الأئمة هم أولو الأمر المفروضة طاعتهم
المؤلف:
آية الله السيد محسن الخرّازي
المصدر:
بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية
الجزء والصفحة:
ج2، ص 57- 62
2025-11-19
89
انّ الأئمة ـ عليهم السلام ـ هم أولو الأمر الّذين يكون طاعتهم مطلقا مفروضة ، وذلك واضح بعد ما مرّ من كونهم قائمين مقام النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ في جميع شئونه ، ومنها الولاية والحكومة على المسلمين ، ويشهد له مضافا إلى الروايات المتواترة قوله تبارك وتعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (1) ولا تشمل الآية المباركة غيرهم من الولاة والخلفاء ؛ لاختصاص الإطاعة المطلقة بالله تعالى والمعصومين من الرسول والأئمة المكرمين ، وإلّا لزم الأمر بالطاعة عن الفاسقين وهو قبيح ، فالآية حيث تدلّ على الطاعة المطلقة لله وللرسول واولي الأمر بسياق واحد ، تدلّ على أنّ المراد من الموضوع وهو أولو الأمر هم المعصومون ، كما فسرت الآية بهم في الروايات الكثيرة
منها : ما ورد من أن جابر بن عبد الله الأنصاري سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فمن أولو الأمر الّذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ وقال ـ صلى الله عليه وآله ـ : هم خلفائي يا جابر ، وأئمة المسلمين من بعدي ، أوّلهم علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر ، ستدركه يا جابر ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ، ثم الصادق جعفر بن محمّد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم عليّ بن موسى ، ثم محمّد بن عليّ ، ثم علي بن محمّد ، ثم الحسن بن علي ، ثم سميّي وكنيّي ، حجة الله في أرضه ، وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ، ذاك الّذي يفتح الله ـ تعالى ذكره ـ على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الّذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان ، قال جابر : فقلت له : يا رسول الله ، فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال ـ صلى الله عليه وآله ـ : اي والّذي بعثني بالنبوّة أنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته ، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب ، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله ومخزون علمه فاكتمه إلّا عن أهله (2).
ومنها : ما ورد في أمالي الشيخ ـ قدس سره ـ من أنّ أبا محمّد الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ خطب الناس بعد البيعة له بالامر ، فقال : نحن حزب الله الغالبون وعترة رسوله الأقربون ، وأهل بيته الطيبون الطاهرون ، وأحد الثقلين الّذين خلّفهما رسول الله في امته ـ إلى أن قال ـ : فأطيعونا فإنّ طاعتنا مفروضة ، إذ كانت بطاعة الله عزوجل مقرونة ، قال الله عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) الحديث (3).
ومنها : ما رواه في الكافي عن الحسين بن أبي العلاء قال : ذكرت إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قولنا في الأوصياء وأنّ طاعتهم مفترضة قال : فقال : نعم هم الّذين قال الله عزوجل : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) وهم الذين قال الله عزوجل : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (4).
ومنها : ما رواه في الكافي أيضا عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ : «ايانا عني خاصة أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا» (5).
وإلى غير ذلك من الروايات المرويّة في الأبواب المختلفة الّتي تدلّ على أنّ المراد من اولي الأمر هم الأئمة المعصومون ـ عليهم السلام ـ وعلى أنّ طاعتهم مفروضة ، وهو كما عرفت مطابق للاعتبار ، إذ السياق يفيد الإطاعة المطلقة ، وهي لا معنى لها إلّا في المعصومين ، ولعلّه لذلك قال في دلائل الصدق بعد نقل الآية المباركة : لا يمكن أنّ يشمل سائر الخلفاء سواء أراد بهم خصوص الأربعة ، أم الاعمّ منهم ومن معاوية ويزيد والوليد وأشباههم ؛ لدلالة الآية على عصمة أولي الأمر ، وهؤلاء ليسوا كذلك ، فيتعين أن يراد بأولي الأمر عليّ وأبناؤه الأطهار ؛ لانتفاء العصمة عن غيرهم بالضرورة والاجماع (6).
وقال المحقق اللاهيجي : إنّ المراد من اولي الأمر لا يكون إلّا المعصومين ؛ لأنّ تفويض امور المسلمين إلى غيرهم ترك لطف وهو قبيح (7).
ومن ذلك يظهر وجه اختصاص اولي الأمر بالأئمة الّذي أشار إليه المصنف بقوله : «ونعتقد أنّ الأئمة هم أولو الأمر الّذين أمر الله تعالى بطاعتهم».
ثم لا يخفى عليك أنّ الفخر الرازي بعد اعترافه بدلالة الآية على عصمة الرسول واولي الأمر حمل اولي الأمر على الإجماع ، وقال : حمله عليه أولى ؛ لأنّه أدخل الرسول واولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، فكان حمل اولي الأمر الّذي هو مقرون الرسول على المعصوم أولى من حمله على العاجز والفاسق الخ.
وفيه أنّ ذلك الحمل ردىء ؛ لأنّه خلاف الظاهر من الكلمة ، إذ لا مناسبة بين اولي الأمر والإجماع ، هذا مضافا إلى أنّ الإجماع على فرض وجوده ، وتحقق شرائطه حجّة بما أنه كاشف عن الحكم الشرعي ، وليس لنفس المجمعين حق الأمر والولاية ، هذا بخلاف اولي الأمر والرسول ، فإنّ لهم حقّ الأمر والحكم بين الناس ، وهذه الإطاعة غير طاعة الله ، ولذا كرّر الإطاعة فيهم ولم يكتف بذكرها في الله تعالى ، وقال : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) هذا مع تفسير الآية في النصوص بالآحاد من الامة ، وهم الأئمة ـ عليهم السلام ـ كما عرفت الإشارة إلى بعض هذه النصوص ، فتفسيرها بالإجماع خلاف النصوص المستفيضة الصحيحة أيضا كما لا يخفى.
والأضعف مما ذكر ما حكي عن صاحب المنار من أنّ المراد من اولي الأمر إجماع أهل الحلّ والعقد من المؤمنين ، إذا أجمعوا على أمر من مصالح الامة ، لما عرفت من أنّ حمله على إجماع الامة خلاف الظاهر وخلاف النصوص فضلا عن حمله على جماعة من الامة كأهل الحلّ والعقد هذا (8).
وأمّا شموله بالنسبة إلى الفقهاء ففيه تفصيل ، فإن اريد به شموله أصالة فقد مرّ وجه اختصاصه بالمعصومين ، فلا يشمل غيرهم.
وإن اريد به شموله لهم تبعا للأئمة المعصومين ـ عليهم السلام ـ لأنّهم يكونون في طول الأئمة بعد كون مشروعية ولايتهم بنيابتهم عنهم ، فلا يبعد صحته إذ ولايتهم من شئون ولاية الأئمة. ولعلّ إليه يشير ما روي عن الصادق ـ عليه السلام ـ من أنّ المراد من اولي الأمر بالأصالة علي بن أبي طالب وغيره بالتبع (9) ، وعليه فإطاعة الفقهاء واجبة ؛ لأنّها ترجع إلى إطاعة اولي الأمر باعتبار كونهم منصوبين عنهم.
اللهم إلّا أن يقال من المحتمل أن يكون الحصر في الأخبار المشار إليها حصرا إضافيا بالنسبة إلى حكام الجور المتصدين للحكومة في أعصار الأئمة ـ عليهم السلام ـ فأرادوا ـ عليهم السلام ـ بيان أنّ الحق لهم ، وأنّ هؤلاء المتصدين ليسوا أهلا لهذا الأمر ، وإلّا فولاية الأمر إذا كانت عن حق ، بأن كانت بجعل الأئمة ـ عليهم السلام ـ إياها لشخص أو عنوان ، فهو من قبيل تعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلية ، ودوران الحكم مداره ، فعلة وجوب الإطاعة له هي كونه صاحب الأمر ، وأنّ له حقّ الأمر شرعا ، ولا محالة لا يشمل صورة أمره بمعصية الله إذ ليس له حق الأمر بالمعصية.
وبالجملة فإطاعته واجبة في حدود ولايته المشروعة ، ولا يطلق صاحب الأمر إلّا على من ثبت له حق الأمر والحكم شرعا ، كما لا يطلق صاحب الدار إلّا على من ملكها شرعا ، دون من تسلّط عليها غصبا (10) ، وعليه فلا مانع من شمول الآية للفقهاء عرضا ، ولكنّه تنافيه الأخبار كقول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : وإنّما أمر بطاعة اولي الأمر لأنهم معصومون مطهّرون لا يأمرون بمعصيته ، إذ التعليل يخصص ذلك بالمعصومين فتدبّر جيدا.
__________________
(1) النساء : 59.
(2) غاية المرام : المقصد الأوّل ، الباب التاسع والخمسون ص 267 ح العاشر الطبع القديم.
(3) غاية المرام : المقصد الأوّل ، الباب التاسع والخمسون ص 267 ح الثالث عشر.
(4) غاية المرام : المقصد الأوّل ، الباب التاسع والخمسون ص 265 ح الثاني.
(5) الاصول من الكافي : ج 1 ص 276.
(6) دلائل الصدق : ج 2 ص 192.
(7) سرمايه ايمان : ص 124.
(8) راجع الامامة والولاية : ص 44 ـ 50.
(9) احقاق الحق : ج 3 ص 424.
(10) ولاية الفقيه : ج 1 ص 66.
الاكثر قراءة في امامة الامام علي عليه السلام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة