ثالثاً- إدارة الموارد البشرية في إطار إدارة الجودة الشاملة:
1- دور المورد البشري في إدارة الجودة الشاملة: قد لا يكتب النجاح لبرنامج إدارة الجودة الشاملة، مهما يسرت له من إمكانيات تقنية أو مالية، إذا ما غُيب دور المورد البشري فيه. فالجودة تبدأ وتنتهي بالأفراد، فهم الذين يديرون العملية وينسقون عمل الأنظمة، وهي بذات الوقت تعبير عن التفوق الإنساني، وبالتالي فان جهود تحسينها ينبغي أن تركز أكثر على الأفراد بدلا من الأساليب و الآلات (2000:2,Malhi) . فالأفراد هم المفتاح لنجاح تطبيقات إدارة الجودة الشاملة وليس الآلة (1999:36 ,Simpson). لذا تحرص برامج إدارة الجودة الشاملة على إتاحة الفرصة لكل فرد للاشتراك والمساهمة وتطوير الإحساس بالملكية (3: Zhao1999). إلى الحد الذي أصبحت فيه تمثل إدارة الجودة الشاملة ضرباً من الحركات الاجتماعية، فقد انتقلت تطبيقاتها من المنظمات الصناعية إلى منظمات الرعاية الصحية، المكاتب العامة، المعاهد والمؤسسات التعليمية وحتى المنظمات غير الهادفة للربحية (2001:2,Osborn) و (2000:57,Li). لقد أدركت منظمات الأعمال التي تتبنى مبادئ إدارة الجودة الشاملة أهمية العامل الإنساني عند تطبيقها (2001:37,Ahmed et al).
ويتبلور دور المورد البشري في إدارة الجودة الشاملة من خلال عملية صنع القرارات، بناء علاقات الزبون وإجراء التغيرات في تصميم العمل (2000:381,Harris). وأكد (1995:554 ,Schuler) بان متضمنات إدارة الجودة الشاملة بشأن الموارد البشرية مهمة، إذ إن الأفكار الجيدة لتحسين المنتج غالباً ما تأتي من العاملين، فضلاً عن مشاركتهم في حل المشكلات. وهناك توجها متزايد لإعطاء مزيد من المسؤولية للأفراد العاملين فيما يتعلق بالجودة من خلال تحديد هدف لكل فرد يسعى إلى تحقيقه، وهو الوصول إلى الجودة العالية التي تقابل متطلبات الزبون (1998:1,Kalite) . وتقديم مقترحات لتحسين جميع أوجه العملية، الإدارة بالمعرفة المتخصص . (Jones, . 2001:31)
وعلى الرغم من أهمية دور المورد البشري في إدارة الجودة الشاملة على صعيد النظرية والتطبيق، ألا إن هناك من يخشى أن ينظر بعض الأفراد العاملين إلى ادارة الجودة الشاملة كبدعة تذكره بالماضي من الموضات الأخرى كحلقات الجودة، الإدارة بالأهداف والموازنة الصفرية، الأمر الذي يتطلب إزالة مثل هذا التصور لدى العاملين، عبر ربط تطبيقات إدارة الجودة الشاملة بالمشكلات والحاجات والنتائج على مستوى المنظمة (4: 1995,Packard) ، وهنا يأتي دور الإدارة التي ينبغي أن تمتلكه بقدرة العـاملين علـى تحقيق متطلبـات الجودة، والحرص على منحهم الفرصة للتعبير عن كامل طاقاتهم (22000:2 ,Malhi). فإذا ما تعايش الأفراد وعملوا في بيئة ذات مناخ إيجابي، وحصلوا على التشجيع والدعم باتجاه التحسين والنمو، تحمل المسؤولية والعمل الجماعي فانهم سيدخلون في أنظمة الجودة الشاملة ولا يكونوا عبء ثقيل على المنظمة.
.2 - طبيعة وأهمية العلاقة بين إدارة الموارد البشرية وإدارة الجودة الشاملة (1998:36 ,Kelner).
لا يخفى إن إدارة الموارد البشرية أصبحت تحظى باهتمام متزايد، بعد أن غُيّب دورها مدة ليست بالقصيرة، وقد جاء هذا الاهتمام نتيجة الوعي بأهمية الدور الذي تلعبه على صعيد تنمية الموارد البشرية وتعزيزها وإسناد الميزة التنافسية للمنظمة.
وقد أفرزت تطبيقات إدارة الجودة الشاملة رغبة متنامية على المستويين النظري والتطبيقي للبحث في العلاقة بين ادارة الموارد البشرية وادارة الجودة الشاملة، فكلاهما يستخدم ذات النماذج والافتراضات النظرية مثل: القيادة المشاركة مشاركة العاملين، التدريب العمل الجماعي، ورضى الزبون (2001:13 Boselle & Wiele).وطبقاً لـ (Evans & Lindsay ) فان تركيز إدارة الجودة الشاملة هو تغيير دور إدارة المــوارد البشرية، عبـر تغییــر تصورات العاملين المتخصصين في الموارد البشرية والمديرين من علاقات قائمة على أساس الرقابة العدائية إلى وضع تعاوني مبني على أساس المشاركة ، تبادل الأهداف الفردية والتنظيمية، الثقة والاحترام (1997:70 ,.Dale et al). وهناك وجهات نظر رأت إن إدارة الجودة الشاملة قد انتقلت من منظور توكيد الجودة أو ما يطلق عليه الجوانب التقنية كرقابة العملية الإحصائية وعمليات التصميم وأدوات الرقابة وتحسين العملية إلى الجوانب الإنسانية التي استحوذت على اهتمام اقل في النصوص التقليدية لإدارة الجودة الشاملة (1997:72 ,Op,cit). وهذا التوجه ناتج عن إدراك أهمية الدور الذي يمكن أن تعلبه إدارة الموارد البشرية في النجاحات أو الإخفاقات لتطبيقات الجودة الشاملة (1995:563 ,Schuler). فهي الإدارة المسؤولة عن توفير المهارات والكفاءات البشرية وتدريبها وتحفيزها والتي تعد من الركائز الأساس في تنشيط وتفعيل ادارة الجودة الشاملة . واقترح كل من (Bowen & Lawler) عدد من المبادئ تعمل بمقتضاها ادارة الجودة الشاملة مع قسم الموارد البشرية لعل ابرزها الاحترام المتبادل والعمل الجماعي (1995:127,Ross).
ويبدو إن العلاقة بين ادارة الجودة الشاملة وادارة الموارد البشرية أصبحت ضرورة لا غنى عنها، فقد جادل (Guest) بان ارتباطهما يعني عصمة من الخطأ، ويمكن النظر لهذه العلاقة كمدخل ستراتيجي مطلوب لإدارة الموارد البشرية (1997:75 ,Dale et al).
بالإضافة إلى ما تقدم فان بعض المؤشرات التي تستدعي تطبيق إدارة الجودة الشاملة في المنظمات، تقع ضمن اهتمامات إدارة الموارد البشرية كزيادة معدلات دوران العمل والتغيب وزيادة ممارسة الرقابة والإشراف على العاملين وكثرة اللجان وتعددها.
أما على الصعيد النظري فلم تخلو المبادئ التي حددها رواد الجودة من الإشارة إلى جوانب تتصل بإدارة الموارد البشرية، فقد ضمت مبادئ (Deming) الأربعة عشر عن الجودة ستة مبادئ عن الموارد البشرية، وأولت جوائز الجودة العالمية في شروطها أهمية خاصة لقضايا الموارد البشرية، إذ خصصت جائزة (Baldrige) (150) نقطة لإدارة وتطوير الموارد البشرية من مجموع (1000) نقطة، فيما خصصت جائزة أوروبا للجودة (90) نقطة لأداء الأفراد و (90) نقطة أخرى لرضى العاملين من مجموع (1000) نقطة (73-1997:72 ,Dale et al ) و ( ,Schuler وقد برزت أهمية العلاقة بين إدارة الجودة وإدارة الموارد البشرية من خلال سلسلة إصدارات نظام إدارة الجودة الآيزو (ISO) اذ نصت المواصفة الإرشادية (9000-ISO) التي تتضمن دليل حول اختيار واستعمال مواصفات الجودة على ضرورة أن يعكس تنظيم الشركة وتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات فيها توفير الموارد البشرية التي تتطلبها منظومة إدارة الجودة العاني وآخرون، (62:2002). أما المواصفة العالمية (9001:2000 ISO) والتي تمنح بموجبها الشهادة قد أفردت الفقرة (6 – 2) لاستعراض متطلبات إدارة الموارد البشرية، إذ نصت على: "انه يجب على الأفراد الذين يقومون بأعمال تؤثر على جودة المنتج أن يكونوا من ذوي المقدرة القائمة على التعليم المناسب، والتدريب، والمهارات، والخبرة. وعلى الإدارة أن تحسن الفاعلية والكفاءة للمنظمة متضمنة نظام إدارة الجودة، من خلال إشراك ودعم الأفراد، وكإسناد لاهداف تحسين الأداء.
غير ان العلاقة بين إدارة الجودة الشاملة وادارة الموارد البشرية واجهت التحديات، مثلما لاقت الفرص (1995:127 ,Ross). فأدبيات إدارة الجودة لديها تركيز حول العملية اكثر من المحتوى ( Reed et 1996:173,al). وربما ذهب البعض إلى ابعد من ذلك وعد الجودة على إنهـا مجرد مسألة تصنيع، وان دور الفرد يكمن في الاطلاع بمسؤولية التحسين المستمر وضمان الجودة ، ويكون واضحا من خلال تعديل أدوار العمل التقليدية، غير إن المشكلة التي تبرز هو إن دور الفرد في ضمان الجودة ضمن قطاع (1997:38-84,Dale et al. )وربما تكون نقطة الخلاف الرئيسة والمشكلة الأكثر أهمية بين إدارة الجودة الشاملة وادارة الموارد البشـرية هي إن تطبيقات الموارد البشرية تركز على الفرد بدلاً من الأنظمة (2000:3,Macy). لذا فان تغيير تركيز الموارد البشرية الجديد هو في تبني الأنظمة بدلاً من الاتجاهات الفردية الذي ولد صعوبات واجهت متخصصي الموارد البشرية، لاسيما على صعيد إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمنظمة (1994:467,Bounds et al).
ويتجلى لنا مما تقدم بان العلاقة بين إدارة الجودة الشاملة وإدارة الموارد البشرية لا زالت تتبلور، وربما ستشهد استقطاباً واهتماماً متزايداً على الصعيدين الفكري والتطبيقي، وربما ينبغي أن تكون النظرة الصحيحة لهذه العلاقة قائمة على أساس التبادل والتكامل بينهما، فكما هو مطلوب من إدارة الموارد البشرية أن تعدل وتكيف بعض أنظمتها السابقة وتعتنق أنظمة جديدة، فانه بالمقابل مطلوب من فلسفة إدارة الجودة الشاملة أن تستوعب أهمية الدور الذي يمكن ان تعلبه إدارة الموارد البشرية على صعيد تطبيق برنامج الجودة الشاملة، لكونها الإدارة المتخصصة والقادرة على إحداث التغيير المطلوب في ثقافة الأفراد واتجاهاتهم وتنمية قابلياتهم كشــروط أساس لنجاح إدارة الجودة الشاملة.