يقول أبو الفتوح الرازيّ في تفسيره: نقل أبو إسحاق الثَّعْلَبي المُفَسِّر إمام أصحاب الحديث في تفسيره الذي سمّاه «الكَشف والبيان» أنّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَة سُئل عن شأن نزول الآية: {سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ}[1] فيمن نزلت؟! فقال سفيان للسائل: سألتني عن مسألة ما سألني أحد عنها قبلك! حدّثني أبي، عن أبي جعفر: محمّد بن عليّ، عن آبائه صلوات الله[2]
عليهم أنّه لمّا بلغ رسول الله غدير خمّ، أخبر الناس؛ فاجتمعوا، وأخذ بِيَدِ عليّ وقال: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ". فشاع هذا الخبر وطار في الأمصار، ومَن بلغهم هذا الخبر: الحَارِثُ بنُ النُّعْمَان الفَهْرِيّ.
فركب ناقته، وتوجّه إلى رسول الله، فجاء حتّى وصل إلى العسكر؛ نزل من ناقته ثمّ عقلها؛ ووجّه وجهه نحو خيمة رسول الله؛ وكان رسول الله جالساً مع المهاجرين والأنصار.
فقال: يا محمّد! جئتنا وقلت لنا: اتركوا آلهتكم الثلاثمائة والستّين؛ وقولوا: الله واحد! فقلنا. وقلت: قولوا: أنا رسول الله! ونحن قلنا أيضاً. وأمرتنا أن نصلّى في اليوم والليلة خمس صلوات! فقبلنا ذلك. وأمرتنا أن نصوم! فقبلنا. وأمرتنا أن نزكّي أموالنا فقبلنا! وأمرتنا أن نحجّ البيت؛ فرضينا؛ وأمرتنا بالجهاد؛ فقبلنا.
ثمّ لم ترض بذلك كلّه حتّى رَفَعْتَ بِضَبْعِ[3] ابْنِ عَمِّكَ فَرَفَعْتَهُ وَفَضَّلْتَهُ عَلَيْنَا، فَقُلْتَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ! فَهَذَا شيءٌ مِنكَ أمْ مِنَ اللهِ؟!
فقال رسول الله: وَاللهِ الذي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّ هَذَا مِنَ اللهِ.
ولمّا سمع الحارث ذلك، ولّى نحو ناقته وهو يقول: {اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ}.[4]
فما إن أتمّ كلامه حتّى نزل حجر من السماء، فوقع على رأسه، فقتله في مكانه، وأنزل الله تعالى هذه الآية: {سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ، لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ، مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ}.[5] فقد أرسل الله رحمته، وهذا الرجل طلب العذاب؛ فقيل له: لمّا كانت الرحمة لا تنفعك، فليس لأحد أن يدفع عنك العذاب. {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ}. ولقد أرسلتُ ولَاية جعلتُ فيها كمال الدين وتمام النعمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.
وذكر الشيخ الطبرسيّ هذا الحديث وشأن نزول الآية في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بنفس الطريقة مع اختلاف وذلك في تفسير «مجمع البيان» بسنده المتّصل عن الحاكم أبي القاسم الحَسْكَانِيّ حتّى يصل إلى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة.
إلّا أنه أولًا: يسند الحديث إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق؛ لا الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام.
وثانياً: إن السائل عنده هو النُّعْمَانُ بْنُ الحَرْثِ الفَهْرِيّ لا الحَارِث بْن النُّعْمَان. غير أنه قال في بداية حديثه: وقيل: إنّ القائل هو النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ بْنُ كَلْدَةَ.[6]
وذكر المجلسيّ هذه الرواية في «البحار» عن «تفسير فرات بن إبراهيم»؛ وكذلك عن «طرائف السيّد بن طاووس»، عن الثعلبيّ، وعن كتاب «كَنْز جَامِعِ الفَوَائِد» عن محمّد بن عبّاس بسنده عن سفيان بن عيينه أيضاً؛ ثمّ قال [صاحب «الكنز» أروي هذا الحديث بسند آخر عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام هكذا]: تلا الإمام الصادق عليه السلام هذه الآية: {سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ «بِوَلايَةِ عَلِيٍّ» لَيْسَ لَهُ دافِعٌ} ثمّ قال: هكذا في مصحف فاطمة.
وروى البرقيّ عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (الصادق) أنه قال: "هَكَذَا وَاللهِ أنْزَلَهَا جَبْرَئِيلُ على النَّبِيّ، وَهَكَذَا هُوَ مُثْبَتٌ في مُصْحَفِ فَاطِمَةَ".[7]
وأخرج المجلسيّ أيضاً حديثين آخرين عن «تفسير فُرَات بنِ إبراهيم» في شأن نزول الآية: {سَأَلَ سائِلٌ}، إذ نزلت في الأعرابيّ الذي طلب العذاب لِما سمعه من ولاية على بن أبي طالب؛ الأوّل: ذكر الحديث مُعَنعناً عن أبي هريرة؛ والثاني: عن جعفر بن محمّد بن بشرويه القطّان مُعَنعناً عن الأوزاعيّ، عن صَعْصَعَة بن صُوحان، والأحنف بن قيس، قالوا جميعاً: سمعنا عن ابن عبّاس يقول: كنّا مع رسول الله إذ دخل علينا ذلك السائل؛ ثمّ ذكر القضيّة كلّها.[8]
وفي كتاب «الغدير» عند ما ينقل هذه الرواية عن أبي إسحاق الثَّعْلَبيّ، فإنّه ينقلها بنفس الألفاظ التي أتينا بها عن «تفسير أبي الفتوح» تقريباً؛ مع هذا الفارق وهو أنه أوّلًا: ينقل الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام، وثانياً يقول: توجّه الحَرْثُ بْنُ النُّعْمَان نحو رسول الله حتّى أتى الأبطح.[9] وكلمة الأبطح غير موجودة في رواية أبي الفتوح.
يضاف إلى هذه الرواية أنه يذكر ثلاثين نصّاً في شأن نزول الآية عن تفاسير أهل السنّة وكتب تراجمهم ومناقبهم.[10] ومن ذلك يقول بأنّ السائل في رواية الحافظ أبي عُبَيْد الهَرَويّ في تفسير «غريب القرآن» هو جابر بن النَّضْر بن الحارث بن كلدة العبدريّ.
ويقول في الهامش: لا يبعد أن يكون السائل جابر بن النَّضْر [بن الحارث] وإن ذكر الثعلبيّ الذي نقل عنه أكثر العلماء أنه الحَارِثُ بن النُّعْمَان الفَهْرِيّ- حيث إنّ جابراً قتل أميرُ المؤمنين عليه السلام والده النَّضْر [بن الحارث]، صَبْراً بأمر من رسول الله صلّى الله عليه وآله لمّا اسر يوم بدر الكبرى. وكان الناس حديثي عهد بالكفر، [و لم يتمكّن الإيمان من قلوبهم]؛ ومن جرّاء ذلك كانت البغضاء محتدمةً بينهم على الأوتار الجاهليّة، [و هي التي دفعت جابراً أن يقول ما قاله ثأراً لدم أبيه].[11]
أقول: يؤيّد هذا الكلام أنّ الشخص في «تفسير أبي الفتوح» هو النضر بن الحارث بن كَلدة كما رأينا. ومن المؤكّد أنه ليس النضر نفسه، بل جابراً. ولمّا كانوا يدعون الأبناء بأسماء آبائهم غالباً، فلهذا ذكروا على أنه النضر.
وفيما يلي نتحدّث عن قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} من حيث شأن النزول، ومن حيث الدلالة؛ ثمّ نعرّج على حديث غدير خُمّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ من حيث السند والدلالة. ذلك أنّ هذين البحثين: أعني: شأن نزول الآية بَلِّغْ، وحديث الولاية مستقلّان بعضهما عن بعض ولا ترابط بينهما.
أمّا في شأن نزول آية التبليغ، فقد روى صاحب كتاب «غاية المرام» ثمانية أحاديث عن طريق الخاصّة، وتسعة أحاديث عن طريق العامّة.[12]
ومن حيث الكتب الروائيّة والتفسيريّة والتأريخيّة لأصحابنا الإماميّة رضوان الله عليهم فلا خلاف بينهم في أنّ الآية نزلت في ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو أمر متسالمٌ عليه فيما بينهم؛ وننقل هنا عدداً من الروايات عن بعض مصادرهم الروائيّة؛ يتلو ذلك الروايات الواردة في كتب العامّة.
[1] الآية1، من السورة 70: المعارج.
[2] في نسخة «فرائد السمطين» ج 1، ص 82، باب 15، إذ تنقل هذه الرواية عن الثعلبيّ، يُسند هذه الرواية إلى سفيان بن عُيَينة عن الإمام الصادق عليه السلام بدون ذكر أبيه: عُيَينة. و يبدو أنّ هذا هو الصحيح، لأنّ المجلسيّ رضوان الله عليه الذي أخرج هذه الرواية في «بحار الأنوار» طبعة كمباني، ج 9، ص 216 و 217 عن «تفسير فرات بن إبراهيم» عن «تفسير الثعلبيّ»، أخرجها عن سفيان، عن الإمام الصادق عليه السلام. و لو قال أحد: فما هو الإشكال الذي يترتّب على ذلك سواء رواها سفيان عن الصادق عليه السلام بلا واسطة، أو رواها عن الباقر عليه السلام بواسطة أبيه؟ فهما روايتان لا تنافي بينهما؛ و قد رويت في «تفسير أبي الفتوح» بسند، و في «تفسير فرات بن إبراهيم» بسند آخر.
و نقول في الجواب: لم يرد في كتب الرجال و منها: «معجم رجال الحديث» ج 8، ص 159، رقم 5237؛ و ج 13، ص 239، رقم 9251 و 9252؛ و «تنقيح المقال» للمامقانيّ ج 2، ص 39 و 40؛ و كذلك في ص 364 أنّ أبا سفيان: عُيَيْنَة بن ميمون أبو عمران من أصحاب الباقر عليه السلام. يضاف إلى ذلك أنّ رجال العلم رووا هذه الرواية في تفاسيرهم عن تفسير الثعلبيّ لا عن مصادر مختلفة، و هي ليست أكثر من رواية واحدة. و احتمال الرواية عن الباقر عليه السلام ليس أكثر من مجرّد فرض، و لا يبعث هذا على تعدّد الرواية. و مصدر هذه الرواية الذي ذكره كثير من علماء الشيعة و العامّة في تفاسيرهم و كتبهم في المناقب هو «تفسير الثعلبيّ» فقط كما جاء في تفسير «مجمع البيان» الذي سنتعرّض له لاحقاً، و الرواية الواردة فيه رواية واحدة لا غير.
[3] الضَّبْع: ما بين الإبط إلي نصف العضد من أعلاها.
[4] الآية32، من السورة 8: الأنفال.
[5] «تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 2، ص 194، طبعة مظفّري؛ و «تفسير القرطبيّ» ج 18، ص 278 و 288؛ و «تذكرة خواصّ الامّة» ص 19؛ و «فرائد السمطين» ج 1، الباب 15، ص 82 و 83؛ و «نظم درر السمطين» ص 93؛ و «السيرة الحلبيّة» طبعة سنة 1353 هـ، ج 3، ص 308 و 309؛ و «تفسير المنار»، ج 6، ص 464؛ و تفسير «الميزان» ج 19، ص 79؛ و «غاية المرام» ج 2، ص 397، الباب 117، حديثان عن طريق العامّة، و في ص 398 الباب 118 ستّة أحاديث عن طريق الخاصّة؛ و «الفصول المهمّة» لابن صبّاغ المالكيّ، الطبعة الحجريّة ص 26 و 27، و طبعة النجف، ص 24.
[6] «مجمع البيان» طبعة صيدا، ج 5، ص 325.
[7] «بحار الأنوار» ج 9، ص 216 و 217.
[8] نفس المصدر السابق.
[9] «الغدير» ج 1، ص 240 طبعة الآخونديّ. مطبعة الحيدريّ، طهران.
[10] المصدر السابق، ص 239 إلي 246.
[11]«نفس المصدر السابق.
[12] «غاية المرام»، ص 334 إلي 336.