0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم

علوم القرآن

أسباب النزول

التفسير والمفسرون

التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل

مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج

التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين

القراء والقراءات

القرّاء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة

تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن

الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة

قصص قرآنية

قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله

سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة

حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية

العقائد في القرآن

أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية

التفسير الجامع

حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص

حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة

حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر

حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن

حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات

حرف الدال

سورة الدخان

حرف الذال

سورة الذاريات

حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن

حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة

حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ

حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح

حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف

حرف الضاد

سورة الضحى

حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق

حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر

حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية

حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق

حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش

حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون

حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل

حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد

حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس

حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة

حرف الواو

سورة الواقعة

حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس

آيات الأحكام

العبادات

المعاملات

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

إبلاغ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام طيلة فترة النبوّة

المؤلف:  السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ‏

المصدر:  معرفة الإمام

الجزء والصفحة:  ج/7ص6-32

2026-01-05

1342

+

-

20

المقدّمة الاولى: إنّ تعريف أمير المؤمنين عليه السلام إماماً لم يقتصر على يوم الثامن عشر من ذي الحجّة في السنة العاشرة من الهجرة ضمن حجّة الوداع في وادي غدير خمّ على بُعد ميلين عن أرض الجُحفة، بل كان ذلك اليوم يوم التنصيب الكلّيّ، و‏التعريف لجميع الناس، و‏الإعلان لعموم الامّة، و‏إلّا فإنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم كان يصرّح بمقامات أمير المؤمنين عليه السلام و‏درجاته و‏إمامته و‏ولايته و‏وصايته و‏خلافته و‏اخوّته و‏سائر مناقبه و‏فضائله، و‏ذلك في مجالس و‏محافل عديدة، و‏في الخفاء و‏العلن، و‏في الصلح و‏الحرب، و‏في مكّة و‏المدينة، و‏لكلّ رهط و‏جماعة كانت على اتّصال به طيلة حياة أمير المؤمنين عليه‏ السلام.

ولد أمير المؤمنين عليّ عليه في الكعبة؛ و‏حينما اعطي رسول الله صلّى الله عليه و‏آله قماطه، تلا سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. و‏نشأ في حجر الرسول الكريم. و‏هو أوّل من صدّقه يوم كان في العاشرة من عمره. و‏هو القائل: نزل الوحي على رسول الله يوم الاثنين، و‏آمنت يوم الثلاثاء. و‏عند ما كانت الدعوة في سنينها الثلاث أو السبع و‏حيث كانت دعوة الرسول في دور الخفاء، فإنّ أحداً لم يصلّ معه في الكعبة غير أمير المؤمنين، و‏غير خديجة.

وفي اليوم الأوّل الذي صدع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و‏آله بدعوته في المجلس الذي أقامه لعشيرته الأقربين، إذ دعاهم لمؤازرته في حمل أعباء النبوّة، و‏معاضدته على القيام بشؤون الرسالة، لم يجبه إلّا ذلك الفتى اليافع، و‏العاشق المُستبسل، و‏النابه الواعي. و‏عندئذٍ اختاره للوزارة و‏الولاية و‏الخلافة.

ولقد قال صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم في ذلك اليوم: "فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي على هَذَا الأمْرِ وَ‏أنْ يَكُونَ أخِي وَ‏وَصِيِّي وَ‏خَلِيفَتِي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِي؟" ولم يجبه إلّا عليّ بقوله: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ! قال: "فَأنْتَ أخِي وَ‏وَصِيِّي وَ‏وَارِثِي وَ‏خَلِيفَتِي فِيكُمْ!".

ونلاحظ هنا أنّ تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام في مقام الوزارة و‏الخلافة و‏الوصاية كان في إبّان البعثة، و‏منذ ذلك اليوم الذي اعلنت فيه النبوّة لقريش وفقاً لتعيين رسول الله صلّى الله عليه و‏آله إيّاه عملًا بآية الإنذار: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، و‏حديث العشيرة.

ويدلّ هذا المعنى بكلّ وضوح أنّ مقام الرسالة، و‏مقام الإمامة متلازمان متّصلان، و‏لا يقبلان الانفصال و‏الانفكاك، و‏لا أساس للرسالة بدون الوزارة و‏الخلافة، و‏لا أصل و‏لا جذور للنبوّة بدون الولاية. فالولاية خفيرة الرسالة، و‏الإمامة حافظة للنبوّة، و‏أنَّ الوجود المحدِث للوحي و‏الإنزال من قِبَل الرسول الكريم يصل إلى كماله بواسطة الوجود الحافظ و‏الخفير و‏المخلّد لأمير المؤمنين، فقد قال عزّ من قائل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ‏أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ‏رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}.[1]

وقد تكلّمنا عن حديث العشيرة و‏آية الإنذار بشكل واف في الدرس الخامس من الجزء الأوّل من كتابنا هذا «معرفة الإمام».

هذا و‏قد دعا النبيّ الأكرم أمير المؤمنين صلوات الله عليهما و‏آلهما كراراً و‏مراراً بـ:"أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، وَ‏سَيِّدُ المُسْلِمِينَ، وَ‏الإمَامُ، وَ‏الحُجَّةُ، وَ‏الوَصِيّ، وَ‏سَيِّدُ العَرَبِ، وَ‏سَيِّدٌ في الدُّنْيَا وَ‏الآخِرَةِ، وَ‏سَيِّدُ الأوصِيَاءِ، وَ‏سِيِّدُ الخَلائِقِ، وَ‏سَيِّدُ الوَصِيِّينَ، وَ‏أميرُ البَرَرَةِ، وَ‏إمَامُ البَرَرَةِ، وَ‏خَيْرُ البَشَرِ، وَ‏خَيْرُ الامَّةِ، وَ‏خَيْرُ الوَصِيِّينَ، وَ‏خَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ".

وعند ما ترك رسول الله المدينة في غزوة تبوك، و‏استخلف عليها عليّاً، فإنّه قال له: "أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي".

أي: أنّ كلّ ما كان لهارون من مواصفات فهي لك إلّا النبوّة، فإنّه لا يأتي نبيّ بعدي، و‏لن تكون نبيّاً- أنت كهارون! أي: أنت أخي؛ أنت وصيّي! أنت خليفتي من بعدي! أنت وزيري و‏معيني و‏حافظ نبوّتي!

وقال النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم: "إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ‏ اللهِ وَ‏عِتْرَتِي، وَ‏إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا على الحَوْضَ".

وقال: "مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبهَا نَجَى، وَ‏مَنْ تَخَلَّف عَنْهَا غَرِقَ‏".

والمراد من أهل الذكر في الآية: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.[2] هم أهل البيت صلوات الله و‏سلامه عليهم.

والمراد من حبل الله في آية: {وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ‏لا تَفَرَّقُوا}.[3]

فهم الصراط المستقيم، و‏العروة الوثقى إذ لَا يَقْبَلُ اللهُ الأعْمَالَ مِنَ العِبَادِ إلَّا بِوِلَايَتِهِمْ عَلِيّاً.

والمقصود من النعيم في الآية الشريفة: {ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ‏}. هو نعيم الولاية.

والمقصود من المؤاخذة و‏السؤال في آية: {وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ‏}.[4] هي المؤاخذة و‏السؤال عن الولاية.

وقال النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم: "لَا يَجُوزُ أحَدٌ عَنِ الصِّرَاطِ إلَّا وَ‏كَتَبَ لَهُ عَلِيّ الجَوازَ".

وقال‏ النبيّ: عَلِيّ قَسِيمُ الجَنَّةِ وَ‏النَّارِ.

وقال: عَلِيّ مَعَ القُرْآنِ وَ‏القُرْآنُ مَعَ عَلِيّ.

وقال: عَلِيّ مِنِّي وَ‏أنَا مِنْهُ‏.

وقال: عَلِيّ مِنِّي كَنَفْسِي وَ‏كَرَأسِي مِنْ بَدَنِي.

وقال: عَلِيّ مَعَ الحَقِّ وَ‏الحَقُّ مَعَ عَلِيّ: اللهُمَّ أدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ.

وقال: عَلِيّ خَيْرُ البَشَرِ، مَنْ أبى فَقَدْ كَفَرَ.

والمراد من اولي الأمر في قوله: تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَ‏أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ‏أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏}،[5] هم أمير المؤمنين و‏الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.

ونزلت آية التطهير: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ‏يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} في رسول الله، و‏أمير المؤمنين، و‏الزهراء، و‏الحسن، و‏الحسين عليهم السلام، و‏في الأئمّة الاثنى عشر المعصومين عموماً.

وقال النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم: "أهْلُ بَيْتِي أمَانٌ لأهْلِ الأرْضِ"‏.

وجاء في آية المباهلة: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ‏أَبْناءَكُمْ وَ‏نِساءَنا وَ‏نِساءَكُمْ وَ‏أَنْفُسَنا وَ‏أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ}.[6] و‏المقصود من «أنفُسَنَا» هنا هي نفس أمير المؤمنين التي جعلتها الآية نفسَ النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم.

وفي قوله تعالى: في‏ {بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ‏يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏}،[7] حيث إنّ تجلّيات النور الإلهيّ المشعّة و‏المنتشرة في شبكات عالم الإمكان هي في البيوت التي‏ {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ‏يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. و‏المراد من البيوت هنا هي قلوب الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم و‏أرواحهم المقدّسة.

والمقصود من‏ {ذَوِي الْقُرْبى‏} في قوله تعالى‏: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}،[8] هم قربى الرسول الكريم صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم من نسل الصدّيقة الكبرى عليها السلام و‏أمير المؤمنين عليه السلام.

والمقصود من‏ {خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ‏عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}،[9] هم أمير المؤمنين و‏شيعته.

ولمّا نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم: "إنَّ عَلِيَّاً وَ‏شِيعَتَهُ هُمُ الفَائِزُونَ".

والمراد من النبأ العظيم في قوله تعالى: {عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏}.[10] هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

والمقصود من قوله: {مِنَ النَّاسِ} في الآية: {وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏}.[11] هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

والذي كان شريكاً لرسول الله في سرّه، و‏عمل بآية النجوي من خلال تقديمه الصدقة و‏الهديّة إلى رسول الله هو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام طبق الآية: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ‏ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً}.[12]

وفي الآية الشريفة: {قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ‏بَيْنَكُمْ وَ‏مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏}.[13]

اعتُبر أمير المؤمنين عليه السلام في مصافّ الذات الإلهيّة المقدّسة تعالى شأنها، في الشهادة و‏الدلالة على صدق الرسالة و‏أحقّيّة الرسول.

وجُعل عليه السلام وليّاً و‏مَوْلَىً و‏ظهيراً و‏نصيراً و‏شريكاً لرسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم في سرّه، و‏ذلك في قوله تعالى: وَ‏إِنْ تَظاهَرا (أي عائشة و‏حفصة) {عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ‏جِبْرِيلُ وَ‏صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} (أي أمير الموحّدين عليه السلام) {وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ}.[14]

وفي إعلان البراءة من المشركين عند ما دفع رسول الله صلّى الله عليه و‏آله الصحيفة التي تضمّ البراءة إلى أبي بكر ليقرأها على الناس في موسم الحجّ في السنة التاسعة للهجرة في منى فنزل عليه الوحي يأمره بأن يقرأها هو أو رجل منه، فانتدب رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم أميرَ المؤمنين عليه السلام و‏أرسله خلف أبي بكر ليأخذ منه الصحيفة و‏يذهب بنفسه إلى مكّة فيقرأها على المشركين في موسم الحجّ.

أخذ أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان نفس النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم الصحيفة من أبي بكر، و‏توجّه إلى مكّة، و‏قرأها على المشركين في موسم الحجّ بعقبة" منى"! {وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ‏رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ‏رَسُولُهُ} [15]- (الآيات). و‏انتقلت هذه‏

المهمّة إلى أمير المؤمنين الذي كانت نفسه و‏روحه من النبيّ الأعظم صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم.

والمراد من الاذُن الواعية في قوله تعالى: {وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ}،[16] هو الوجود المقدّس لأمير المؤمنين عليه السلام.

والمقصود من آل ياسين في قوله جلّ شأنه في الآية: {سلام على آل‏ياسين}‏، هم الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.

والمراد من الذي شُرِح صدره بنور الله في قوله تبارك اسمه: {أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى‏ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}،[17] هو أمير المؤمنين عليه السلام.

والمراد من الصراط في قوله تعالى: {وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ‏لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ‏}،[18] هو صراط الله المستقيم، صراط عليّ بن أبي طالب.

والمقصود بـ{أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} في الآية الشريفة: {أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ وَجْهِهِ أَهْدى‏ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}،[19] هو أمير المؤمنين عليه السلام.

وقال رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم في خيبر: "لُاعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَ‏رَسُولَهُ وَ‏يُحِبُّهُ اللهُ وَ‏رَسُولُهُ كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّارٍ، لَمْ يَرْجِعْ حتّى يَفْتَحِ اللهُ بِيَدَيْهِ"‏.

ولمّا حان الغد، طلب عليّاً، و‏كان أرمد العين، فتفل في عينه، و‏أعطاه الراية، فذهب بها حيدر الكرّار و‏لم يرجع حتّى اقتلع باب خيبر فاتحاً ظافراً.

وكانت هذه الواقعة بعد فشل أبي بكر و‏عمر و‏رجوعهما خائبين خاسِرَين، إذ لم يستطيعا القيام بالمهمّة التي كلّفهما بها النبيّ صلّى الله عليه و‏آله في اليومين اللذين سبقا هذه الواقعة.

من هذا المنطلق، آخى رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم بينه و‏بين عليّ عليه السلام مرّتين. الاولى: في مكّة عند ما آخى بين المهاجرين أنفسهم. و‏الثانية: بعد دخوله المدينة، عند ما آخى بين المهاجرين و‏الأنصار. فجعل عليّاً عليه السلام أخاه في كلا المرّتين.

وقال النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم: عَلِيّ أقْضَاكُمْ.

وفتح‏ النبيّ لعليّ ألف باب من العلم؛ و‏قال: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَ‏عَلَيّ بَابُهَا.

وقال: أنَا دَارُ الحِكْمَةِ وَ‏عَلِيّ بَابُهَا.

وقال: أنَا مَدِينَةُ الجَنَّةِ وَ‏عَلِيّ بَابُهَا.

ولهذا قال صلّى الله عليه و‏آله: أنَا وَ‏عَلِيّ أبَوَا هَذِهِ الامَّةِ.

وقال: حَقُّ عَلِيّ على هَذِهِ الامَّةِ كَحَقِّ الوَالِدِ على وَلَدِهِ.

وقال: عَلِيّ وَزِيرِي وَ‏وَارِثِي.

وقال: يَا عَلِيّ لَا يُحِبُّكَ إلَّا مُؤْمِنٌ و‏لَا يُبْغِضُكَ إلَّا مُنَافِقٌ.

وقال: عِنْوَانُ صَحِيفَةِ المُؤْمِنِ: حُبُّ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ‏.[20]

وقال: النَّظَرُ إلَى وَجْهِ عَلِيّ عِبَادَةٌ.

وقال: مَثَلُ عَلِيّ في هَذِهِ الامَّةِ مَثَلُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. من قرأها مرّة، فكأنما قرأ ثلث القرآن؛ و‏من قرأها مرّتين، فكأنما قرأ ثلثي القرآن؛ و‏من قرأها ثلاث مرّات، فكأنما ختم القرآن كلّه. و‏من أحبّ عليّاً بقلبه، فقد حاز ثلث الإيمان؛ و‏من تبعه بقلبه و‏لسانه، فقد حاز ثلثي الإيمان؛ و‏من أحبّه بقلبه و‏لسانه و‏جوارحه، و‏اتّبعه، فإنّ إيمانه أكمل الإيمان.

وقال النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم: عَلِيّ مِنِّي كَنَفْسِي؛ طَاعَتُهُ طَاعَتِي وَ‏مَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتِي.

وقال: يَا عَلِيّ‏! أنْتَ تُبْرِئُ ذِمَّتِي، وَ‏أنْتَ خَلِيفَتِي على امَّتِي.

وقال: يَا عَلِيّ أنْتَ تَقْضِي دَيْنِي.

وقال: إنَّ وَصِيِّي وَ‏وَارِثِي وَ‏مُنْجِزَ وَعْدِي عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ.

وقال:  يَا عَلَيّ! أنْتَ تُؤدِّي عَنِّي، وَ‏تُسْمِعُهُمْ صَوْتِي، وَ‏تُبَيِّنُ لَهُمْ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدِي.[21]

يضاف إلى ذلك كلّه أنّ آية الولاية قد نزلت عند التصدّق بالخاتم أثناء الركوع، و‏ذلك في مسجد النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم. و‏قد جعلت الآية عليّاً عليه السلام في مصافّ الرسول الأعظم صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم وليّاً للمسلمين بالولاية الإلهيّة على سبيل الحصر بكلّ صراحة. فقد قال عزّ من قائل: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ‏رَسُولُهُ وَ‏الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ‏يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ‏هُمْ راكِعُونَ}.[22]

وهذه الآية في سورة المائدة؛ و‏كما نعلم فإنّ هذه السورة هي آخر سورة نزلت على رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم. حيث اوحيت إليه في المدينة بعد حجّة الوداع طيلة سبعين يوماً اعتباراً من يوم غدير خمّ حتّى اليوم الذي توفّي فيه رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم.

وفي أيّام مرضه، أمر رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم بغلق جميع أبواب الصحابة الملاصقة للمسجد النبويّ الشريف، و‏ذلك لكي لا يكون هناك طريق من دورهم إلى المسجد. و‏لم يترك باباً مفتوحاً إلّا باب أمير المؤمنين عليه السلام الذي لم يُغْلَق بأمره صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم.

ومن الأبواب التي تمّ إغلاقها: باب العبّاس عمّ النبيّ، و‏باب عمر، و‏باب أبي بكر، فجاء العبّاس إلى رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم و‏استأذنه أن يترك بابه مفتوحاً. فقال له رسول الله: ليس الأمر بيدي، بل الله لم يأذن بذلك. و‏قال عمر: يا رسول الله، إئذن لي بكوّة من أعلى بيتي لأري قدومك إلى المسجد! فقال صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم: أوحى لي ربّي أن أغلق جميع الأبواب إلّا باب عليّ بن أبي طالب. لذلك أمر بغلق جميع الأبواب بما فيها خَوفَة[23] دار أبي بكر.

فهذه الامور وقائع حصلت لأمير المؤمنين عليه السلام في زمن النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم. و‏هذه و‏أمثالها ممّا لا يحيطها الإحصاء تدلّ على القرب الشديد لأمير المؤمنين من رسول الله، و‏على روحانيّته الأكيدة و‏اقتران ولايته بولاية رسول الله. و‏لو لم يسبق أحد أيّ سابقة ذهنيّة أو معرفة بمهفوم وصاية الإمام عليه السلام و‏خلافته، كالشخص الغريب على‏ الإسلام مثل: اليهوديّ أو النصرانيّ، ثمّ يرى هذه الأشياء، فلا ريب أنه سيقول: لا جرم إنّ هذا المقام هو مقام الخلافة و‏الولاية و‏الإمامة بعد رسول الله. و‏قد أتينا عليها كلّها بالتفصيل في المباحث المتقدّمة أو التي ستأتي في كتاب «معرفة الإمام» بأسانيد معتبرة عن كتب الشيعة، و‏عن كتب العامّة كحفّاظهم. و‏كلّ من رغب أن يرجع إلى أسانيدها عاجلًا، غير التي جاءت لحد الآن في كتاب «معرفة الإمام»، فليراجع كتاب «غاية المرام» للسيّد هاشم البحرانيّ، و‏«شواهد التنزيل» للحاكم الحَسْكَاني، و‏«فرائد السمطين» للحَمّوئيّ، و‏الأجزاء الثلاثة من تأريخ أمير المؤمنين عليه السلام من «تاريخ دمشق» لابن عساكر.

ويستفاد من هذه المقدّمة أنّ التمهيد لخلافة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان مشهوداً و‏ملموساً تماماً منذ بدء البعثة النبويّة الشريفة، و‏على امتداد ثلاث و‏عشرين سنة من نبوّة الرسول العظيم صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم.

وكان بيّناً واضحاً لكلّ جماعة و‏فريق. بَيدَ أنّ الرسول الكريم لمّا أوشك أن يُدعى فيجيب بناءً على ما أخبره به جبريل من ارتحاله لذلك جاء الإعلان العامّ، و‏التنصيب العلنيّ، و‏إبلاغ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام و‏إمامته لجميع طوائف المسلمين بوجه عامّ في غدير خمّ، إذ مهّد رسول الله الأرضيّة في حجّة الوداع. و‏كان يتحدّث في خطبة عن كتاب الله و‏عترته، حتّى حان موعد الغدير و‏هبط جبريل بهذه الآية: {بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}.

ونختم هذه المقدّمة الشريفة بحديث شريف روى عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه الصلاة و‏السلام في مجلس المأمون، ننقله عن كتاب «غاية المرام»: روى السيّد البحرانيّ عن ابن بابويه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين بن شاذَوَيه المؤدّب، و‏جعفر بن محمّد بن مسرور، قالا: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أبيه، عن الريّان بن الصَّلْت، قال: حضر الإمام‏ الرضا عليه السلام مجلس المأمون بمرو. و‏قد اجتمع في مجلسة جماعة من علماء أهل العراق و‏خراسان.

فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا}.[24]

فقالت العلماء: أراد الله تعالى بذلك الامّة كلّها.

فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟!

فقال الرضا عليه السلام: لا أقول كما قالوا: و‏لكنّي أقول: أراد الله بذلك العترة الطاهرة.

فقال المأمون: و‏كيف عني العترة من دون الامّة؟

فقال الرضا: عليه السلام: لو أراد الامّة، لكانت بأجمعها في الجنّة لقول الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ‏مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ‏مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}.[25]

ثمّ جمعهم كلّهم في الجنّة، فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ‏لُؤْلُؤاً وَ‏لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ}.[26]

[(و لمّا لم تكن الامّة كلّها في الجنّة، فلا محالة أنّ المراد من المصطفين الذين يشملون الأصناف الثلاثة هم العترة)]. فَصَارَتِ الوِرَاثَةُ لِلعِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ لَا لِغَيْرِهِمْ‏.

فقال المأمون: مَنِ العترة الطاهرة؟!

فقال الإمام: الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ: فَقَالَ: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ‏يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}؛ وَ‏هُمُ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ‏آلِهِ وَ‏سَلَّمَ: «إنِّي مَخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَ‏عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي؛ ألَّا وَ‏إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ؛ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا! أيُّهَا النَّاسُ! لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ»!

قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة أ هُمُ الآل أم غير الآل؟ فقال الرضا عليه السلام: هُمُ الآل.

ويبدأ هنا نقاش الإمام عليه السلام فيعرض مواضيع نفيسة و‏قيّمة جدّاً تشغل ثلاث صفحات تقريباً من كتاب «غاية المرام» و‏هي صفحات مليئة و‏من القطع الرحليّ و‏مشحونة بالكلمات. و‏قد تجنّبنا ذكر ذيلها مراعاة للاختصار.[27]

المقدّمة الثانية: إنّ صحابة رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم و‏كافّة الذين أسلموا في عصر النبيّ الأكرم عموماً لم يكونوا متساوين من كلّ الجهات، بل كانوا على درجات و‏مستويات مختلفة من حيث وعي النبوّة، و‏استيعاب معنى الوحي، و‏إدراك الدرجات و‏المقامات التي كان يتمتّع بها رسول الله، و‏فهم عالم الغيب، و‏اليقين بخلوص رسول الله و‏إخلاصه في جميع الأعمال و‏السلوكيّات الشخصيّة و‏الاجتماعيّة، و‏العباديّة و‏غير العباديّة، و‏النظر إلى ذلك الإنسان العظيم من حيث الطهارة المعنويّة، و‏الاتّصال بالملأ الأعلى و‏جبريل، و‏بالتالى و‏إجمالًا في النظر إليه من حيث التجرّد عن النفس و‏الاتّصال بالله جلّ اسمه في كلّ أمر من الامور.

فبعضهم كسَلْمَان، وَ‏عَمَّار، و‏المِقْدَاد، و‏أبي ذَرّ، و‏عُثْمَان بنِ‏ مَظْعُونَ، وَ‏خَبَّابَ بن الأرَتّ، و‏كثير من شهداء بدر، و‏احد، و‏الأحزاب، و‏غيرها من الغزوات، كانوا يؤمنون به إيماناً صلباً جعلهم بلا إرادة و‏اختيار أمام إرادته و‏اختياره صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم. و‏كانوا من الفانين فيه فناءً محضاً إذ كانوا يرونه متّصلًا بالغيب متجرّداً عن هوى النفس، منقطعاً إلى الله.

وهؤلاء لا فرق عندهم بين أن يقرأ عليهم رسول الله آيات القرآن، أو يأمرهم و‏ينهاهم بأوامره و‏نواهيه الشخصيّة. و‏لا فرق عندهم بين أن يكون فعله عباديّاً، أو سياسيّاً، أو شخصيّاً، أو اجتماعيّاً. أو أن يكون نكاحاً، أو صوماً، أو حجّاً. و‏لا فرق عندهم بين أن تتعدّد زوجاته، أو أن يتزوّج زوجه ابنة بالتبنّيّ، أو غير ذلك. و‏لا فرق عندهم بين الهجرة و‏الإقامة، و‏الحرب و‏السلم. فكلّ ما كان و‏بأيّ شكل كان هو فعل الله، و‏من الله، طهارة محضة، و‏حقيقة خالصة لا تشوبها شائبة من عشّ عالم الاعتبار و‏المجاز و‏غلّه.

وكان البعض يفرّق بين الآيات القرآنيّة و‏الوحي المنزل، و‏بين آرائه و‏أفكاره صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم. فكانوا يقولون: نحن نعتبر الآيات النازلة في القرآن الكريم واجبة الاتّباع؛ أمّا آراء النبيّ فليست كذلك، و‏بالنتيجة، فإنّنا لا نلزم أنفسنا باتّباعه في آرائه و‏أفكاره الشخصيّة، و‏لا نجعل إرادتنا تابعة لإرادته و‏فانية فيها. فرسول الله له رأيه. و‏نحن لنا رأينا أيضاً. و‏نقدّم رأيه حيناً، و‏نقدّم آراءنا حيناً آخر.

وصفوة القول، إنّ كلامهم ككلام كثير من العامّة إذ يقولون: كان رسول الله مجتهداً في شئونه الشخصيّة و‏آرائه، أو في تجهيز الجيوش، و‏بعث الجند في غزوة أو سريّة، أو في تنسيق و‏تنظيم الشؤون الإداريّة و‏المدنيّة و‏تنظيمها، فهو معرّض للخطأ أحياناً. و‏الآخرون مجتهدون أيضاً يصيبون و‏يخطئون.

لهذا يلاحظ أنهم كانوا يقولون له في كثير من الحالات: هل هذا كلام الله أو كلامك؟! و‏هل هذا الأمر منك أو من الله؟! و‏هل أنت قلت هذا أم الله أمرك به؟!

والملاحظ أكثر في التواريخ المعتبرة أنّ هذا السلوك كان يبدر في الأغلب من أبي بكر، و‏عمر. و‏فيما يلي عدد من النماذج:

الأوّل: في السنة السادسة من الهجرة، و‏في شهر ذي القعدة تحرّك رسول الله مع جماعة من أصحابه نحو مكّة قاصدين الطواف حول بيت‏الله الحرام. و‏ساقوا معهم البدن للهدي. فلمّا بلغ أرض الحديبيّة، منعه كفّار قريش من الذهاب. و‏عُقد بينه و‏بينهم صلح. و‏أمر رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم بحلق الرءوس، و‏نحر البدن، و‏الحلّ من الإحرام في الحديبيّة نفسها.

فعزّ ذلك على بعض الصحابة، فلم يبدوا استعداداً للحلق و‏النحر، و‏اغتمّ رسول الله و‏شكى ذلك إلى امّ سلمة. فقالت امّ سلمة: يا رسول الله! احلق و‏انحر؛ فحلق رسول الله و‏نحر. و‏حلق المعترضون و‏نحروا شاكّين في نبوّته.

فلمّا التأم الأمر و‏لم يبق إلّا الكتاب وثب عمر بن الخطّاب، فأتى أبا بكر و‏حدّثه بهذا الموضوع و‏شكى إليه عدم الدخول إلى مكّة لأداء العمرة، و‏النحر و‏الحلق في الفلاة، و‏شروط الصلح التي كانت ثقيلة و‏صعبة على المسلمين. و‏قال له: أ لم يكن رسول الله، يفعل كذا و‏كذا؟!

وبعد تبادل الكلام بينه و‏بين أبي بكر أتى رسول الله صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم فقال: يا رسول الله! أ لستَ برسول الله؟

قال: بلى! قال: أ وَ‏لَسنا على الحقّ، و‏عدوّنا على الباطل؟! قال: بلى!

قال: فَعَلام نعطي الدنيّة في ديننا؟ قال: أنا عبد الله و‏رسوله، لن اخالف أمَره، و‏لن يضيّعني و‏هو ناصري.

قلتُ: أو لست كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت و‏نطوف حقّاً؟!

قال: بلى! أ فأخبرتك أن تأتيه العام؟! قلتُ: لا!

قال: فانّك تأتيه و‏تطوف به.

يقول عمر: ما شككت مذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ [في الحديبيّة].[28]

الثاني: في السنة العاشرة من الهجرة، و‏في حجّة الوداع، وقف رسول الله على جبل المروة، و‏نزل عليه جبرئيل بالوحي، فأمر الذين لم يسوقوا معهم الهدي (كالبدن مثلًا) أن يستبدلوا نيّة الحجّ بنيّة العمرة، و‏يحلّوا من إحرامهم. و‏كان عمر من الذين اعترضوا اعتراضاً شديداً على هذا الأمر، و‏قال: أ يَرُوحُ أحَدُنَا إلَى عَرَفَةَ وَ‏فَرْجُهُ يَقْطُرُ مَنِيَّاً؟[29] فقال رسول الله: لن يؤمن بها حتّى يموت.

ولمّا بلغ رسول الله كلام عمر و‏أصحابه، بدت عليه علامات الغضب، حتّى جاء و‏خطب في الناس فقال: "أمَّا بَعْدُ؛ فَتُعَلِّمُونَ أيُّهَا النَّاسُ! لأنَا وَ‏اللهِ أعْلَمُكُمْ وَ‏أتْقَاكُمْ لَهُ! وَ‏لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ هَدْياً وَ‏لأحْلَلْتُ".[30]

وعند ما سألوه عن سبب غضبه، قال: ما لي لا أغضب و‏أنا آمر أمراً فلا يُتَّبَع؟ أو ما شعرت أني أمرتُ الناس بأمرٍ فإذا هم يتردّدون؟![31]

لم يَرُقْ لعمر أمر الله و‏رسوله، حتّى إذا تسلّم زمام الامور، رفع هذا الحكم بصراحة، و‏قال: ليس لأحد أن يتمتّع في الحجّ، و‏مَن فعل، أجريت عليه الحدّ. يقول عمر: أنا اقِرُّ أنّ التمتّع سُنّة رسول الله، و‏لكنّي أرى أن لا يعمل به.

يقول أبو موسى [الأشعريّ‏]، إنّ عُمَرَ قَالَ: هي سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ‏آلِهِ وَ‏سَلَّمَ- يَعْنِي المُتْعَةَ- وَ‏لَكِنِّي أخْشَى أنْ يُعَرِّسُوا بِهِنَّ تَحْتَ الأرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُوا بِهِنَّ حُجَّاجَاً.[32]

الثالث: في «الطبقات الكبرى» لابن سعد روايات كثيرة حول طلب رسول الله الكتف و‏الدواة و‏هو في الاحتضار ليكتب شيئاً لُامّته لا يضلّوا بعده أبداً، فقال عمر، إنَّ الرَّجُلَ لَيَهْجُرُ، كَفَانَا كِتَابُ اللهِ. و‏كان يمانع باستمرار، حتّى كثر اللغط بين الحاضرين عنده، فمنهم من قال: آتوه، و‏أنصار عمر قالوا: لا حاجة إلى ذلك، إلى أن امتعض رسول الله كثيراً، فقال: قوموا! لا ينبغي عند نبيّ نزاع؛ فودّع الدنيا و‏هو في غاية الحزن و‏الألم.

وكان ابن عبّاس يكرّر هذا الكلام دائماً: الرَّزِيَّةُ كُلُّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ‏ وَ‏سَلَّمَ وَ‏بَيْنَ أنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ‏ الكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَ‏لَغْطِهِمْ.[33]

يقول محمّد حسنين هيكل: وَ‏فِيمَا هُوَ في هَذِهِ الشِّدَّةِ وَ‏في البَيْتِ رِجَالٌ قَالَ: هَلُمُّوا أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَدَاً.

قَالَ بَعْضُ الحَاضِرِينَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ‏ وَ‏سَلَّمَ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ؛ وَ‏عِنْدَكُمْ القُرْآنُ؛ وَ‏حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ؛ وَ‏يَذْكُرُونَ أنَّ عُمَرَ هُوَ الذي قَالَ هَذِهِ المَقَالَةَ. وَ‏اخْتَلَفَ الحُضُورُ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ؛ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَأبَى ذَلِكَ مُكْتَفِياً بِكِتَابِ اللهِ؛ فَلَمَّا رَأي مُحَمَّدٌ خُصُومَتَهُمْ‏ قَالَ: قُومُوا![34]

ويقول هيكل بعد هذا الكلام مباشرة: وَ‏مَا فَتِئَ ابنُ عَبَّاسٍ بَعْدَهَا يَرَى أنهُمْ أضَاعُوا شَيْئاً كَثِيراً بِأنْ لَمْ يُسَارِعُوا إلَى كِتَابِةِ مَا أرَادَ النَّبِيّ إمْلَاءَهُ.

أمَّا عُمَرُ فَظَلَّ وَ‏رَأيَهُ، أنْ قَالَ اللهُ في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ}.[35]

الرابع: ذكر ابن عساكر ستّ روايات جاء فيها أنّ رسول الله و‏أمير المؤمنين صلوات الله عليهما كانا يتناجيان فترة في يوم الطائف. و‏لمّا بدت الكراهيّة على وجوه بعض الصحابة (أبي بكر و‏عمر) بسبب طول المناجاة، و‏سئل النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم فيما بعد عن نجواه مع أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما أنا انتجيته، و‏لكنّ الله انتجاه.

وجاء في رواية: فَرَأى الكَرَاهِيةَ في وُجُوهِ رِجَالٍ فَقَالُوا: قَدْ أطَالَ مُنَاجَاتَهُ مُنْذُ اليَوْمِ‏ فَقَالَ: «مَا أنَا انْتَجَيْتَهُ وَ‏لَكِنَّ اللهَ انْتَجَاهُ».

وفي رواية اخرى: فَلَحِقَ أبُو بَكْرٍ (ظ) وَ‏عُمَرُ فَقَالا: طَالَتْ مُنَاجَاتُكَ عَلِيَّاً يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «مَا أنَا انَاجِيهِ (كذا) وَ‏لَكِنَّ اللهَ انْتَجَاهُ».[36]

الخامس: يقول ابن أبي الحديد: قال ابن عبّاس: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته. فانفرد يوماً يسير على بعيره، فاتّبعته، فقال لي: يا ابن عبّاس! أشكو إليك ابن عمّك (عليّ بن أبي طالب) سألته أن يخرج معي، فلم يفعل.

ولم أزل أراه واجداً، فيم تظنّ موجدته؟!

قلتُ: يا أمير المؤمنين! إنّك لتعلم!

قال: أظنّه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة.

قلت: هو ذاك. إنّه يزعم أنّ رسول الله أراد الأمر له.

فقال: يا ابن عبّاس! لو أراد رسول الله الأمر له، فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك؟! إنّ رسول الله أراد أمراً، و‏أراد الله غيره، فنفذ مراد الله، و‏لم ينفذ مراد رسوله. أ وَ‏كلّما أراد رسول الله كان؟!

وقد روى معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، و‏هو قوله: إنّ رسول الله أراد أن يذكره للأمر في مرضه، فصددتُه عنه خوفاً من الفتنة، و‏انتشار أمر الإسلام.

فعلم رسول الله ما في نفسي و‏أمسك، و‏أبي الله إلّا إمضاء ما حتم.[37]

ويقول عبد الفتّاح عبد المقصود: قال عمر لابن عبّاس: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة و‏الخلافة، فنظرتْ لنفسها فاختارت، و‏وفّقتْ فأصابت.

فقال ابن عبّاس: أمّا قولك: إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله قال لقوم [يستحقّون الهلاك لكراهتهم حكم الله‏]: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ}.[38]

وأمّا قولك: إنّ قريشاً اختارت، فإنّ الله يقول: {وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ‏يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}.[39]

فلم يجبه عمر غير أنه غضب عليه.[40]

ونرى هنا أنّ عمر قد خلط بين الإرادة التكوينيّة و‏الإرادة التشريعيّة للّه، و‏أخطأ؛ و‏جواب ابن عبّاس المفحم قد قطع عليه الطريق. و‏جواب عمر هذا كقول عبيد الله بن زياد للسيّدة زينب سلام الله عليها في مجلس دار الإمارة بالكوفة: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَتَلَكُمْ وَ‏أكْذَبَ احْدُوثَتَكُمْ.

فقالت زينب سلام الله عليها: «كَتَبَ اللهُ عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم» لا ينافي ارتكابك و‏ارتكاب يزيد للقتل من وحي الجريمة. و‏إرادة الله لا تمنع قبح فعلكما؛ و‏لا تسلب منكما الاختيار. و‏يزيد أيضاً في الشام ينسب قتل أهل البيت إلى الله، و‏يرى أنّ حكومته من الله.

وكثيراً ما نجد في تأريخ بني العبّاس سلاطينهم قد مُنوا بهذا الخبط؛ فعزوا أعمالهم القبيحة إلى الله، و‏اعتبروا سلطتهم و‏حكومتهم من الله لما رأوا من وجودها بأيديهم. و‏أمّا عدم خلافة أئمّة أهل البيت عليهم السلام فإنّهم اعتبروا ذلك ناتجاً عن عدم التقدير الإلهيّ، و‏نابعاً من عدم أحقّيّتهم.

وكم أنشد الشعراء المتملّقون من قصائد في وصف العبّاسيّين و‏حكومتهم الإلهيّة العادلة على حدِّ زعمهم، و‏ذلك على امتداد خمسة قرون من الحكم العبّاسيّ! و‏كم نظموا القصائد الكثيرة في مجالس الحكّام و‏الامراء و‏أبناء الامراء للحطّ من شأن أهل البيت، و‏التصريح بعدم أحقّيّتهم استناداً إلى عدم التقدير الإلهيّ بالنسبة لحكومتهم، فسوّدوا بذلك وجه التأريخ.

يقول أبو شَمْط: مَرْوَانُ بْنُ أبِي الجَنُوب: أنشدت المتوكّل شعراً ذكرت فيه الرافضة (أئمّة الشيعة)، فعقد لي على البحرين، و‏اليمامة، و‏خلع عَلَيّ أربع خلع. و‏خلع عَلَيّ ابنه المنتصر. و‏أمر لي المتوكّل بثلاثة آلاف دينار من الذهب، فَنُثِرَتْ عَلَيّ. و‏أمر ابنه المُنتَصِرَ وَ‏سَعْداً الإيتَالِي أن يلقطاها لي، ففعلا.

يقول أبُو الشَّمْط: ثمّ نثر عَلَيّ بعد ذلك لِشِعْرٍ قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم.[41]

لقد فتح عمر بهذا المنطق الخاطئ طريق المغالطة لجميع حكّام الجور الذين جاءوا بعده؛ فلو كان الحصول على المنصب و‏الإمارة و‏الولاية في الإرادة الإلهيّة التكوينيّة دليلًا على الأحقيّة و‏الواقعيّة في الإرادة التشريعيّة، لما كان- مِن ثَمَّ- للظلم، و‏القبح، و‏الاعتداء، و‏الخيانة، و‏الجريمة، و‏أمثالها أيّ مفهوم. و‏كان التسلّط و‏نيل القدرة بأيّ! شكل و‏أيّ عنوان، دليلًا على الإرادة الإلهيّة و‏شاهداً على أحقّيّته.

بيدَ أنّ عمر كان يفهم جيّداً أنه يخلط و‏يغالط، و‏لو كانت الطوارئ الخارجيّة و‏الوقائع و‏الأحداث التي تجري على أساس الاعتداء و‏الظلم و‏الخلاف لأمر الله و‏رسوله دليلًا على أحقيّة الأمر الواقعيّ الخارجيّ و‏حقيقته، فلما ذا اعترض عمر على رسول الله في قضيّة الحديبيّة، و‏شكَّ في نبوّته؟ فكان له أن يقول: أراد رسول الله أمراً، و‏أراد الله غيره. و‏التسليم في هذه الحالة لأمر الله. و‏أراد رسول الله العمرة و‏الطواف حول‏ بيت الله، و‏أراد الله صدّ الكفّار، و‏الحلق، و‏نحر البُدن في وسط الصحراء، و‏الرجوع إلى المدينة بلا عمرة.

ولا دخل لنا بهذا المنطق العُمَرِيّ؛ فعمر كان يعرف منهجه الفكري. إلّا أنَّ ما نريد معرفته هنا أنّ هذا المنطق مخالف لمنطق الإسلام، و‏معاكس لمنطق القرآن، و‏مغاير لدأب رسول الله و‏ديدنه، و‏مناهض لآراء أرباب الأديان السماويّة.

وفي ضوء الآراء العمريّة، فإنّ سَوْقَ أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد حاسر الرأس ليبايع، و‏كسر ضلع الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، و‏إجهاض جنينها البري‏ء: المحسن، و‏غصب فدك و‏هي نحلة الزهراء الصدّيقة، كلّ ذلك إرادة الله. و‏لو لم يرد الله، لما وقع. و‏بوجه عامّ، فلا معنى لغصب الولاية في رأيه، ذلك لأنّ عنوان الغصب في هذه الحالة ليس له تحقّق خارجيّ أبداً. فكلّ من تسنّم منصباً بأيّ شكل و‏عنوان، فإنّه على الحقّ، و‏أنّ ذلك قد جرى بإرادة الله!

وهكذا فإنّ الجرائم الواقعة في سقيفة بني ساعدة، و‏سَوق الناس إلى البيعة، في وقت كان جثمان رسول الله ملقى على الأرض لم يدفن بعد، و‏الأحداث التي أعقبت السقيفة خلال مدّة حُكم الخلفاء الثلاثة التي امتدّت خمساً و‏عشرين سنة، ثمّ تمرّد معاوية و‏بغيه، و‏اغتيال أمير المؤمنين عليه السلام في المحراب، و‏الظلامات التي عانى منها الإمام الحسن عليه السلام، و‏الأحداث الدامية المؤلمة في كربلاء، و‏المشاهد الموجعة المتمثّلة في سبي الحوراء زينب عليها السلام على مرأى من أهل الكوفة و‏الشام و‏البقاع الاخرى و‏... و‏... و‏... قد جرى بأجمعه بإرادة الله! و‏لو لم يشأ ذلك، لم يحدث! و‏لهذا فقد كان الحقّ مع الذين ارتكبوا تلك الجرائم، و‏بالملازمة فقد كان الحقّ مجانباً لُاولئك المظلومين المشرّدين الذين نهشتهم السيوف‏ من أجل إعلاء كلمة الحقّ، و‏الذين طووا تلك الفيافي و‏القفار جياعاً ظامئين على جمال بغير غطاء و‏لا وطاء، تلفح وجوههم الشمس المحرقة.

ومن هنا يستبين للقارئ الكريم جيّداً أنّ منطق عمر كان الباعث على استبدال نبوّة الإسلام و‏رسول الله بالسلطنة و‏الملكيّة و‏الكسرويّة و‏القيصريّة، و‏كان الباعث على تحكّم الأمويّين و‏العبّاسيّين في رقاب المسلمين طيلة ستّة قرون متوالية و‏بالتالى افول دين الإسلام المقدّس و‏انكدار نجم النبوّة المصحوبة بولاية الرسول الأعظم و‏طهارته التي انبثقت عنها طهارة أهل البيت و‏أئمّة الحقّ. و‏هو الذي جعل الحكومة الجائرة و‏الظالمة لكسرى و‏قيصر تتقمّص شكل الخلافة الإسلاميّة، و‏يظهر الحكّام بمظهر خلفاء المسلمين. ‏

وما الفرق بين نظريّة عمر و‏نظريّة الناهبين و‏الطامعين الدوليّين في عالم اليوم؟ فهؤلاء يقولون أيضاً: من كانت الحكومة بيده، فله السيادة و‏الحقيقة و‏الأصالة التي لا تمثّل إلّا القبض على مقاليد الامور.

ونظريّة عمر في الإمامة هي نفس نظريّة" ماكيافيلّي" الإيطالىّ، أو بتعبير أصحّ: نظريّة" ماكيافيلّي" هي نظريّة عمر نفسها. ف" ماكيافيلّي" يقول أيضاً: الملاك في الشرف و‏الأصالة و‏الواقعيّة عند الإنسان هو القبض على مقاليد الامور، و‏من كانت له الحكومة، فهو عزيز و‏منصور، و‏قد بلغ هدفه. و‏من كان فاقداً لها، فهو متخلّف عن قافلة الوجود؛ و‏ناءٍ عن موكب الظافرين الذين بلغوا الهدف.

والفارق بينهما فقط في اختلاف التعبير. فعمر يعبّر عن القدرة الفعليّة، و‏الاستيلاء على المنصب بأنهما يتحقّقان عمليّاً في الخارج بإرادة الله. أمّا" ماكيافيلّي" فيعبّر عن ذلك بالواقعيّة و‏الأصالة و‏ملاك الشرف، و‏مثالها من المفردات.

ولكم أن تقارنوا بين هذا المنطق و‏منطق سيّد الموحّدين و‏مولى المتّقين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إذ يقول: "وَاللهِ لَوْ اعْطِيتُ الأقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أفْلَاكِهَا على أنْ أعْصِيَ اللهَ في نَمْلَةٍ أسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُ؛ وَ‏إنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ في فم جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا! مَا لِعَلِيّ وَ‏لِنَعِيمٍ يَفْنَي وَ‏لَذَّةٍ لَا تَبْقَى"![42]

ومنطق عمر يقارب منطق أبي سفيان الذي كان يخال أنّ الحكومة تمثّل ابّهة و‏جلالًا و‏عظمة من منظار هذه الدنيا و‏هذه النشأة. و‏كان ينكر الرابطة بين النبوّة و‏الاتّصال بعالم الغيب، و‏الحكومة الإلهيّة الحقّة. و‏بعبارة اخرى، كان يقول: إنّ ما قاله محمّد عن هذه الدنيا و‏حكومتها و‏إمارتها يتعلّق بشؤون هذه الدنيا. و‏الحكومة؛ و‏السلطنة، فلا خبر من عالم الغيب. و‏لا معنى للارتباط به، و‏لا معنى لخضوع هذا العالم لأحكام ذلك العالم.

ولم يستطع أبو سفيان أن يتصوّر معنى الشهامة و‏التضحية و‏الجهاد و‏الإيثار للّه و‏الحقيقة و‏بلا أيّ توجّه مادّيّ؟ و‏لم يستطع أن يتصوّر أنّ جنود الإسلام الذين يضربون بسيوفهم ليس لهم هدف مادّيّ، و‏لا طموح إلى الرئاسة و‏الحكومة على الناس، فعملهم للّهِ و‏في اللهِ.

والطابور العظيم من المنافقين- سواءً الذين أسلموا في فتح مكّة، أو الذين بهرتهم عظمة الإسلام فلم يجدوا بدّاً من أن يظهروا إسلامهم- يتألّف من أمثال هؤلاء الأشخاص.

وكان المنافقون جماعة كثيرة تعدّ من الصحابة. أسلموا في الظاهر و‏شهدوا بوحدانيّة و‏رسالة النبيّ صلّى الله عليه و‏آله و‏سلّم إلّا أنّ قلوبهم لم تسلم و‏لم تؤمن، و‏كانوا ينظرون إلى الإسلام في باطنهم كحكومة قوميّة أو إمارة دنيويّة.


[1] قسم من الآية3، من السورة 5: المائدة.

[2] مقطع من الآية43، من السورة 16: النحل.

[3] صدر الآية103، من السورة 3: آل عمران.

[4] الآية8، من السورة 102: التكاثر.

[5] صدر الآية59، من السورة 4: النساء

[6] قسم من الآية33، من السورة 33: الأحزاب.

[7] الآية61، من السورة 3: آل عمران.

[8] قسم من الآية23، من السورة 42: الشوري.

[9] الآية6، من السورة 98: البيّنة.

[10] الآيتان 1 و 2، من السورة 78، النبأ.

[11] الآية207، من السورة 2: البقرة.

[12] الآية12، من السورة 58: المجادلة.

[13] الآية43، من السورة 13: الرعد.

[14] قسم من الآية4، من السورة 66: التحريم.

[15] قسم من الآية3، من السورة 9: التوبة.

[16] قسم من الآية12، من السورة 69: الحاقّة.

[17] الآية130، من السورة 37: الصافّات.

[18] قسم من الآية22، من السورة 39: الزمر.

[19] قسم من الآية153، من السورة 6: الأنعام.

[20] «تاريخ بغداد» للحافظ الخطيب، ج 4، ص 410. طبعة مطبعة السعادة- مصر.

[21] «حلية الأولياء» للحافظ أبي نعيم الإصفهانيّ، ج 1، ص 63 و 64، طبعة مطبعة السعادة- مصر.

[22] الآية55، من السورة 5: المائدة.

[23] الخَوفَةَ أو الكوَّة، نافذة صغيرة تترك مفتوحة في الغرفة ليؤدي الضوء إلي البيت.

[24] الآيتان 32 و 33، من السورة 35: فاطر.

[25] نفس المصدر السابق.

[26] نفس المصدر السابق.

[27] «غاية المرام»، تحت الحديث رقم 9، من ص 219 إلي 222.

[28] ملخّص ما جاء في «سيرة ابن هشام» ج 3، ص 781 إلي 784؛ و في تفسير «مجمع البيان» ج 5، ص 116 إلي 119، طبعة صيدا؛ و في «بحار الأنوار» طبعة الكمباني ج 6، ص 562؛ نقلًا عن «تفسير عليّ بن إبراهيم».

[29] «إعلام الوري» ص 138؛ و «علل الشرائع» ص 413، طبعة دار إحياء التراث العربيّ؛ و «فروع الكافي» ج 4، ص 249 و 246 طبعة الآخونديّ.

[30] «الوفاء بأحوال المصطفي» ج 2، ص 210؛ و كتاب «حياة محمّد» لمؤلّفة هيكل، ص 461.

[31] «حياة محمّد» لهيكل، ص 460 و 461، طبعة مطبعة مصر.

[32] «تفسير الميزان» ج 2، ص 90؛ عن «مسند» أحمد بن حنبل. طبعة الآخونديّ.

[33] «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 2، ص 244. طبعة دار صادر، بيروت.

[34] «حياة محمّد» لمحمّد حسنين هيكل، ص 474 و 475.

[35] نفس المصدر السابق.

[36] «تاريخ دمشق» لابن عساكر، ج 2، ص 307 إلي 311، طبعة دار التعارف، بيروت.

[37] «شرح نهج البلاغة» ج 12، ص 78 و 79.

[38] الآية9، من السورة 47: محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم.

[39] قسم من الآية68، من السورة 28: القصص.

[40] «الإمام عليّ بن أبي طالب» لعبد الفتّاح عبد المقصود، ج 1، ص 220، طبعة منشورات مكتبة الوفاق، بيروت.

[41] «الكامل في التاريخ» ج 7، ص 101.

[42] «نهج البلاغة» الخطبة 216، عبده.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد