

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
الكشوف الجغرافية والموجة الاستعمارية الأولى من القرن 15 إلى القرن 18(الملامح العامة للاستعمار في هذه المرحلة)
المؤلف:
أ. د. عبد العظيم رمضان
المصدر:
تاريخ أوربا والعالم الحديث من ظهور البرجوازية الأوربية الى الحرب الباردة
الجزء والصفحة:
ج1 ص 185 ــ 207
2026-01-16
53
رأينا كيف نشأت الدول القومية الحديثة على أنقاض المجتمع الإقطاعي، وكيف أسهمت الطبقة البورجوازية الجديدة في نشأة هذه الدول عن طريق مساندتها للملكية في صراعها مع النبلاء الإقطاعيين، الأمر الذي ترتب عليه أن هذه الدول القومية الحديثة قد أصبحت دولا مركزية موحدة تحكمها ملكيات مطلقة، حيث أصبح الذي يشخص الأمة.
وبعد ظهور هذه الدول الأوروبية الحديثة أخذت تتطلع، بدافع العزة القومية والتعصب القومى، إلى التوسع، إما خارج أوروبا، وهذا ما أنتج حركة الكشوف الجغرافية وما تلاها من الموجة الاستعمارية الأولى، وهى التي استمرت من القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر (الموجة الثانية بعد الانقلاب الصناعي في القرن التاسع عشر)، وإما داخل أوروبا، وهذا أنتج الحروب الإيطالية والحروب التالية لها التي خاضتها الدول تحت أسباب مختلفة.
وسنعالج هنا التوسع الأوروبي خارج القارة الأوروبية فيما وراء البحار، وهو الذي أنتج - كما ذكرنا - حركة الكشوف الجغرافية والموجة الاستعمارية الأولى.
ويهمنا قبل أن نتتبع الزحف البورجوازي الاستعماري الأوربي فيما وراء البحار أن نبرز أهم ملامحه وسماته العامة. وأولى هذه الملامح والسمات هى الفلسفة الاقتصادية التي تم هذا الزحف في ظلها، وهي المركانتيلية Mercantile System أو المذهب التجاري.
ومن المعلوم أن الاستعمار قد سبق ظهور الرأسمالية بزمن طويل. ففي مرحلة العبودية، ملكت أثينا وفينيقية وقرطاجة وروما مستعمرات واسعة لاجتلاب العبيد. وفى مرحلة الإقطاع احتاج الإقطاعيون إلى الاستيلاء على الأراضي لتوسيع رقعة ممتلكاتهم، فالغزو الصليبي، على سبيل المثال، لم يكن في جوهره الا تنفيسا عن مشكلة التشبع الإقطاعي الذي بلغه النظام الاقطاعي في غرب أوروبا عند نهاية القرن العاشر والذي أدى إلى تكاثر الطبقة الاقطاعية على الأرض الزراعية حتى أصبحت لا تتسع لها، وكانت هذه الطبقة هي التي قادت الحروب الصليبية وخرجت إلى الشرق تبحث عن أراض إقطاعية.
أما في العصور الحديثة التي نحن بصددها، فقد انبعثت السياسة الاستعمارية وتأسيس الإمبراطوريات الاستعمارية من الطبقة البورجوازية التي نشأت في رحم المجتمع الإقطاعي، وكان نوع النشاط الاقتصادي الذى كانت تمارسه هذه البورجوازية، وهو التجارة، هو الذي قاد خطاها إلى حركة الكشف الجغرافي أولا، ثم إلى حركة الاستعمار ثانيا.
ومعنى ذلك أنه لم تكن نظريات الشمال والجنوب، أو المناخ أو العنصر المتفوق هي سبب سقوط شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تحت الاستعمار الأوروبي وتخلفها، كما يدعى الاستعماريون، وإنما كان ظهور الطبقة البورجوازية الأوروبية وتحولها الحتمي إلى الاستعمار - كمرحلة من مراحل تطورها - هو السبب، وكانت هذه الطبقة هي التي حققت المكاسب وجنت الأرباح دون غيرها من طبقات الشعب في بلاد المستعمرات.
وعلى حد قول الأستاذ تاوني Tawney في كتابه «الدين وظهور الرأسمالية» Relgion and the Rise of Capitalism:
«أمسكت البرتغال وأسبانيا بمفاتيح خزائن الشرق والغرب، ولكن الذي جنى الثمار المادية للتوسع الإمبريالي الذي دخلت الدولتان في حومته، لم يكن البرتغال بقلة سكانها وإمبراطوريتها التي لم تكن تزيد على خط من القلاع والمحطات يمتد عشرة آلاف ميل، ولا أسبانيا التي أخذت تترنح تحت وطأة مسئوليات إمبراطوريتها الضخمة المتناثرة، وهي تجعل التعصب الديني دينها، وتظهر عدم الكفاية فى المسائل الاقتصادية، وإنما كانت هاتان الدولتان لا تعدوان مجرد وكلاء سياسيين لقوم أشد مكرا ودهاء، ولشخصيات أخبر وأعلم بفنون السلم».
وفي الحقيقة انه يمكن تتبع الموجة الاستعمارية للرأسمالية الأوروبية التجارية فى تلك المرحلة بتتبع حركة التجارة الأوروبية في ذلك الحين.
وكانت أوروبا في العصور الوسطى تكفي نفسها بنفسها بالنسبة لكثير من السلع، الا انه كان ينقصها بعض السلع التي لا يمكن إنتاجها محليا بسبب عدم صلاحية المناخ لزرعها، مثل القطن والحرير ومواد الصباغة والعقاقير، وعلى رأس هذه المواد التوابل الضرورية لحفظ لحوم الماشية المذبوحة في فصل الشتاء، وجعلها مقبولة الطعم.
وكان المصدر الوحيد لهذه التوابل هو جزر الهند الشرقية التي كانت تصل منها المنتجات إلى أوروبا إما عبر الطريق البري من الصين إلى فارس ثم آسيا الصغرى فالقسطنطينية وموانئ البحر الأبيض الأوروبية، وإما عبر الطريق البحري الذي يصل إما إلى الخليج، ومنه إلى نهر الفرات والموانئ السورية، ومنها إلى موانئ أوروبا الجنوبية عن طريق البحر المتوسط، وإما يصل إلى البحر الأحمر ومنه إلى النيل ثم إلى الإسكندرية.
ولما كانت البورجوازية التجارية الايطالية في البندقية تحتكر هذه التجارة في جزئها الغربي، في حين كانت البورجوازية العربية تحتكرها في جزئها الشرقي، فقد أحست البورجوازية الأسبانية البرتغالية بوطأة هذا الاحتكار الاقتصادي، وبدأت تفكر جديا في كشف الطريق البحري حول أفريقيا للوصول إلى جزر الهند الشرقية.
ولما كانت البورجوازية العربية التي تحتكر تجارة التوابل في جزئها الشرقي هي بورجوازية إسلامية، فمن هنا اصطبغ العامل المادي بالعامل الديني، واختلطا في ذهن البورجوازية البرتغالية والإسبانية، التي رفعت في ذلك الحين شعارات القضاء على المسلمين عن طريق انتزاع تجارة الشرق من أيديهم.
يقول ألبوكيرك في خطابه الذي ألقاه على جنده في ملقا Malacca: «إن إبعاد العرب عن تجارة التوابل هو الوسيلة التي نرجو بها إضعاف قوة الإسلام» فكأن الهدف الاستراتيجي هو إضعاف الإسلام وليس إبعاد العرب عن تجارة التوابل.
ومن هنا تتبدى مهارة البورجوازية في المزج بين مصلحتها الخاصة والمصلحة العامة، ذلك أنها تعرف أن رفع شعار احتكار تجارة التوابل وانتزاعها من يد العرب، لا يبعث الحماس إلا في صدور كبار التجار وحدهم. أما رفع شعار إضعاف الاسلام، فإنه يبعث الحماس في الغالبية العظمى من الشعبين البرتغالي والإسباني.
في ذلك الحين، كانت المركانتيلية هي المذهب الاقتصادي أو السياسة الاقتصادية التي جرت بإلهامها حركة الاستعمار الأوروبي، ونحن نعرف أن النظريات الاقتصادية لا تنشأ من فراغ. وإنما هى انعكاس لظروف اقتصادية تدعو إليها، وهذه النظريات ليست أديانا منزلة، وإنما وضعها وفلسفها أفراد ومجتمعات لكي تنظم مصالحها، وهي بالتالي قابلة للتغيير حين تتغير هذه المصالح. ولقد كانت المركانتيلية هي المذهب الاقتصادي الذي قام ليعبر عن مصالح المجتمعات الأوروبية الحديثة فى ذلك الحين، وهي تطلق على مجموعة الآراء والأعمال الاقتصادية التي تميزت بها على وجه الخصوص الفترة فيما بين 1500، و1800م، والتي مكنت الدولة القومية الحديثة التي ظهرت فى أعقاب العصور الوسطى من تحقيق وحدتها وقوتها.
فلقد رأينا كيف نشأت الدول القومية الحديثة في أوائل العصور الحديثة على أنقاض النظام الإقطاعي. وقد اختلفت هذه الدول عن الملكيات التي ظهرت في العصور الوسطى، فلم تكن الدولة فى العصور الوسطى تعتمد على ميزانية كبيرة، لافتقارها إلى السلطة المركزية، وكان الملك يحصل على دخله من أملاكه وكانت الخدمات المدنية قدر ما يسد مصروفاتها، أما الدولة الحديثة، ذات السلطة المركزية، فقد اختلفت لحد كبير، فقد تطلب الجيش والأسطول والإدارة الداخلية أموالا طائلة، وكان الحصول على هذه الأموال هي مشكلة هذه الدول. فلما كان المال معناه القدرة على تعبئة الجيوش وإعدادها، فإن أغنى الدول كانت من ثم أقواها، وهي تستطيع أن تحكم العالم.
في ذلك الحين، كان الكشف عن القارة الأمريكية واستغلال مناجم بيرو، وانتقال مركز التجارة القديمة من البحر المتوسط وبحر البلطيق إلى سواحل الأطلنطي، قد أدى إلى تدفق المعادن النفيسة إلى غرب أوروبا على يد الإسبانيين والبرتغاليين والهولنديين والإنجليز. ولما كان الذهب والفضة يعتبران ثروة بحق فقد ذهبت آراء الاقتصاديين فى الدول القومية الحديثة إلى أنهما أساس القوة الاقتصادية وعصب الحرب، ومن ثم اعتقدوا أن الدولة التي تحتفظ بأكبر قدر من الثروة في خزانتها تصبح أقوى دولة، ولكن لكي يكون للدولة الحديثة فائض من المعادن النفيسة، يجب أن يكون ميزانها التجاري فى صالحها ، بمعنى أن تزيد صادرتها على واردتها، لأن العكس يترتب عليه دفع الفرق ذهبا أو فضة، مما يؤدى إلى ضعف الدولة اقتصاديا، وبناء على هذه النظرية قامت السياسة الاقتصادية لدول أوروبا في تلك الفترة على الآتي:
(1) فرض ضرائب عالية على الواردات الصناعية وتشجيع انتاجها محليا، بما يقتضيه ذلك من تدخل الدولة.
(2) الاهتمام بالتجارة الخارجية، وتفضيلها على التجارة الداخلية ونقل كل الأرباح إلى الوطن الأم.
(3) الاهتمام بالفتوح الاستعمارية لاحتكار التجارة، واجتلاب أكبر قدر من الربح.
(4) فرض القيود على تصدير المعادن النفيسة.
(5) الاهتمام باستغلال المناجم داخل الدولة لاستخراج الذهب والفضة.
(6) الاتجاه إلى الحصول على ممتلكات في الخارج بها مناجم ذهب وفضة.
(7) توفير أسطول تجارى كبير لخدمة هذه السياسة، من ناحية اعتماد البلاد التي تستورد البضائع الأوروبية على هذا الأسطول من جانب، ومن ناحية توفير قدر كبير من نفقات النقل فيما لو تم على سفن الدولة المستوردة من جانب آخر.
(8) استخدام جهود الدولة وتدخلها ونفوذها لتحقيق هذه الأغراض.
وقد يتطرق إلى الذهن أن هذه السياسة المركانتيلية القائمة على تدخل الدولة، قد نبعت فقط من رغبة ملوك الدولة المركزية في ذلك الحين، وهي التي تخضع لنظام الحكم المطلق، في تحقيق أهداف هذه الدولة في تحقيق الوحدة الاقتصادية والسياسية وتقوية الدولة. على أن الحقيقة أن هذه السياسة قد نبعت أيضا من رغبة الطبقة البورجوازية التي وجدت أن الوسيلة لاستئثارها بالنفوذ في الدولة القومية هي الحكومة المركزية القوية التي تستطيع وحدها تنشيط التجارة الوطنية بفتح الأسواق الجديدة وبناء القوة العسكرية اللازمة لحماية هذه التجارة، ولم تكن تخشى من وجود الحكومة المركزية القوية لأن هذه الحكومة كانت في حاجة مستمرة لمعوناتها المالية.
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في كل من هولندا وانجلترا حيث كان نفوذ البورجوازية التجارية قويا . ولا يخفى على كل حال الصلة الوثيقة بين البورجوازية والملكية في تلك الفترة، وهي صلة تحالف ضد الطبقات الإقطاعية. فالطابع البورجوازي هو الذي يهيمن على النشاط الاقتصادي في الدولة القومية الحديثة.
وعلى كل حال، فيهمنا النتائج التي ترتبت على هذه السياسة الاقتصادية الاستعمارية بالنسبة للمستعمرات، وتتمثل في الآتي:
أولاً: الأسلوب الاستعماري فى تلك المرحلة. وهو أسلوب النهب والاستنزاف الاستعماريين الكبيرين لشعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهو نهب واستنزاف لم يقتصرا على الثروات الطبيعية بل تعدياها إلى الثروة البشرية أيضا، حيث تحولت أفريقيا إلى مزرعة لاصطياد السود وبيعهم في الأمريكتين.
ثانياً: إدماج هذه المستعمرات في السوق العالمية بعد أن فرض الاستعمار عليها الاقتصاد التجاري. وكانت حياة هذه المستعمرات الاقتصادية قائمة على الإنتاج الزراعي والتجارة الداخلية، وبعض التجارة الخارجية المحلية مع الدول المجاورة فأصبحت تقوم على التجارة الدولية.
ثالثاً: انتقال هذه المجتمعات على وجه العموم من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة بعد اضطرارها إلى الدخول في علاقات دولية جديدة مع دول ذات حضارات أكثر تقدما. وكانت العزلة عن هذه الحضارات هي طابع حياتها السياسية في المرحلة السابقة.
رابعاً: انقلاب حياة هذه المستعمرات الاجتماعية والسياسية تبعا لانقلاب حياتها الاقتصادية. وكانت أهم هذه التغيرات هي التي تتمثل في نمو طبقة من التجار فى هذه البلاد متحالفة. مع المصالح الأجنبية التجارية، وتطلع هذه الطبقة إلى القوة والنفوذ السياسي وحدوث تغييرات في العلاقات الاجتماعية والسياسية الداخلية تبعا لذلك، على رأسها هدم النظام القبلي وفوق ذلك انتقال مراكز الاقتصاد والقوة السياسية من المناطق الداخلية إلى الساحل.
خامساً: التفرقة العنصرية في كل من الولايات المتحدة وأفريقيا، التي نتجت عن استنزاف الثروة البشرية لبيعها في الخارج كسلعة من السلع من ناحية، ومن ناحية أخرى نتيجة تصدير الفائض البشرى من الشعوب الأوروبية الناتج عن زيادة السكان فيها.
هذا على كل حال فيما يتصل بالخصيصة العامة الأولى من خصائص المرحلة الاستعمارية الأولى. أما الخصيصة الثانية، فهي أن هذه المرحلة هي على وجه الإجمال مرحلة سيادة الدول البحرية الأوروبية على الدول القارية.
ففي هذه المرحلة، وحتى ابتداء القرن الحالي، كانت الدولة التي تسيطر على الأطلنطي قادرة على تصريف سياسات المحيطات. فالتحكم في الأطلنطي كان معناه السيادة على المحيط الهندي، فالسيطرة في النهاية على المحيط الهادي.
وفي أثناء المائة السنة الأولى كانت السيادة على الأطلنطي للدولتين الأيبيريتين «أسبانيا والبرتغال»، وبالتالي كانت السيادة التجارية في أيديهما. ولكن هذه السيادة لم تلبث أن انتقلت إلى أيدي الهولنديين الذين انتزعوها قسرا من البرتغاليين. وبعد هزيمة «الأرمادا»، وهي الحملة البحرية التي أرسلتها أسبانيا لغزو إنجلترا في عهد فيليب الثاني سنة 1588م، انتقلت السيادة إلى بريطانيا، وظل الصراع قائما بينها وبين فرنسا حتى أواسط القرن الثامن عشر. ومنذ ذلك الحين لم تتعرض السيادة البريطانية البحرية لأي تحد خطير حتى أوائل الحرب العالمية الثانية.
وقد تمثلت هذه الحقيقة ليس فقط بالنسبة للهند وسيلان وأندونيسيا، التي كانت للدول الأوروبية البحرية على امتداد سواحلها مستوطنات تجارية وبعض السلطان السياسي، بل وأيضا بالنسبة للصين واليابان.
فقد كانت للإمبراطورية الصينية القوية مع الجزر الأندونيسية علاقات تجارية ضخمة، لكن السيادة البحرية التي حققها البرتغاليون هناك فصمت هذه العلاقات فصما، واضطرت الإمبراطورية الصينية المتفوقة في البحر إلى الانسحاب المطلق من البحار، ولم تعد السفن الصينية تبحر بعد ذلك إلى ملقا أو جاوة بل إن الصين نفسها لم تلبث أن وقعت منذ بداية القرن السادس عشر فريسة لحصار قوى دام حتى منتصف القرن التاسع عشر. أما بالنسبة لليابان فقد كان لها علاقات تجارية أيضا مع الملايو والجزر الجنوبية، بل لقد كانت لها أطماع سياسية حول فورموزا وجزر الفلبين، ولكن وصول البرتغاليين إلى المحيط الهادي أدى إلى تضييق دائرة النشاط الياباني، اللهم إلا في بحر الصين الشمالي والبحر الكوري. وهكذا كانت السيطرة للدول البحرية.
على أن الفشل النهائي الذي انتهت إليه سيادة الدول الأوروبية البحرية، واضطرارها فى النهاية إلى الانسحاب من الدول القارية وآخر مثال لذلك انسحاب الولايات المتحدة من فيتنام شاهد على أن الاعتماد على القوة البحرية فى الشئون العسكرية يؤدى في النهاية إلى خيبة الأمل.
ففي الصراعات التاريخية الكبرى الحاسمة، يبرهن التاريخ على أن الدولة التي تبدأ الصراع بقوة بحرية كبرى، تلقى الهزيمة في النهاية على يد القوة البرية، وأن الكتل القارية التي تحيق بها الهزيمة في البداية لا تلبث أن تتغلب على القوى المعتمدة على البحر.
أما الخصيصة الثالثة، فهي أن مفهوم السوق في هذه المرحلة يختلف عن مفهوم السوق في العصر الصناعي، أي في المرحلة الإمبريالية للاستعمار.
ذلك أنه وإن كانت السيادة قد عقدت في هذه المرحلة الأولى للقوى الأوروبية البحرية، إلا أن هذه القوى لم تكن تمثل في ذلك الحين في كل الأحوال، حضارة متفوقة تزحف للأمام وتتحدى حضارة البلاد التي سادتها كما أنها لم تكن تمثل أيضا على الدوام أي تحد لأساليب الحياة التي تعارف عليها البشر في ذلك الحين وقبلوها. بل إن أوروبا لم يكن لديها في ذلك الحين خصوصا بالنسبة لآسيا إلا القليل لاقتصاد تلك البلاد. فلم تجد شركة مثل شركة أمستردام ما تصدره إلى سيام في ذلك الحين سوى مجموعة من المنحوتات والتماثيل وصور العذراء والصور العارية!
وفي الحقيقة أن الطلب على البضائع الأوروبية في هذه البلاد كان قليلا، إلى أن تمكنت مصانع مانشستر من إنتاج منسوجات رخيصة، وإلى أن أمكن تصدير البضائع المصنوعة بالآلات.
وحتى القرن التاسع عشر كان الطلب على البضائع الأوروبية أقل من المتوقع، وعلى العكس من ذلك فإن آراء الاقتصاديين التجاريين، التي تقوم على عدم تصدير الذهب لشراء البضائع، لم تستطع أن تحد من طلب الشعوب الأوروبية على البضائع الشرقية بل ساعد ازدياد الثروة والترف على استمرار الطلب على هذه البضائع والاستزادة منها.
وفي البداية كان الطلب الأول على التوابل، ففي القرن السادس عشر وحتى القرن السابع عشر كانت التوابل تتسلط على التجارة بين أوروبا وآسيا، ولكن بعد تدفق ثروة أمريكا على أوروبا مائة سنة، وإغداق مناجم الذهب والفضة بأمريكا الوسطى والجنوبية الثراء على الشعوب البحرية الواقعة على ساحل الأطلنطي، تحولت نقطة الاهتمام التجاري إلى أصناف أخرى.
فلقد كان من الطبيعي أن يورث هذا الرخاء الاقتصادي في أوروبا أنواعا جديدة من الطلب، فاشتد الاقبال في إنجلترا وفرنسا وأسبانيا، وهي الدول العظمى فى ذلك الحين، على الموسلين والمنسوجات المطبوعة المستوردة من الهند، وعلى الشاي والحرير من بلاد الصين، وعلى البن من جزر الهند الشرقية والهولندية. وما وافت سنة 1695م حتى حلت المنسوجات الهندية محل المنسوجات البريطانية على نحو أدى إلى قيام ناسجي الحرير بمدينة «سبيتال فيلد» spital Field بمظاهرة أمام دار البرلمان !
ولم يكن الموقف فى فرنسا بأحسن من هذا، حتى صدرت فيها، تحت ضغط مصانع المنسوجات في البلاد، عدة تشريعات متعاقبة تحد من تدفق سيل البضائع الهندية والصينية.
ولم يقتصر الطلب على المنسوجات، بل لقد كان من السلع المهمة المرغوبة ورق الجدران والمراوح، والخزف الصيني، وشيلان الكشمير، والديباج الموشى من الهند، وهكذا كانت التجارة الآسيوية حتى القرن التاسع عشر تجارة من جانب واحد تقريباً.
وقد أثرت هذه النظرية المركانتيلية فى اتجاه إنجلترا إلى استعمار الهند، فبسبب عدم وجود شيء لدى الإنجليز يدفعونه مقابل التوابل التي يحصلون عليها من جزر أندونيسيا، في الوقت الذي كان اقتصاديو ذلك الوقت يكرهون - كما ذكرنا - تصدير الفضة أو الذهب، رأى وكلاء شركة الهند الشرقية الإنجليزية أنه يمكن تمويل تجارة التوابل عن طريق الأرباح الناتجة عن جلب المنسوجات الهندية وبيعها في: تلك الجزر. وهكذا كان الهدف من إنشاء مركز تجارى فى الهند هو شراء المنسوجات. وكان المكان الذي اختير لهذا الغرض هو سورات Surat سنة 1612م. ولكن عندما طرد الإنجليز من أندونيسيا، عادت المشكلة إلى الظهور، إذ كيف السبيل لدفع اثمان التجارة الهندية بغير طريق الذهب والفضة؟ وعندئذ بدا للشركة أن طريق التجارة بالبحر الأحمر منفذ مريح.
وعلى كل حال، فإن هذا يبين أن مفهوم «السوق» في تلك المرحلة يختلف عن مفهوم «السوق» في القرن التاسع عشر بعد الانقلاب الصناعي. فالسوق فى المرحلة الأولى الاستعمارية، كان
سوق احتكار شراء بأسعار بخسة، أما في القرن التاسع عشر فكان سوق احتكار بيع. وفى الحقيقة أنه لم يكن إلا بعد الانقلاب الصناعي حين أصبح لأوروبا بضاعة تستطيع تصديرها، وحضارة تستطيع تحدى أسس المجتمعات في تلك الدول التي فرضت سيادتها عليها، ويمكنها إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية لها شأنها.
الخصيصة الرابعة: إذا كان الاستعمار قد طرق أبواب قارات العالم القديم والجديد فى هذه المرحلة، فإنه في العالم القديم (أفريقيا وآسيا) ظل في جوهره ساحليا أو شبه ساحلي بدرجة أو
بأخرى.
وفي أفريقيا بالذات كان الاستعمار ساحليا بحتا. فقد كانت أفريقيا بالنسبة للاستعمار صندوقا مغلقا موحشا يدور حوله ذهابا وجيئة، ولكنه لا يملك مفاتيحه، ولا يملك الحضارة التي يمكنها أن تنفذ إليه وتفتح مغاليقه.
أما آسيا، فإن قوة الإمبراطوريات البحرية الموجودة في ذلك الحين على أرضها، سواء فى الهند أو الصين كانت تشكل حاجزا مانعا ضد التوغل الاستعماري الأوروبي إلى الداخل.
وعلى وجه العموم، فإن طبيعة الاستعمار التجارية في تلك المرحلة قد انعكست في قصر اهتماماته على الأشرطة الساحلية.
وفى الوقت نفسه، فان هذه الطبيعة الساحلية تعتبر انعكاسا لنظرة الاستعمار إلى هذه القارات، فقد كانت نظرة ملاح أساسا، بمعنى أنه لم يكن يتعرف على كتل قارية، بقدر ما كان يتعرف على أشرطة ساحلية، ولذلك فإن هذه الموجة الاستعمارية الأولى يمكن أن توصف بأنها مرحلة الاستعمار «الواسع» أو «الفــســـيـح» لا الكثيف». ومن تراث هذه المرحلة وتلك النظرة الأسماء العديدة التي مازلنا نطلقها «ساحل غانة»، و«ساحل الذهب»، و «ساحل العاج»، و«ساحل الزنج»، و«ساحل مالابار»، و«ساحل كروماندل» و«ساحل كارناتيك».
ولقد كانت المراكز التجارية في أفريقيا في البداية عبارة عن محطات من أجل الوصول إلى الهند. فلقد كانت أفريقيا بالنسبة للاستعمار البرتغالي، الذى كان أول ما طرق سواحلها، عتبة للهند لأن الهدف الأكبر كان هو الوصول إلى الهند، فلما تم الوصول إلى الهند أهملت هذه المراكز الأفريقية، ولم يبق منها إلا عدد قليل ظل يعمل في العاج، وبعض المنتجات الأفريقية.
ولما اكتشفت أمريكا، واحتاجت حقول قصب السكر والمطاط إلى الأيدي العاملة، تحولت هذه المراكز إلى تجارة الرقيق، دون أن يمتد النفوذ إلى الداخل، ودون أن يصحب هذا النفوذ استغلال للأرض. وقد استمرت هذه التجارة طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشر، حتى قامت حركة مقاومة تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر، فضعفت هذه المراكز إلى حد التصفية.
على أن الأمر اختلف بالنسبة للعالم الجديد، لأسباب ديموغرافية وجغرافية. ففي العالم القديم، دخل الاستعمار مناطق مأهولة بالسكان كثيفة ومدارية، أما في العالم الجديد، فقد دخل الاستعمار مناطق مخلخلة قليلة السكان، يصلح كثير منها بحكم ارتفاعه لتوطن البيض، ولذلك فقد اتخذ نمطا تغلغليا واستيطانيا أيضا.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ففي أفريقيا المدارية كانت الطبيعة تغلف القارة السوداء بساحل غير مضياف، تقل فيه المواني الجيدة، وتتكاثر عليه الأمواج الضاربة. وفى أعماق القارة كانت تسود إما صحراوات قاحلة موحشة، وإما غطاءات نباتية كالأسلاك الشائكة. وحتى أنهار القارة العظيمة هي الأخرى مسدودة أو شرايين مقطوعة. وذلك بحكم تركيب القارة ككتلة هضبية، فقرب مصابها تهوى الأنهار من حالق فى شلالات تشل الملاحة والحركة دخولا أو خروجا.
في حين كان هناك تشابه طبيعي ومناخي كبير بين هضاب أمريكا وهضبة قشتالة التي أتى منها الأسبان، كما أن الطبيعة كانت متشابهة، فيما عدا أن كل شيء كان يبدو أكبر: الجبال والغابات والسهول والمستنقعات، وكان ذلك مما سهل عملية الانتشار والتمدد.
الخصيصة الخامسة: تعويضا لعجز الاستعمار في هذه المرحلة عن التوغل الداخلي، وعن «الاستعمار الجغرافي» في العالم القديم، لجأ إلى نمط آخر، خصوصا في أفريقيا بالذات، وهو «الاستنزاف الديموغرافي» - أي تجارة الرقيق.
لذلك فقد تميز هذا العصر بأنه عصر النخاسة على نحو لم يسبق له مثيل من قبل ولا من بعد فقد كان الرقيق أغلى سلعة في التجارة الاستعمارية، وكان وقود آلة المركانتيلية الأسود، وعليه بنت القوى البحرية اقتصادها ورخاءها. وكان للبرتغاليين أولا، ثم الإنجليز بعدهم، الدور الأكبر في هذه التجارة الإجرامية، كما شارك الهولنديون والفرنسيون فيها بقدر. ويقال إن لشبونة وليفربول قد بنيتا على عظام الرقيق ودمائه.
وقد شهد المحيط الأطلنطي مثلثا دمويا (التجارة المثلثة كما تسمى) تبدأ فيه السفن بنقل شحنات بضائع ومصنوعات بريطانيا إلى غرب أفريقيا، حيث تستبدل بها شحنات آدمية، وتذهب بها عبر المحيط لتفريغها في أمريكا الشمالية والوسطى، والجنوبية، ومنها تعود محملة بمحاصيل المداريات من سكر وقطن وتبغ... الخ.
وتختلف تقديرات عدد الرقيق المستنزف من أفريقيا، ولكن البعض يقدرها بحوالى المائة مليون على أن من مات في أثناء «الصــيــد» و «الرحلة ثلاثة أرباع من وصل بالفعل إلى العالم الجديد. وإذا صح هذا الرقم، فلا شك أن هذه أعظم موجة في حركات السكان في التاريخ البشري جميعاً.
وفي مقابل هذه الحقيقة الرهيبة حقيقة أخرى لا تقل عنها شناعة، تتصل بالسبب الأساسي في هذا الاستنزاف الديموغرافي، أي تجارة الرقيق، وهو إبادة الهنود الحمر في العالم الجديد. ذلك أن الاستعمار لجأ في العالم الجديد إلى إبادة الهنود الحمر خصوصا في أمريكا الشمالية، حيث كان الشعار الأمريكي الخالد هو: «الهندي الطيب هو فقط الهندي الميت» حتى تحول الهندي الأحمر إلى شبح وأسطورة، والى عينات متحفيه لأجناس بائدة!
وفي استراليا - على سبيل المثال - وصلت عملية إبادة الجنس إلى حد صيد الرءوس بشكل علني ومنظم - أحيانا كنوع من الرياضة!
أما في أمريكا الوسطى والجنوبية فقد نجا هنودهما من الانقراض عددهم نسبيا (12 مليونا).
وعلى كل حال، فبسبب إبادة الهنود الحمر بالجملة في العالم الجديد، فقد افتقر الاستعمار إلى الأيدي العاملة، وعندئذ لجأ إلى نقل زنوج افريقيا بالجملة. فكأن الاستعمار قد قام بعملية نزح وتفريغ كاملة نزح من العالم القديم، وتفريغ في العالم الجديد.
وفيما بعد حين تغلغل الاستعمار في أفريقيا في القرن التاسع عشر، كان الموقف قد انقلب، فإن عملية النزح منها قد أحدثت في بعض أجزائها تفريغا، ومن ثم ع عمد الاستعمار إلى تهجير الهنود والآسيويين إليها لملء الفجوة الفارغة.
وفي الوقت نفسه، وعلى طول المرحلتين الاستعماريتين، كانت الهجرة الأوروبية البيضاء تضخ باستمرار في أنحاء العالم الثالث وإن كان العالم الجديد هو المصب الأكبر لهذه الهجرة.
ولقد كانت محصلة هذه العملية الاستعمارية الغريبة في النهاية هي إعادة توزيع البشرية ديموغرافيا وأنثروبولوجيا على ظهر الأرض، وتغيير الألوان التقليدية للقارات، بل وانشاء مجتمعات جديدة ضخمة ليس لها مثيل، خصوصا في أمريكا اللاتينية
فقد رأينا كيف نجا هنودها من الانقراض بسبب ضخامة عددهم نسبيا، ولكنهم لم ينجوا بطبيعة الحال من المخالطة الجنسية والتهجين الجنسي الذي ليس له مثيل فى العالم، حتى أصبحت أمريكا الجنوبية بوتقة أجناس بدرجة أكبر من أمريكا الشمالية. فهي تجمع بين ثلاثة أجناس هى الهنود، والبيض، والزنوج. والتكوين الاثنوجرافي الموجود الحالي للمجتمعات اللاتينية يتألف من: أسباني أو برتغالي + هندي أو زنجي + مولد من هندي أو زنجي + خليط من هؤلاء.
الخصيصة السادسة: ترتب على نزوح البيض إلى المجتمعات الملونة في العالم القديم والجديد تغيير فى العادات الاجتماعية لهذه المجتمعات.
ففي حالة الاستعمار الموجه إلى بلاد حارة، كانت الهجرة البيضاء تقتصر غالبا على الذكور فقط، ومن ثم يصبح الفرد – وليس العائلة - وحدة المجتمع، كما هو الحال في البرتغاليين في الهند والهولنديين في جزر الهند الشرقية. ومن ثم كانت تزداد نسبة الإقبال على الخمور، ويليها ازدياد في نسبة الجرائم، ثم الاختلاط غير الشرعي بالوطنيات.
أما إذا كان الاستعمار موجها إلى بلاد مناخها معتدل، كما هو الحال في شمال أفريقيا وجنوبها، فتكون العائلة هنا المجتمع، ولكن إحساس هذه العائلة ببعدها عن الانتقاد كان يدفعها إلى التحلل الأخلاقي، الذي كان ينعكس بدوره على الوطنيين.
الخصيصة السابعة: ترتب على نزوح المستعمرين في أراض زراعية، أن أخذوا يستغلون علمهم في زراعة أنواع من المحاصيل تلائم البيئة وتوافق مصلحة الدولة الاستعمارية التي تحتكر التجارة والصناعة. وأدى ذلك إلى خلق نوع من التخصص الزراعي أضر لحد كبير باقتصاديات المستعمرات، إذ جعل هذا الاقتصاد عبدا للمحصول الرئيسي لمدة طويلة، حتى استطاعت هذه المستعمرات التحرر وتكييف اقتصادها على أساس سليم. وسنرى أمثلة لذلك فيما بعد، ولكن يكفي أن نرسم الصورة الآتية للتخصص الزراعي في صادرات بلاد العالم الثالث:
ففي السنغال يمثل الفول السوداني %92 من صادرتها. وفي النيجر، يمثل الفول السوداني أيضا 87% من الصادرات، وفي كولومبيا يمثل البن %74، وفى هاييتي وسلفادور وجواتيمالا
والبرازيل يمثل البن %77، 73%، %62 على التوالي. أما في جمهورية مصر العربية فيمثل القطن %70، وفي سيلان يمثل الشاي 66%، وفي غانا يمثل الكاكاو %66 أيضا، وفي كوبا يمثل السكر 95٪.
فضلا عن ذلك، فإن الإنتاج الزراعي الذي جرى في ظل الحكم الاستعماري، لم يقم على أساس اقتصادي سليم. لأنه قام على أساس زيادة الكمية لا على أساس تحسين النوع. ولم يكن يتبع الدورة الزراعية أو نظام حفظ التربة. ولذا لم يهتم المستعمر بمستقبل المستعمرات، سواء من ناحية الإنتاج أو الأهالي.
ويختلف الأمر بالنسبة للمستعمرات ذات الجو المعتدل الذي يشجع على الاستيطان، كما هو الحال في شمال أفريقيا وجنوبها حيث عمد المستعمرون إلى تحسين النوع.
الاكثر قراءة في التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)