قال الله الحكيم في كتابه الكريم: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ}.[1]
روى الحافظ أبو نعيم الإصفهانيّ بسنده عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَحْيَى حَيَاتِي، وَيَمُوتَ مَمَاتِي، وَيَسْكُنَ جَنَّةَ عَدْنٍ غَرَسَها رَبِّي، فَلْيُوالِ عَلِيّاً مِنْ بَعْدِي وَلْيُوالِ وَلِيَّهُ، وَلْيَقْتَدِ بِالأئِمَّةِ مِنْ بَعْدِي؛ فَإنَّهُمْ عِتْرَتِي، خُلِقُوا مِنْ طِينَتِي، رُزِقُوا فَهْمَاً وَعِلْمَاً؛ وَوَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِفَضْلِهِمْ مِنْ امَّتِي، لِلْقَاطِعِينَ فِيهِمْ صِلَتِي، لَا أنَالَهُمُ اللهُ شَفَاعَتِي".[2]
إنّ قصّة تنصيب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في مقام الولاية الإلهيّة الكبرى والعامّة في غدير خمّ من القصص المهمّة للغاية في التأريخ الإسلاميّ. ولعلّنا لا نشهد واقعة بهذه الأهميّة والمواصفات التي سنتطرّق إليها. ذلك لأنّ هذه الواقعة تمثّل في الحقيقة خلود رسالة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم واستمرار مرحلة ولايته الإلهيّة متجلّية في الوجود المبارك لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام.
الغدير يرمز إلى تآصر الرسالة والإمامة، والنبوّة والولاية. ويحكى لنا أنهما كالثديين المتلازمين لإرضاع وإشباع الطفل، أو البرعمين المتلاصقين النابتين من جذر واحد.
الغدير معرض إلى: عَلِيّ مِنِّي وَأنَا مِنْهُ أمام أنظار جميع الخلق والامّة بأسرها. وإعلان وتبليغ الحقيقة لجميع أبناء العالم حتّى يوم القيامة.
الغدير محلّ ظهور الحقائق المخفيّة، والبواطن المختفية، وإرشاد الناس وهدايتهم إلى هذا الطريق.
الغدير هو الصراط المستقيم والسبيل الأعلى للإنسانيّة إلى مقام العرفان وولاية الحقّ الكلّيّة.
الغدير مقام تجسيد القضاء الإلهيّ الكلّيّ في عالم القدر. وتشخيص النور اللامحدود للذات الأحديّة وتعيينه وتحديده وتعريفه من خلال الأسماء والصفات المرئيّة ومشاهد الخلق، وربط القديم بالحادث، ونزول التجرّد والبساطة في القيود والحدود الإمكانيّة لتكون في متناول جميع الخلق. وذلك ليرتشف الناس جميعهم من الماء المعين والمنهل العذب للفيض والرحمة والسعادة والبركة.
[1] الآية67، من السورة 5: المائدة.
[2] «الغدير» ج 4، ص 150، الطبعة الثالثة، مطبعة الحيدري بطهران. من أشعار ابن حمّاد العبدي، محبّ أهل البيت عليهم السلام و شاعرهم في القرن الرابع، عليه التحيّة و الرضوان.