قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} إلى أن قال: {ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ}. وفي ضوء ذلك فإنّ قوله تعالى: {ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ} يحدّد التكليف اللازم الذي يخصّ الناس البعيدين عن المسجد الحرام على نحو الوجوب. وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة بإطلاق الآية، وبنصّ رسول الله الصريح عند ما شبك أصابعه في جواب سُراقة بن مالك وقال ما مضمونه إنّه حكم باق إلى يوم القيامة.
والسبب في ذلك: أنّ الشريعة الإسلاميّة السمحاء السهلة رفعت عن الحجّاج التكليف المتمثّل بشهرين أو أكثر من الإحرام الإلزاميّ. وهذا الحكم- طبعاً- ليس فيه حرج ومشقّة على أهالى مكّة وأطرافها، لأنّهم موجودون هناك؛ ولهم أن يحرموا ويحجّوا في الوقت القريب من أيّام الحجّ. بَيدَ أنّ الناس البعيدين عن المسجد الحرام، والقادمين إلى مكّة من بقاع الأرض المختلفة، والذين يجب عليهم أن يحرموا من مواقيت معيّنة، ويتحمّلوا عناء السفر من الميقات إلى مكّة حتّى وقت الحجّ، كان يشقّ عليهم البقاء محرمين خلال تلك الفترة الطويلة. فرفعت هذه المشقّة في الحجّ الواجب بشكل إلزاميّ.
وصار بإمكان اولئكم الاستراحة في الوسط العائليّ خلال الفترة الكائنة بين العمرة والحجّ، وصار لهم التمتّع باللذائذ التي أحلّها الله لهم.
والشيء اللطيف في قوله تعالى: {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ}. هو أنّ المسافر يحتاج إلى السكينة والهدوء والأهل. ومن كان معه أهله فإنّه يتمتّع بنعمة الحضور كحاضري المسجد الحرام. ومن لم يكن أهله حاضري المسجد، وهو بحاجة إلى السكينة والهدوء، فإنّ السماح له بالتمتّع بما يحرم عليه هو بمنزلة حضور الأهل ووجود السكينة والهدوء في مقابل ذلك. والتمتّع بالنساء والجواري بديل عن حضور الأهل والعائلة.
ولمّا كانت أرضيّة الاعتراض على هذا التشريع السماويّ موجودة بين الناس من قبل، لذلك أمر الله بالتقوى في تتمّة الآية مؤكّداً على ذلك، وتَرك المخالفين في دهشة وخوف من العذاب الشديد. قال جلّ من قائل: {وَ اتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}.
واستهداءً بالسنّة النبويّة الشريفة يتّفق الجميع دون أدنى شكّ على حجّ التمتّع للبعيدين عن المسجد الحرام، وذلك في حجّة الوداع إذ أحلّ جميع الناس من إحرامهم بأمر رسول الله، وتمتّعوا، ثمّ أحرموا ثانية للحجّ. وكذلك يتّفقون على بقاء هذا الحكم في عصر أبي بكر، ومدّة من حكومة عمر.
ولا خلاف بين الشيعة والسنّة في هذه المسألة، إلّا أنّ الشيعة تقول إنّ الحكم باق إلى يوم القيامة كما شرّعه الله ورسوله؛ وأمّا العامّة فتقول إنّه نسخ في عصر عمر، وإنّ عمر رفع ذلك. وسنّته واجبة التطبيق كسنّة رسول الله.
هذا هو أصل الموضوع الذي يستفاد من المناقشات القائمة بين الطرفين وردودهما ومؤاخذاتهما. ولسنا بحاجة إلى نقل الروايات المتواترة عن الشيعة وأئمّتهم في هذا المجال، لأنّه لا تبقى شبهة قائمة بعد تصريح القرآن وإعلان الرسول المتكرّر في مكّة حتّى نأتي بروايات عن طريق الشيعة تدعم ذلك.
إلّا أنّنا ننقل هنا نصوص بعض الروايات المعتبرة عن كتب العامّة. وذلك بغية إرشاد وتوجيه إخواننا من العامّة، واستهدافاً للمحافظة على الرفقة والاخوّة في البحث عن طريق الجدل. يتلو ذلك بحث وجيز بدور حول هذا الموضوع، آملين أن يكون ذلك مفيداً لهم جميعاً، بشرط تحرّرهم من الروح العدائيّة، ومواكبتهم لنا خطوة خطوة مستضيئين بأصل الحقيقة وحاملين لنظرة الأصالة.
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ}.[1]
[1] الآية 37، من السورة 50: ق.