ذكر سِبْط بْنُ الجَوْزيّ هذه المعاني التي نقلناها عن الرازيّ كلّها إلّا المالك، والعبد قبل العِتق. وجعل معاني المولى عشرة، عاشرها الأوْلَى. ونقل لكلّ معنى شاهداً من القرآن الكريم، أو من شعر العرب، ثمّ قال: «المعاني المذكورة في حديث ولاية الغدير لا تصحّ، إلّا الوجه العاشر وهو الأولَى ومعناه: مَنْ كُنْتُ أوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيّ أوْلَى بِهِ. وقد صرّح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفيّ الإصبهانيّ في كتابه المسمّى ب-: «مَرَج البَحْرِين»، فإنّه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه، وقال فيه: فأخذ رسول الله صلّى الله عليه [و آله] وسلّم بِيَدِ عليّ عليه السلام فقال: مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ وَأوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيّ وَلِيُّهُ. فعلم أنّ جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر. ودلّ عليه أيضاً قول رسول الله: أ لَسْتُ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟ وهذا نصّ صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته. وكذا قول رسول الله صلّى الله عليه [و آله] وسلّم: وَأدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ وَكَيْفَمَا دَارَ! وهذا [الكلام من رسول الله] بإجماع الامّة. أ لا ترى أنّ العلماء إنّما استنبطوا أحكام البغاة من وقعة الجمل وصفّين».[1]
وقال محمّد بن طَلْحَة الشافعيّ بعد ذكر حديث الولاية في الغدير وشأن نزول آية التبليغ نقلًا عن «أسباب النُّزول» للواحديّ، وبعد نقله سبعة معان لكلمة المولى: «قول رسول الله في غدير خمّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ قد اشتمل على لفظه «مَنْ»، وهي موضوعة للعموم. فاقتضى أنّ كلّ إنسان كان رسول الله مولاه، كان عليّ بن أبي طالب مولاه. واشتمل على لفظه «المَوْلَى». وهي لفظة مستعملة بإزاء معان متعدّدة وردت في القرآن الكريم. وهي تارة تكون بمعنى أوْلَى، قال الله في حقّ المنافقين: {مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ}.[2] معناه: أولى بكم.
وتارة بمعنى الناصر؛ قال الله: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ}.[3] أي: لا ناصر لهم.
وتارة بمعنى الوَارِث؛ قال تعالى: {وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ}.[4] الموالى هنا: الورّاث. [جعلنا لكلٍّ ورّاثاً].
وتارة بمعنى العَصَبَة أي: الأقارب من جهة الأب. قال الله تعالى [على لسان زكريّا على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام] {وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي}.[5] معناه عصبتي. [و قرابتي من أبي].
وتارة بمعنى الصَّديق والحَميم. قال الله تعالى: {يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً}.[6] معناه: حميم عن حميم، وصديق عن صديق، وقرابة عن قرابة.
وتارة بمعنى السيّد والمعتق. وإذا كانت واردة لهذه المعاني، فعلى أيّها حملت؟ إمّا على كونه أولى كما ذهب إليه طائفة؟ أو على كونه صديقاً حميماً؟ فيكون معنى الحديث: من كنت أولى به أو ناصره؛ أو وارثه؛ أو عصبته؛ أو حميمه أو صديقه؛ فإنّ عليّاً منه كذلك.
وهذا صريح في تخصيصه لعليّ عليه السلام بهذه المنقبة العليّة؛ وجعله لغيره كنفسه بالنسبة إلى من دخلت عليهم كلمة «مَنْ» التي هي للعموم بما لم تجعله لغيره.
وليعلم أنّ هذا الحديث هو من أسرار قوله تعالى: في آية المُبَاهَلَة: {فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ}.[7]
والمراد من نفس رسول الله هنا نفس عليّ عليه السلام، فإنّ الله قرن بين نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله وبين نفس عليّ. وجمعهما بضمير مضاف إلى نفس رسوله. صلّى الله عليه وآله.
وفي حديث الولاية يوم الغدير أثبت رسول الله صلّى الله عليه وآله لنفس عليّ عليه السلام ما هو ثابت لنفسه على المؤمنين عموماً. فإنّه صلّى الله عليه وآله أولى بالمؤمنين، وناصر المؤمنين، وسيّد المؤمنين. وكلّ معنى أمكن إثباته ممّا دلّ عليه لفظ المولى لرسول الله، فقد جعله لعليّ عليه السلام.
وهي مرتبة سامية ومنزلة سامقة ودرجة عليّة ومكانة رفيعة خصّص رسول الله صلّى الله عليه وآله بها عليّاً عليه السلام دون غيره. فلهذا صار ذلك اليوم يوم عيد وموسم سرور لأوليائه».
ثمّ أطال ابن طلحة الحديث عن هذا الموضوع مفصّلًا وعرض بحثاً مفيداً وشاملًا ضمّ الأحاديث الدالّة على منزلة أمير المؤمنين عليه السلام بنحو وافٍ.[8]
وقد نقلنا فيما مضى ستّة عشر معنى لكلمة المَوْلَى عن ابن الأثير الجَزَريّ في «النهاية»،[9] فأصبح مجموع معانيها سبعة عشر معنى بعد إضافة الأوْلَى.
[1] «تذكرة خواصّ الامَّة» ص 19 و 20.
[2] الآية15، من السورة 57: الحديد.
[3] الآية11، من السورة 47: محمّد.
[4] الآية33، من السورة 4: النساء.
[5] الآية5، من السورة 19: مريم.
[6] الآية41، من السورة 44: الدخان.
[7] الآية61، من السورة 3: آل عمران.
[8] «مطالب السَّئول»؛ ص 16 و 17. القطع الرحليّ. فصل ما يتعلّق بالإمام الأوّل عليّ.
[9] «معرفة الإمام» ج 5، الدرس 61 و 62.