ذكر الشيخ أبو الفتوح الرازيّ في تفسيره أحد عشر معنى للمولى، مع مثال لكلّ واحد منها. ونظراً لأهمّيّة كلامه في هذا المجال ننقله نصّاً: «اعلم أنّ المولى في اللغة على عدّة أقسام: المَوْلَى بمعنى الأوْل، وهو الأصل، وترجع إليه الأقسام الاخرى للمولى كما يقال. ومن شواهده، قَولُهُ تَعالى: {مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ}.[1]
أي: أنها أولى بكم. ولا تحتمل معنى آخر.
المعنى الثاني للمولى: مَالِك الرِّقّ. والشاهد عليه قَوْلُهُ تَعَالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ} ... إلى قوله: {وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ}.[2] يعني على مَالِكِه.
والمعنى الثالث: المُعْتِق ويسمّى: مَوْلَىً مِنْ فَوْق.
والرابع: المُعْتَق ويسمّى: مَوْلَىً مِنْ تَحْتٍ. وكذلك يطلق المَوْلَى على الله.
والمعنى الخامس: يطلق على العبد قبل العِتق.
ولا يحتاج إلى شواهد لأنها معاني معروفة.
ولعلّ من شواهد المُعْتِق قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ}.[3]
والمعنى السادس: الناصر. قال الله تعالى: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ}،[4] أي: لَا نَاصِرَ لَهُمْ.
المعنى السابع: مولى ضمان الجريرة كما يعتق رجل عبداً، ويتبرّأ من ضمان جريرته وولائه، فيقول: أنا بريءٌ من خيره وشرّه. ويُدعي: سَائبَة. فهو يذهب ويتولّي أحداً، وذلك الشخص يضمن جريرته، وله ولاء الميراث. يطلق على هذا الشخص: مَوْلَى.
المعنى الثامن: الحَلِيف.
المعنى التاسع: الجار.
المعنى العاشر: السيّد المطاع، والرئيس، والإمام، ومن انخرط في هذا السلك.
فمن تأمّل هذه الأقسام يجد أنّ معناها جميعها: الأولى. فالله أولى بالعبد، والعبد أولى بالله؛ والمعتِق أولى بالمعَتق، والمعتَق أولى بالمعتِق؛ والجار أولى بالجار؛ والحليف أولى بالحليف؛ والناصر أولى بالمنصور؛ وابن العمّ أولى بابن العمّ؛ وهكذا ضامن الجريرة؛ فهؤلاء أولى بأصحابهم من غيرهم الذين ليس لهم هذه الولاية؛ فصحّ- إذَن- أن يكون المعنى أوْلَى، وهذا المعنى هو المناسب هنا».[5]
[1] مقطع من الآية15، من السورة 57: الحديد.
[2] هذا البيت من معلّقة لبيد بن ربيعة، و هي من المعلّقات السبع. يقول: فغدت البقرة و هي تحسب أنّ كلا فرجيها خلفها أو أمامها أولي بالمخافة منه.
[3] الآيتان 75 و 76، من السورة 16: النحل.
[4] الآية5، من السورة 33: الأحزاب.
[5] «تفسير أبي الفتوح» ج 2، ص 197 و 198.