2 - المدخل الإستراتيجي (Strategic Approach)
تركز الدلالات الفلسفية والفكرية لهذا المدخل، على التلاؤم بين إستراتيجية إدارة الموارد البشرية والمتغيرات الموقفية. وقد وصفت إستراتيجية الأعمال واحدة من أهم المتغيرات الموقفية في فلسفة هذا المدخل، كونها خطة ذات رؤية معينة تبنى على أساس المسح البيئي الخارجي والداخلي، وبالتالي فان سمة التكيف تمثل روح التوجه الإستراتيجي. وقد ساند هذه الفلسفة عدد من الباحثين أمثال( 1994: 670 Arthur) (Torrington & Hall, 1998: 25); ;(Palin, 1996: 340); .(Ginter et al, 1998: 348).
إن هذا المدخل ينظر إلى العاملين بوصفهم مورداً ينبغي استخدامه بأسلوب عقلاني منطقي ونزيه، ولذا فان(Grant &Kane, Cranford (494 :1999 ، تأكدوا من إن هذا المدخل هو الأكثر توكيداً على فاعلية الموارد البشرية التي تعد موجودات تخفيض كلفة، وكما يعتمد مجموعة الدول الآسيو - باسفيكية (1) ، التي تتنافس من خلال الأسعار المنخفضة، وذلك باستعمال الموارد البشرية رخيصة الثمن، وذلك للقيام بأعمال التجميع على سبيل المثال، وهي وظائف غير ماهرة نسبياً، لذا فان المنظمات التي تستند إلى إستراتيجية تخفيض - الكلفة تعتمد هذا المدخل في تحقيق أهدافها.
وفي إطار تقويم المتضمنات الفكرية والفلسفية لهذين المدخلين، فان (494 :1999 ,Kane Cranford & Grant) قد افصحوا، ومن خلال جهودهم البحثية، إن اكثر المنظمات، فشلت في تطبيق المداخل المشار إليها في إدارة الموارد البشرية، إذ أنها جاءت بأفكار نظرية لم تترجم من قبل المنظمات باستثناءات محدودة لعدد من الشركات القائدة أو المتميزة في العالم. ورأى هؤلاء الباحثون إن دراسة إستراتيجيات إدارة الموارد البشرية لا يمكن النظر إليها على أساس جزئي، أو بشكل ردود أفعال، بقدر ما ينبغي أن تدرس في أطر اقل وصفية.
أما الباحث (1990) وزملاءه لم يكتفوا بهذا التشخيص، بل جاءوا بالمدخل متعدد المكونات، وهو مدخل لا توصف من خلاله إستراتيجية الموارد البشرية على أنها مجرد أسلوب أو إستراتيجية مثالية واحدة لإدارة العاملين، وكان رأيهم هذا مؤسساً على فكرة أن إدارة الموارد البشرية، تكون معرضة لمجموعة واسعة من الضغوط والتوقعات من قبل مجموعات المصالح المختلفة داخل المنظمة، ومجموعة من الضغوط الخارجية، كتلك التي تمثلت حالياً باعتماد الموجودات الفكرية في بناء وتشكيل إستراتيجية المنظمة. وهذه التوقعات قد لا تكون متوافقة أو متطابقة مع المداخل السابقة لإدارة الموارد البشرية في إطار هذه الضغوط والتوقعات. لذلك فان المدخل الملائم، هو المدخل الذي يحقق فاعلية إدارة الموارد البشرية التي تظهر من خلال قدراتها على تلبية هذه التوقعات.
لقد حددت دراسة( 13-2004 ,McGregor, Tweed & Pech)، بعد أربع عشرة سنةً مما جاء به (1990 ,Thi et al)، إن المدخل الصلد والمدخل المرن، هما مدخلين غير ملائمين لبيئة العمل الجديدة، وهذا ما يرسخ فكرة الحاجة لمدخل بديل، فتحديث العمل يتطلب مفاهيم جديدة حول راس المال البشري (Human Capital)، وهذا ما دفع على سبيل المثال رئيس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي السيد (Alan G. Span) أن يصرح بقوله بأن الاقتصاد العالمي المتغير سريعاً كان قد رفع بشكل واضح مستوى القلق والذعر وانعدام الأمن لدى قوة العمل، بوصفه جزءً من الحالة الحديثة في عالم اليوم، والذي تصاعد بدورات الازدهار المشهورة للشركات التي يطلق عليها شركات الـ (Dot Com) والتغيير الجوهري لاقتصاد المعرفة الجديد لذلك يرى انه من المؤكد ستواجه منظمات الأعمال أموراً غير مألوفة ليس فقط فيما يخص أمن العمل، بل أشار (2001:57 ,Lissack & Roos) إلى أن المديرين سيكونون قلقين كذلك، فلم تعد مفاهيم التواصل مع قوة العمل سوى فكرة هشة و و وهمية، وان نعومة التعامل هي ليست كل شيء، كما إن افتراضات التنبؤ لم يعد لها مكان فسنكون إذن بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير بالكفاءات المطلوبة من قبل المديرين لإنجاح العمل. وهذا سيواجه على سبيل المثال بشحة المهارات والتخصصات والمتطلبات التشريعية والإبداعات إزاء الوظيفة والسمات المميزة للشخصية الجديدة. وهناك ثلاث نقاط مهمة يتوقع أنها ستتحكم بالمدخل المرتقب لإدارة الموارد البشرية حددها (1999 ,Cordes et al) وهي:
أ- الطبيعة المتحركة لسوق العمل، والتي هي في حالة انتقال عامة ودائمة، وظهور العمالة المؤقتة التي تتألف بشكل كبير في الصناعات الخدمية، ولاسيما بعد تراجع الصناعة السلعية، وكبر سن العاملين والطبيعة الجنسية لأسواق العمل في البلدان الغربية. وبذلك فان الإنموذج الجديد يتضمن إنموذج كبر الحجم في الصناعات التي يهيمن عليها العمل الصغير، وتقليص الحجم في الصناعات التي يهيمن عليها العمل الكبير ولاسيما التصنيع.
ب ـ مركزية تكوين الربح للأعمال بغض النظر عن مركزها في الاقتصادات الجديدة أو القديمة، إذ أشار (61 : 2001,Porter) إلى انه على الرغم من أن هناك قواعد جديدة للتنافس اليوم، إلا ان خلق القيمة الاقتصادية الحقيقية يصبح مرة أخرى هو المعيار النهائي لنجاح العمل، وان القيمة الحقيقية للمنظمة هي ليس اكثر من ثغرة بين السعر والكلفة، وتقاس بنحو ثابت فقط بالربحية المستدامة.وهذا يعني أن الربحية القيمة الجوهرية للعمل سواء أكانت هيئة اقتصاد قديم ام جديد، وهذا ما أكده (23) 2001 Nebit) كذلك بوصفه مجال كفاءة لمنظمات التجارة الإلكترونية.
ج- الحدود الغامضة بين الاقتصادات الجديدة والقديمة والخصائص القوية المميزة للاقتصاد الجديد، والتي تميزه عن الاقتصاد القديم. فالعوامل المستقرة مفاهيمياً وأدائياً في إطار الاقتصاد القديم، لم تعد تتلاءم والمفاهيم التي يبدو عليها نوعاً من الرومانسية، على سبيل المثال صناعات غروب الشمس وموجة المعرفة والاقتصاد غير المرئي واقتصاد الفقاعة، إذ لا توجد محكات حقيقية معترف بها لهذه المفاهيم يمكن اعتمادها كما هو الحال في الاقتصادات القديمة.
إن هذه الاتجاهات التي بدأت تتبلور نحو إيجاد مدخل جديد لدراسة إستراتيجيات الموارد البشرية، لاشك أنها ستضع المديرين على اختلاف مستوياتهم امام قراءة جديدة لمفهوم وأهمية ودور الموارد البشرية، التي سيتمخض عنها مدخل معرفي يشكل مدخل التطوير البشري أساساً أولياً له، كونه مدخلاً يعتمد القدرات الداخلية ويعنى بها سوق العمل الداخلي، الذي يستند إلى موجود المعرفة بوصفه الموجود الأسمى بين الموجودات التنظيميه أولاً، ولتلاؤم هذا المدخل اجتماعياً مع حاجة المعرفة إلى المناخ الاجتماعي في استثمارها وتوليدها ثانياً، وأخيراً كونه مدخلاً سينهي تبعية الموارد البشرية إلى إستراتيجية الأعمال، ويمكن إجمالاً ومن وجهة نظر هذه الدراسة تسميته بالمدخل المعرفي للتطوير البشري..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد تسمى دول ( القرن الأسيوي - باسيفيكي ) ويعني بها مجموعة الدول ( استراليا، الصين، الهند ، اليابان، كوريا، سنغافورة، تايوان).