يقول الكاتب العبّاسيّ أحمد بن أبي يعقوب بن واضح المعروف باليعقوبيّ: توجّه رسول الله صلّى الله عليه وآله من مكّة إلى المدينة ليلًا، ووصل مكاناً قرب الجُحفة يقال له: غدير خُمّ لثماني عشرة ليلة خلت من شهر ذي الحجّة: وَقَامَ خَطِيباً وَأخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ فَقَالَ: "أ لَسْتُ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفُسِهِمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَآلِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ". ثُمَّ قَالَ: "أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي فَرْطُكُمْ وَأنْتُمْ وَارِدِيّ على الحَوْضِ؛ وَإنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا. وَقَالُوا: وَمَا الثَّقَلانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَطَرَف بِأيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تُضِلُّوا وَلَا تُبَدِّلُوا؛ وَعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي".[1]
ونقل الطبريّ في كتاب «الولاية» عن زيد بن أرقم أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم قال في آخر الخطبة: معاشر الناس! قولوا: أعطيناك على ذلك [أي على ولاية عليّ بن أبي طالب] عهداً عن أنفسنا؛ وميثاقاً بألسنتنا؛ وصفقة بأيدينا؛ نؤدّيه إلى أولادنا وأهالينا؛ لا نبغي بذلك بدلًا؛ وأنت شهيدٌ علينا! وكفى بالله شهيداً.
[أيّها الناس] قولوا ما قلت لكم؛ وسلّموا على عليّ بإمْرَةِ المُؤْمِنِينَ! وقولوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ}.[2] فإنّ الله يعلم كلّ صوت وخائنة كلّ نفس؛ {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.[3] قولوا ما يرضى الله عنكم {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ}.[4]
قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: سَمِعْنَا وَأطَعْنَا على أمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ بِقُلُوبِنَا.[5]
[1] «تاريخ اليعقوبيّ» ج 2، ص 112، طبعة بيروت، سنة 1379 هـ.
[2] الآية43، من السورة 7: الأعراف.
[3] الآية10، من السورة 48: الفتح.
[4] الآية7، من السورة 39: الزمر.
[5] «الغدير» ج 1، ص 270، عن محمّد بن جرير الطبريّ في كتاب «الوَلاية». و عن أحمد بن محمّد الطبريّ الخليليّ في كتاب «مناقب عليّ بن أبي طالب» تأليف سنة 411 في القاهرة.