالمكر والخدعة والكيد والحيلة؛ وبصورة عامّة، فإنّ الآية سكتت عن بيان ذلك. وهذا يفيد التعميم، إذ إنّ الله يعصمه من كلّ ما شأنه مسّ الدين والإضرار به. وما يدلّ عليه سياق الآية حتماً هو حدوث فتنة تؤدّي إلى انقلاب أمر النبوّة على النبيّ، وتضيّع جهوده في رفع لواء الدين وإعلاء كلمة التوحيد والعدل، وتعبيد الناس لربّ العالمين.
ثانياً: ذكرت الآية كلمة «الناس» مطلقة لتدلّ على أنّ سوادهم يضمّ المؤمن والمنافق والذين في قلوبهم مرض، فهم خليط لا تمييز بين أجزائه.
وعلى هذا، فلو قُدّر أن يكون هناك خوف من الناس، فينبغي أن يُخاف من عامّتهم؛ والجملة التعليليّة: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ} تشعر بهذه النكتة.
ثالثاً: ليس المراد بالكافرين هنا المشركين أو اليهود والنصارى، بل الكفر هنا بمعناه العامّ المتمثّل بإخفاء الحقّ والتعتيم عليه. كما جاء في الآية 97 من السورة 3: آل عمران: {وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ}. إذ تدلّ على هذا الضرب من ضروب الكفر بالمعنى العامّ والمطلق؛ وكما سنلاحظ أنّ المراد من الكفر ليس الاستكبار وإنكار أصل الدين الذي يتحقّق بالامتناع عن أداء الشهادتين؛ ذلك لأنّ الكفر بهذا المعنى لا ينسجم مع مورد الآية، إلّا أن نقول بأنّ المراد من قوله: {ما انزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} هو مجموعة الأحكام والتعاليم الدينيّة، وهو مجانب للصواب كما سنقف عليه.
رابعاً: المراد من عدم هداية الله، هو عدم هدايتهم في كيدهم ومكرهم؛ بحيث إنّهم لا يظفرون ببلوغ أهدافهم من خلال التشبّث بالأسباب الدنيويّة الجارية؛ ولا تتحقّق آمالهم في الشرّ والفساد، كما جاء في الآية 6، من السورة 63: المنافقون: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ}.
وأمّا القول بأنّ المراد من عدم الهداية، هو عدم هدايتهم إلى الإيمان، فهو غير صحيح؛ لأنه يتنافى مع أصل الدعوة النبويّة وتبليغها؛ إذ لا معنى أن يقول الله: يا نبيّنا! ادع الكافرين إلى الإسلام وحكم الله؛ وأنا لا أهديهم؛ ولا أدلّهم على سبيل الإيمان إلّا عند إلقاء الحجّة! يضاف إلى ذلك أننا نرى رأي العين أنّ الله لا يزال يهدي الكافرين؛ فيدخلون في الإسلام فوجاً فوجاً، وقد وعد سبحانه بهدايتهم، فقال عزّ من قائل: {وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الآية 213، من السورة 2: البقرة).
فاستبان لنا ممّا تقدّم أنّ المراد من عدم هداية الكافرين هو أنّ الله يضيّق عليهم الخناق ولا يدعهم أحراراً في أداء مهامّهم وتحقيق مقاصدهم. ولا يطلق لهم العنان في إطفاء نور الله وتعطيل أحكامه النازلة من لدنه باستخدامهم الأسباب الدنيويّة العامّة. ذلك لأنّ الكافرين والظالمين والفاسقين، بما يضمرون من سوء السريرة وخبث النيّة، يلجأون إلى أسباب يبتغون من ورائها تغيير المسار الربّانيّ، فينظرون من خلال ذلك بتحقيق أمانيّهم الباطلة المتمثّلة بمحو الدين وكلمة الحقّ. وفي هذه الحالة، نرى أنّ الله سبحانه يوصد الطريق الذي تجري فيه الأسباب الصوريّة، فيحول بينهم وبين الوصول إلى غاياتهم ومسبّباتها. ذلك لأنّ سببيّة الأسباب بيده جلّت قدرته؛ فلن تغلبه الأسباب التي خلقها بيده أبداً أبداً، وحاشا له أن يكون مقهوراً ومغلوباً بها.
علماً أن هؤلاء قد يبلغون أهدافهم يوماً، ويصلون إلى ما يطمحون إليه في مدّة قصيرة ويستعلون بخيلائهم ويستكبرون، غير أنهم سرعان ما تُنكَّس أعلامهم ويحيق بهم مكرهم. وقد قال جلّ من قائل: {وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.[2]
وقال: {كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ}.[3]
ومحصّل ما ذكرنا هو أنّ قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ} في حكم التعليل والتفسير لقوله: {وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ}؛ والمراد من العصمة، حفظ رسول الله من الأضرار التي تصل إليه بدون أن يبلغ هدفه، ويحقّق طموحه في رفع لواء، الحمد والتوحيد باتّهامه بحبّ الدنيا، أو قتله بدون أن تؤتي البعثة اكلها.
وأمّا إذا أردنا أن نأخذ الآية على إطلاقها ونقول: إنّ الله يحفظ رسوله من كلّ سوء، فهو ما يتعارض مع الآيات القرآنيّة والأحاديث ومسيرة التأريخ المعلوم. وكم عانت وقاست نفسه الشريفة صلّى الله عليه وآله من امّته، سواء من كفّارها، أم منافقيها، أم مؤمنيها؛ وكم ذاق من الهموم والآلام التي لا تتحملّها أيّ نفس: إلّا نفسه الشريفة، حتّى قال في الحديث المشهور: "مَا اوذِيَ نَبِيّ مِثْلَ مَا اوذِيتُ قَطُّ".
فظهر ممّا عرضناه أنّ مفاد الآية في غاية الأهميّة؛ ولعلّ هذه الآية أهمّ الآيات الواردة في القرآن الكريم. وهذه الآية هي الآية 67 من سورة المائدة؛ وسورة المائدة آخر سورة نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله في المدينة. ونزلت كلّها أو نزل أكثر آياتها في حجّة الوداع،[4] وأتفق المفسّرون جميعهم على أنها من السور المدنيّة؛ ذلك لأنهم يسمّون السور النازلة بعد الهجرة: مدنيّة، مع أنه صلّى الله عليه وآله كان مسافراً.
بَيدَ أنّ الملحوظ هو أنّ آية قد سبقت هذه الآية، وآية جاءت بعدها، وهما تتحدّثان عن أهل الكتاب. وهذه الآية قد توسّطتهما. فالآية السابقة هي: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ}. (الآية 66).
والآية اللاحقة هي:{ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ}. (الآية 68).
فالآية التي هي مدار بحثنا (آية التبليغ) تتوسّط الآيتين؛ وهذا ما يستدعي العجب؛ ذلك لأننا لا نلاحظ أيّ صلة بينها وبين ما سبقها ولحقها من آيات، ومنها هاتان الآيتان؛ ولا يمكن القول حقّاً: إنّ آية التبليغ تبليغ بشأن أهل الكتاب. ولذلك جاءت في تضاعيف الآيات التي تحدّثت عن أهل الكتاب.
ذلك أننا أوّلا: نلاحظ أنّ الآيتين اللتين تتحدّثان عن أهل الكتاب لا تحملان أكثر من تعاليم عامّة ودعوات كلّيّة، فأنى تكون هناك حاجة إلى آية التبليغ لتتوسّطهما بلهجتها الشديدة الحادّة؟!
ثانياً: نزلت سورة المائدة في المدينة في آخر حياة الرسول الأعظم، وكان الإسلام حينئذٍ قد بلغ ذروته عزّةً وشوكةً؛ وكان الكفّار والمشركون واليهود والنصارى في الحضيض مخذولين منكوبين بائسين. ولا سطوة لهم حتّى تكون هناك حاجة إلى تبليغ حكم من الأحكام يخشى رسول الله من تبليغه، فيعده الله بالعصمة والوقاية.
ونجد إبّان هجرة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله إلى المدينة، أنّ أهل الكتاب لا سيّما اليهود قد بدت منهم العداوة والبغضاء، وأنهم آزروا كفّار قريش في الحروب؛ وتحالفوا معهم؛ وشكّلوا الأحزاب؛ فظهرت قضيّة بني قُرَيْظَة، وبني النَّضير، وبني القَيْنقَاع، وبالتالى يهود خَيْبَر وفَدَك. وقد خُذل هؤلاء أجمع ولم تقم لهم قائمة. يضاف إلى ذلك، أنّ الآية لا تضمّ أمراً شديداً وحكماً حادّاً يرتبط باليهود. علماً أنّ تعاليم قد وردت في مواضع عديدة من القرآن الكريم، قد كانت أشدّ وأمرّ وأثقل على اليهود؛ ومع ذلك فإنّ اسلوب الخطاب الموجّه للنبيّ لم يكن كاسلوب آية التبليغ. من جهة اخرى فإنّ النبيّ العظيم صلّى الله عليه وآله وسلّم قد كُلّف بمهامّ أشدّ وأثقل كتبليغ التوحيد، وإلغاء عبادة الأصنام وقطع دابرها من الوسط الذي يعيش فيه كفّار قريش ومشركو العرب. وكان هؤلاء أكثر حرصاً من اليهود على إراقة الدماء، وأشدّ منهم فظاظةً وغلظة. ومع ذلك نلحظ أنّ الله جلّ شأنه لم يهدّد نبيّه في تبليغهم كما هدّده في هذه الآية موضع البحث، ولم يضمن له العصمة في ذلك التبليغ كما ضمن له فيها. والآيات المتعلّقة بأهل الكتاب في هذه السورة تؤلّف أغلب آياتها؛ ومن المؤكّد أنّ آية التبليغ قد نزلت في هذه السورة، في وقت كانت صولة اليهود مندحرة، وقد شملهم الغضب الإلهيّ وعمّهم، إذ كانوا {كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}، فما جدوى أن تنزل آية التبليغ بهذه الخصوصيّة فيهم وفي النصارى؟ فلقد كانوا حينئذٍ في قبضة الإسلام محتمين في كنفه. علماً أننا نرى أنّ يهود نجران ونصاراها- وكانوا أكثر تعصّباً من غيرهم- قد انصاعوا لدفع الجزية آنذاك؛ فما هو المعنى من التهديد الإلهيّ- إذَن- في ظلّ تلك الظروف التي كان الإسلام ماسكاً فيها بناصية الامور، وأعنّتها بيده؟
وعلى هذا فما ذكره الفخر الرازيّ، ومَن تبعه مِن بعض المفسّرين الآخرين من العامّة كمحمّد عَبْدهُ في تفسير «المنار»[5] من أنّ الآية تتعلّق بأهل الكتاب كما يفيده سياق الآيات مجرّدٌ عن التحقيق وعارٍ من المحتوى الصحيح؛ والسبب- مضافاً إلى ما ذكر- هو أنّ إقحام آية في سياق آيات اخر لا يقبل المعارضة مع الدليل القطعيّ، والروايات والأخبار المأثورة عن علماء العامّة وكبارهم، المثبّتة في كتبهم، والمرويّة عن كبار الصحابة والتابعين. وأنى لنا أن ننفض أيدينا عن الدليل القطعيّ والحجّة العقلائيّة بمجرّد حفظ السياق، في حين أنّ السياق ليس أكثر من الظهور الإجماليّ لا غير؟ ومن هذا المنطلق، لمّا احرج كثير من مخالفي الولاية من العامّة، قالوا: إنّ آية التبليغ نزلت في مكّة إبّان البعثة النبويّة؛ وإنّها ترتبط بكفّار قريش؛ ولسان حالها يقول: لا تترك التبليغ! ولا تقصّر في إيصال الآيات إلى كفّار قريش! وإذا لم تفعل فكأنك لم تقم بمهمّة النبوّة ولم تؤدّ حقّها! والله يحفظك من شرّ الكفّار! وهكذا، فهذه الآية مكّيّة وقد جاءت في سورة المائدة المدنيّة.
وهذا الكلام أيضاً بعيد عن التحقيق للسببين التاليين: أوّلًا: أنّ الآيات النازلة في بدء البعثة لم تعرف بالشدّة والحدّة والتهديد، بل كانت مرنة ليّنة، كقوله جلّ من قائل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى آخر السورة 96: العلق. وكقوله: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} إلى آخر السورة 74؛ وكقوله: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ}.[6]
ثانياً: أنّ رسول الله لا يخشى أحداً في مقام طاعة الله وتبليغ أحكامه؛ ومقام النبيّ الأكرم أشرف وأجلّ من أن لا يضحّي بنفسه في سبيل الأمر الإلهيّ، ويضنّ بها في طاعة الله ويرفض أن يسفك دمه فهذا الكلام- والوجدان شاهد- تكذّبه سيرته الشريفة التي ترجمتها حياته المباركة.
يضاف إلى ذلك، أنّ ما نقله الله لنا عن أنبيائه يدحض هذا الكلام ويدفع قول القائلين بأنهم كانوا يخشون ويخافون من الناس. فقد قال: سبحانه: {ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ، الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً}.[7]
فلا بدّ أن نعلم أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسائر الأنبياء عليهم السلام في ضوء هاتين الآيتين لا يعرفون الخوف والفزع في مقابل المسئوليّة الإلهيّة وتنفيذ الأوامر الصادرة من الذات الأحديّة. فمقام النبوّة والاتّصال بعالم الغيب، والانس بالموجودات المجرّدة، والأنوار البسيطة والعقول الكاملة، والملائكة المقرّبين، والذات والصفات والأسماء الإلهيّة لا يدع لهم مجالًا للشغف والولع بالجسد المادّيّ والقالب الطبعيّ والطبيعيّ.
ولهذه الآية ظهور يتجسّد في أنّ النبيّ لا يعرف الخوف والحرج تكوينيّاً؛ وكذلك سنّة الله في الأنبياء الذين خلوا، فإنّهم أيضاً لم يعرفوا الحرج والخوف تكوينيّاً. وما يستدعيه مقام النبوّة هو الشجاعة ورباطة الجأش بحيث إنّ حبّ وجاذبيّة الله اجتذبتهم إلى درجة أن غرقوا وانمحوا حيث لا يرون إلّا جمال الله وجلاله، ولا يرون لكائن آخر أصالة فيخافون منه؛ وفي ظلّ هذه الأجواء لا يعرفون جسداً وقالباً وسوءاً وضرراً وقتلًا وفتكاً وغير هذه الأشياء، ولا يكترثون بها؛ وليس عندهم إلّا الله وكفى وَيَخْشَوْنَهُ ولَا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلَّا اللهَ فحَسب. قد غشيتهم خشيته، وأحاطت بهم حتّى جعلتهم لا يبالون بأحد ولا يخشونه مهما كان.
وقد حذّر الله المؤمنين وحظر عليهم الخوف من الشيطان وأوليائه، فقال جلّ من قائل: {إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.[8]
وقد أثنى الله على المؤمنين الذين أخافهم الناس فلم يخافوا، فقال جلّ شأنه: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.[9]
وكذلك فليس من الصواب أن نقول: إنّ النبيّ كان يخاف القتل، فيبطل بالنتيجة مفعول الدعوة إلى الله؛ ويذهب عطاء النبوّة سدي؛ فعلى هذا كان يرجئ القيام بمهمّة ما انزِلَ؛ لكي لا تترتب هذه المفسدة على ذلك؛ وقد خاطبه الله تعالى بقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}.[10] لأنّ الله تعالى غير عاجز أن يحيى الإسلام والدعوة إلى التوحيد عند مقتل نبيّه صلّى الله عليه وآله بسبب آخر ووسيلة اخرى غير نبيّه الكريم.
أجل، فالمعنى الصحيح لخوف رسول الله، الذي يمكن استنباطه من قوله: {وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} هو فقط أنّ النبيّ كان يخاف من تبليغ الأمر أن يتّهموه تهمة يذهب معها أثر الدعوة هباءً منثوراً، ولا تعوّض جهوده المحمودة المباركة في الدعوة والتبليغ. كأن يقولوا مثلًا: هذه ليست نبوّة، بل هي حكومة دنيويّة ورئاسة مادّيّة وتحكّم وتسلّط على الناس في زيّ النبوّة والرسالة الظاهريّة. إنّه أمر سقيم أجوف، ودليله أنه لمّا شعر بدنوّ أجله، صمّم على أن يورث أعقابه الرئاسة كما يفعل سلاطين العالم وحكّامه. ولمّا لم يكن له ابن يرثه، فقد نصب صهره خليفة له.
فهذه التهمة إن آتت اكلها، فقد اندرس أثر الدعوة النبويّة وعفى وبطل مفعول الرسالة وضاع سدى.
نعم، كان هذا الاجتهاد والرأي جائزين بشأن رسول الله. وكان صلّى الله عليه وآله مأذوناً في ممارسة هذا النهج بلا خوف يعتري نفسه الشريفة.
[1] الآية124، من السورة 6: الأنعام.
[2] الآية43، من السورة 35: فاطر.
[3] الآية17، من السورة 13: الرعد.
[4] «الإتقان» الطبعة الاولي، ج 1، ص 23. أخرج عن محمّد بن كعب، عن طريق أبي عبيد: أنّ سورة المائدة نزلت في حجّة الوداع بين مكّة و المدينة.
[5] تفسير «مفاتيح الغيب» ج 3، ص 636؛ و «تفسير المنار» ج 6، ص 467.
[6] الآية6، من السورة 41: حم السجدة.
[7] الآيتان 38 و 39، من السورة 33: الأحزاب.
[8] الآية175، من السورة 3، آل عمران.
[9] الآية173، من السورة 3: آل عمران.
[10] الآية128، من السورة 3: آل عمران.