0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

أكمل طرق التدبير / الاستهلاك

المؤلف:  عبد الله عمار الحموي

المصدر:  التدبير في المعيشة

الجزء والصفحة:  ص83 ــ 131

2026-11-07

40

+

-

20

إن طريقة التدبير في المعيشة، هي الأسلوب الذي يتم من خلاله تنفيذ السياسات الاستراتيجية العامة في أمور المعيشة وإدخالها في حيّز الإجراء. وهذه الطريقة تشمل:

ـ الاستهلاك

يُعدّ الاستهلاك من الأبحاث الأساسية في مجال الاقتصاد.

ويجدر بجميع أبناء المجتمع دون استثناء، ولا سيما المسؤولون منهم، أن يعيروه أهمية بالغة، وهو يعني تسخير المصادر المتاحة، بغية تحقيق متطلبات الحياة الراهنة والمستقبلية، أو أنه يعني تسخير السلع الاقتصادية في مجال الاستثمار(1).

فيجب على المسؤول المدبّر أن يتبع المناهج الصحيحة في الاستهلاك، ليتمكن من تحقيق متطلبات الرعية على المستويين المادي والمعنوي، كما يجب عليه اجتناب الإسراف والتبذير.

1. أهمية الاستهلاك في مفهوم الاقتصاد

لقد خصص علماء الاقتصاد حيزا واسعا من دراساتهم لمسألة الاستهلاك، كونها تتمتع بأهمية بالغة بين جميع الشعوب والأمم، بحيث لا تضاهيها أي مسألة أخرى بين مختلف المفاهيم الاقتصادية، وكثير منهم يعتقد أن الهدف وراء جميع النشاطات الاقتصادية يكمن في الاستهلاك، كالتوفير، والإنتاج، وتوزيع الثروة.

ويُعدّ الاستهلاك هدفًا أساسيا في الإنتاج وتوزيع الثروة، إذ له بالغ التأثير في هذا المضمار من هنا، وضع علماء الاقتصاد أصلاً اقتصاديًا بعنوان (سيادة المستهلك)، وفحواه: أن المستهلك هو الذي يعيّن الإطار اللازم للإنتاج، وتخصيص مصادره، ويحدد طريقة توزيع الثروة. واستنادا إلى هذه النظرية، فإن الاستهلاك ليس محض تابع للإنتاج والتوزيع، بل إن الانتاج والتوزيع تابعان له من جهة ما، وبعبارة أخرى: هناك علاقة متبادلة بين الاستهلاك من جهة، وبين الإنتاج والتوزيع من جهة أخرى: فالاستهلاك يُعد آلية هامة في كيفية الإنتاج.

ولا شك في أن السياسات الاستهلاكية الصحيحة - ترشيد الاستهلاك لها تأثير بالغ على السياسات الاقتصادية، فمن شأنها إيجاد حافز في أسواق الاستهلاك، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي ارتفاع مستوى الدخل العام.

ولترشيد الاستهلاك فوائد جمة، فإضافة إلى كونه منهجا ضروريا للادخار والاستثمار، كذلك يعد سببا أساسيا للرقي الاقتصادي.

وهناك مسألة هامة تجدر الإشارة إليها، وهي: أن حاجات الإنسان المادية تعد المحور الأساس للنظريات الاقتصادية في النظامين الرأسمالي والاشتراكي، وعند انعدام الحاجات المادية الضرورية، فإن عملية الاستهلاك سوف تستمر من خلال إيجاد حاجات مادية كاذبة. لكن الاستهلاك في النظرية الإسلامية لا يختص بالحاجات المادية فحسب، بل إن بعض متطلبات الإنسان المعنوية تعتبر سببًا لإيجاد دافع لدى الإنسان في ذلك، أي أن دوافع الاستهلاك في النظام الإسلامي أوسع نطاقا من النظامين الرأسمالي والاشتراكي(2).

2. قواعد الاستهلاك الأمثل في الإسلام

إن أسس الاستهلاك الأمثل في النظرية الإسلامية هي عبارة عن التعاليم التربوية السامية التي تشكل منهجا صحيحًا ومتكاملاً لتدبير المعيشة، ويمكننا التعرف عليها من خلال القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وسنشير إلى بعضها في ما يلي:

أ. وجوب البعد عن الإسراف

((الشرف هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر))(3). ونستلهم من آيات القرآن الكريم أن الإسراف يقابل التقتير، حيث قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].

وتؤكد تعاليمنا الدينية على أن الإسراف من الأعمال الذميمة جدا، حيث نهى القرآن الكريم عنه نهيًا شديدا، فالله تعالى عدّه من السُّنَن الفرعونية: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83]. وتوعد المسرفين بعذاب أليم: {لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 43].

والإسراف في استهلاك الموارد الطبيعية تعدّيا على حقوق الآخرين، وإهدارا للثروة العامة التي هي حق لجميع البشر والأجيال كافة. وحسب الرؤية الإسلامية، فإن نتيجة الإسراف والإنفاق المفرط ليست سوى إهدار الثروة العامة، وبالتالي حرمان الشعب منها. قال الإمام علي (عليه السلام) في هذا الشأن: ((السَّرفُ مَثواةٌ))(4)، أي أن السرَّف آلة للتلف والتسبب بالخسارة.

من أسباب حرمة الإسراف

يُعدّ الإسراف خروجا عن مستوى التوازن، أي عن حكم العقل والإذعان لأهواء النَّفس. فهو إهدارٌ للنعمة التي أكرم الله تعالى بها عباده، لإمرار معاشهم. ونتيجة هذا الإهدار هي البعد عن رحمة الله تعالى ورضوانه(5).

فكما أن للمجتمع حقا في الأموال العامة، كذلك فإن له حقا ـ أيضا ـ في أموال الناس الخاصة، وبما أن الإسراف يُعد تعديا على حقوق المجتمع، فالنتيجة أن الإسراف في الأموال الخاصة غير جائز.

يقول العلامة الشهيد مرتضى المطهّري رحمه الله في هذا الصدد: ((إنَّ الإسراف والتبذير، وأي استخدام غير مشروع للأموال، ممنوعٌ. والمنع هنا ليس ناشئًا من حرمة هذا العمل فحسب، بل لأنه أيضًا - يُعد تصرفًا في الثروة العامة من دون إذن. فهذا المال، وإن كان خاصا، فهو متعلق بالمجتمع أيضا(6).

فضلاً عن ذلك، ونظراً لمحدودية المصادر الاقتصادية، فإن الإسراف هو سبب الحرمان بعض الناس من تلك المصادر. وكذلك، فإن اعتياد الإنسان على الإسراف سيجعل منه شخصا أنانيا وبعيدا عن المثل العليا التي أرادها الله تعالى من عباده. والأصل ـ على أساس النظرة التوحيدية ـ، أن الله تبارك وتعالى هو المالك الأصلي، ونحن جميعا مستخلفون من قبله، وكل نوع من التصرف من دون إذنه ورضاه، فهو قبيح وغير مقبول، ونحن نعلم أن الله تعالى لم يأذن بالإسراف ولا بالبخل(7).

معيار حقيقة الإسراف

المراد من الإسراف تجاوز الحد في الإنفاق، أي أن الإنسان يتجاوز المستوى المتعارف في إنفاق المال، فينفق أكثر من حاجته، ويسرف في ذلك. فعلى سبيل المثال: شخص لا يتقاضى في اليوم أكثر من دولارين، لكنه يشتري لنفسه ولأسرته ثيابا بمئات الدولارات. وقد تطرق الإمام الصادق (عليه السلام) لهذا الأمر، فقال: ((ربّ فقير هو أسرف من الغني، إنّ الغني ينفق مما أوتي، والفقير ينفق من غير ما أوتي))(8).

وهذه الرواية تشير إلى بعض الموارد النادرة التي لا يتبع فيها الفقير برنامجا صحيحًا في معيشته، وذلك حينما ينفق ما يكسبه من مال يسير في مسائل لا تتناسب مع وضعه المادي، وبالتالي يهدر دخله بسبب إسرافه وبالتأكيد، فإن هذا الفعل بالنسبة للأثرياء قد لا يكون إسرافًا، إذ أن إسرافهم يتحقق عبر إنفاقهم الأموال في أمور أشد فداحة مما فعله هذا الفقير.

ومن هنا، يتضح أن معيار حقيقة الإسراف نسبي، حيث تكون بعض مصاديق الإنفاق الصادرة من بعض الأفراد مؤدية إلى الوقوع في الإسراف، ولكنها ليست كذلك بالنسبة للبعض الآخر، فبعض موارد الإنفاق التي لا يعدها العرف تجاوزاً عن حد الاعتدال، بينما يعدها العقل تجاوزاً عن ذلك، لا تعد من أمثلة الإسراف، ولكنه نهي عنها في بعض الأحاديث، منها: قول الإمام الصادق (عليه السلام): ((إنَّ القصدَ أمرٌ يُحِبُّهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وإنَّ السَّرفَ أمرٌ يُبغضُهُ اللهُ عزَّ وجل حتى طرحَكَ النواة، فإنها تَصلحُ لشيء وحتّى صبَّكَ فَضلَ شَرابك))(9)؛ بينما هذه الأفعال لا يعدّها العرف اليوم إسرافًا.

نسبيّة الإنفاق

ما يشير إلى أن الإسراف مسألةٌ نسبيةٌ، هو اختلاف معدّل الإنفاق من مجتمع إلى آخر، لأن مستوى رفاهية الشعب ورقيه الاقتصادي أو تدني مستواه المعيشي مختلف من بلد إلى بلد. فلربما اقتناء بعض السلع والمؤن أو تقديم بعض الخدمات، يُعدّ تجاوزاً عن الحد المتعارف في أحد المجتمعات النامية، لكنه ليس كذلك في مجتمع متطور، لذا يمكن القول: إن الإسراف مسألة نسبية(10).

والحال كذلك بالنسبة لاختلاف الزمان وتنوع المسؤوليات، أي حينما يتمتّع الناس بحياة مرفهة في زمان ما، ويشهد مجتمعهم تناميا اقتصاديًا، فسوف يحظون بحياة أفضل، وبإمكانهم اقتناء سلع أكثر وذات جودة عالية، وهذا بدوره لا يعدّ إسرافًا، لكن بشرط عدم الإفراط والطغيان. ومن هنا، لو حاول البعض في هذه المجتمعات المرفهة الإعراض عن نعم الله تعالى، وقيّدوا أنفسهم بحياة الفقر والعوز وارتداء الخرق من الثياب، فإن زهدهم هذا يحمل على الرياء. فالبعض قد يغفل عن حقيقة الحكمة العملية في الإسلام، وهؤلاء موجودون في كل عصر ومكان، إذ أن ضيق إطار أفكارهم يحفزهم على مؤاخذة الآخرين جهلاً، حتى أنهم قد يعترضون على الأئمة المعصومين (عليهم السلام). فقد روي أن سفيان الثوري دخل على الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) فرأى عليه ثيابًا بيضاء ناعمة، فقال له: إن هذا اللباس ليس من لباسك، فأجابه (عليه السلام): ((اسمَع مني وعِ ما أقولُ لَكَ، فَإِنَّهُ خيرٌ لك عاجلاً وآجلاً إن أنتَ مِتَّ عَلَى السُّنَّةِ وَلَم تَمُتْ عَلَى بدعة، أُخبِرُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) كَانَ فِي زَمَانِ مُقْفِرٍ جَدَبٍ، فَأَمَّا إذا أَقْبَلَتْ الدُّنيا فَأَحَقُّ أهلها بها أبرارُها لا فُجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومُسلموها لا كُفَّارُها، فَما أنكرت يا ثوري؟! فَوَالله إنِّي لَمَعَ مَا تَرِى مَا أَتَى عَلَيَّ مُذ عَقِلت صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أَنْ أَضَعَهُ مَوضِعًا، إِلَّا وَضَعَتُهُ))(11).

كما روى علي بن أسباط أن سفيان الثوري قال للإمام الصادق (عليه السلام): يُروى أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن من الثياب، وأنت تلبس القوهي المروي! فقال له (عليه السلام): ((وَيْحَكَ، إِنَّ عَلَيَّا (عليه السلام) كَانَ فِي زَمَانِ ضِيقٍ، فَإِذَا اتَّسَعَ الزَّمَانُ، فَأَبْرارُ الزَّمانِ أولَى بِهِ))(12).

فذوي الفكر المتشدد، يعتبرون ارتداء الإمام المعصوم (عليه السلام) الثياب الحسنة تجاوزاً عن الحد المتعارف عليه في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، بينما هذا الأمر الذي لم يكن رائجا في الأزمنة السالفة، صار متعارفًا عليه في ذلك العهد.

إذًا، لا بد أن تكون أفعال الإنسان وطريقة معيشته منسجمة مع مقتضيات زمانه، فالإسراف مسألة نسبية!

والجدير بالذكر، أن بعض موارد الإنفاق تقتضي بذل أموال كثيرة، ولا يعد ذلك إسرافًا، لأن إنفاق المال بكثرة – أحيانا - يكون سبيا لحفظها، وهو بالتالي جزء من حسن التدبير في المعيشة كاقتناء ثياب مختلفة لأغراض مختلفة، مثل: الثياب المخصصة للنوم أو للعمل أو للسفر أو للضيافة، أو ما يُرتدى في مختلف فصول السنة، وهذا الأمر لا يعتبر إسرافًا، حيث إنه من ضرورات التدبير في المعيشة. روي عن إسحاق بن عمار أنه سأل الإمام الكاظم (عليه السلام): الرجل يكون له عشرة أقمصة، أيكون ذلك من السَّرف؟ فقال (عليه السلام): ((لا، ولكنَّ ذلِكَ أَبْقَى لِثِيَابِهِ، وَلَكِنَّ السَّرَفَ أَنْ تَلْبَسَ ثَوبَ صَونِكَ في المكان القَذرِ))(13).

لذلك، فإن اقتناء ثياب بداعي الحاجة إليها حسب مقتضيات الزمان، لا يُعدّ من الإسراف بوجه، لأنها تستخدم عند الحاجة إليها، على العكس من ذلك، الذين يفرطون في امتلاك أنواع الثياب، ويكدّسونها في خزانتهم، بحيث لا يحتاجون إليها كافّة، فهذا هو الإسراف بعينه.

ب. وجوب البعد عن التبذير

التبذير: التفريق، وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكل مُضيِّع لماله، فتبذير البذر: تضييعٌ في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يلقيه(14).

والتبذير يخص الحالات التي يصرف فيها الإنسان أمواله بشكل غير منطقي وفاسد، وبتعبير آخر: هو هدر المال في غير موقعه، ولو كان قليلاً، بينما إذا صُرِفَ في محله، فلا يُعد تبذيرا، ولو كان كثيرا(15).

لذا، فإن إهدار المال وإنفاقه عبثًا يُعدّ من الأفعال المحرمة دينيا، سواءٌ أكانت هذه العبثية من الناحية الكمية أم من الناحية النوعية، إذ يجدر بالإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار الجوانب النوعية لمؤونته التي يقتنيها، ومدى كفاية المصادر الإنتاجية والخدماتية التي يعتمد عليها في معيشته، أي أن عليه تسخير كل مصدر إنتاجي أو خدماتي، بطريقة يمكنه معها بلوغ أقصى درجات الاستثمار، لكي يستغل طاقته الكامنة بشكل أمثل(16).

والقرآن الكريم بدوره عَدَّ المبذرين إخوانا للشياطين: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27].

إنَّ الله تعالى أعطى الشيطان قدرةً وقوةً، وذكاءً سلبياً خارقاً للعادة، ولكن الشيطان استفاد من هذه الأمور في غير محلها، أي في طريق إغواء الناس وإبعادهم عن الصراط المستقيم. أما كون المبذرين إخوان الشياطين، فذلك لأنهم كفروا بنعم الله، حيث وضعوها في غير مواضعها تماما، كما فعل الشيطان، ثم إن استخدام (إخوان) تعني أن أعمالهم متطابقةٌ ومتناسقةٌ مع أعمال الشيطان كالأخوين اللذين تكون أعمالهما متشابهة(17).

من مصاديق الإسراف والتبذير

لكلمَتي الإسراف والتبذير معنى واسعا جدا يتجلى في الأفعال اليومية للبشر، وقد تطرقت النصوص الدينية إلى ذكرها بشكل مجمل أو مفصل، نشير إلى بعضها في ما يلي:

ـ المأكل والمشرب: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

الإنفاق والعطاء الذي يتجاوز الحد المتعارف: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا} [الفرقان: 67].

ـ طلب المقام والاستكبار في الأرض: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 30، 31].

- تجاوز الحد في القصاص: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33].

ـ ارتكاب المعاصي: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

ـ القضاء بين الناس بغير حق: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28].

وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه مرَّ بسعد، وهو يتوضأ، فقال له: ((ما هذا السّرفُ يا سَعدُ؟!)). قال سعد: أفي الوضوء سرف؟ فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله): ((نعم، وَإِنْ كُنتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ))(18).

وروي عنه (صلى الله عليه وآله): ((الخلقُ عِيالُ الله))(19)، وكذلك هم أُمناؤه على ماله. وعليه، يتوجب على الإنسان أن ينفق أمواله في ما فرضه الله بتسخيرها لقضاء حوائجه وتلبية متطلبات معيشته. لذلك، فإن الإنفاق الزائد عن الحاجة، يُعد إتلافا للمال، وسوء تصرف فيه، بما يؤدي إلى الإسراف والتبذير، وحسب بعض الروايات فإن الإسراف والتبذير يتحققان حتى في طرح نواة التمر، وما فَضُل من الماء، أو ارتداء ثيابٍ فاخرةٍ أثناء العمل، أو اقتناء سلع لا نفع منها(20).

فالبناء الذي يمكننا أن نقطنه أو نسخّره لمنافع أخرى، لا يجوز لنا تخريبه لمجرد عدم مطابقته لموضة العصر، فهذا الخراب هو التَّبذِير بعينه. وتدمير البستان الذي يمدنا سنويا بمحاصيل زراعية وثمار طريّة، وتشييد أبنية محلّه، يُعدّ تبذيرا - أيضا، حيث يمكننا أن نُشيّد هذا البناء في الأراضي الفسيحة الموجودة في ضواحي المدينة، والتي هي أقلّ ثمنا وأكثر مساحةً. كما أنّ عدم صيانة المباني حتى تندرس، هو في الحقيقة تبذيرٌ أيضا.

وحسب أحكام الفقه الإسلامي، يجب على مَن يمتلك حيوانا أن يوفّر له الماء والكلأ، وإذا لم يتمكن من ذلك، عليه أن يُطلقه، ليرعى، وإذا لم يفعل، فإنّ حاكم الشرع يرغمه على ذلك، وإذا لم يستجب لهذا الأمر، فإن حاكم الشرع يتولى ذلك. وبالطبع فإن ملكية الإنسان لماله تتيح له حرية التصرف فيه، لكن هذا التصرف محدودٌ، إذ لا يجوز له أن يتلف ماله عامدًا(21).

إذًا، يتضح لنا مما ذُكِرَ سعة نطاق الإسراف والتبذير، ويجدر بالإنسان العاقل أن يراعي الدقة والاعتدال في إنفاقه، ليصون نفسه من الإثم والزلل في هذا المجال.

الفرق بين الإسراف والتبذير

تستعمل مفردتا الإسراف والتبذير في كثير من الأحيان بمعنى واحد، حيث يعطف أحدهما على الآخر، توكيدا، ونلاحظ ذلك في قول الإمام علي (عليه السلام): ((ألا وَإِنَّ إعطاء المالِ فِي غَيْرِ حَقَّهِ تبذيرٌ وَإسراف، وَهُوَ يَرْفَعُ صاحبَهُ فِي الدُّنيا، وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، ويُكرِمُهُ فِي النَّاسِ، وَيُهِينُهُ عِندَ اللهِ))(22).

في الواقع، لا يوجد هناك بحثٌ واضحٌ عند المفسرين في التفاوت الموجود بين الإسراف والتبذير، ولكن عند التدبر بأصل هاتين الكلمتين في اللغة، يتبين أن الإسراف، هو: الخروج عن حد الاعتدال، ولكن دون أن نخسر شيئًا، فمثلاً نلبس ثوباً ثمينا، بحيث يعادل ثمنه أضعاف سعر الملبس الذي نحتاجه، أو أننا نأكل طعامًا غاليا بحيث يمكننا إطعام عدد كبير من الفقراء بثمنه. كل هذه أمثلة على الإسراف، وهي تمثل خروجنا عن حد الاعتدال، ولكن من دون أن نخسر شيئًا. أما كلمة (تبذير)، فهي تعني: الصرف الكثير، بحيث يؤدي إلى إتلاف الشيء وتضييعه، فمثلاً نهيئ طعاما يكفي لعشرة أشخاص من أجل إطعام شخصين، كما يفعل ذلك بعض الجهلاء، ويعتبرون ذلك فخرا، حيث يرمون الطعام الزائد في المزابل(23).

وفي النتيجة إن إنفاق كل مال في غير طاعة الله تعالى، هو في حقيقته إسرافٌ وتبذيرٌ، كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((مَن أَنفَقَ شَيْئًا فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ، فَهُوَ مُبَذِّرُ، وَمَن أَنفَقَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهُوَ مُقْتَصِدٌ))(24).

من عواقب الإسراف والتبذير

تطرقنا آنفًا إلى بعض نتائج الإسراف والتبذير السيئة، وهناك نتائج أخرى مثل: ابتلاء المجتمع بالاختلافات الطبقية. فأصحاب الدخل العالي يستولون على مقادير كبيرة من الثروة العامة، ويهدرونها في لهوهم وعبثهم، بينما هناك كثير من أصحاب الدخل المتدني الذين يعيشون حياة مادية صعبة، ولا يملكون ما يسد رمقهم. والسبب في ذلك يعود إلى الكمية الكبيرة من الأموال التي يمتلكها أولئك الأثرياء وطريقة معيشتهم التي يعتمدونها، أي أن طبيعة الإسراف والتبذير - في الأموال والمؤونة التي تسود أفعالهم تؤدي إلى عدم مبالاتهم بالمجتمع، وتبديد ثرواته، وإعراضهم عن تقديم خدمات لأبناء جلدتهم، وعدم توفير متطلبات مَعِيشَتَهم.

ومن النتائج السيئة الأخرى للإسراف والتبذير، ابتلاء الفرد والمجتمع بالفقر والحرمان. فالمُسرف الذي لا يُحسن التدبير في مَعِيشَتَه، قد يُبتلى بالفقر، بسبب إسرافه، وبالتالي لا يتمكّن من تأمين متطلبات مَعِيشَتَه. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الشأن: ((إِنَّ السّرفَ يُورِثُ الفَقْرَ، وَإِنَّ القَصِدَ يُورِثُ الغِنَى))(25).

وكذلك، فإن عددًا من المسرفين قد يؤثّرون سلبيا على المجتمع برمّته إثر إسرافهم وإهدارهم الثروة العامة، ليكون سوء تصرفهم موجبا لحرمان المجتمع، ورواج الفقر فيه.

وبتحريم الإسراف والتبذير، والمنع من اكتناز الأموال، والتشجيع على الإنفاق، فإن ديننا الإسلامي يكون كفيلاً بوضع منهج مناسب لاجتثاث الفروقات الطبقية من المجتمع، إذ يتم ذلك عبر إتاحة الفرصة للطبقة المحرومة، لاستثمار ما كان زائدا عن حاجة الأثرياء، الأمر الذي يؤدي إلى تقليص الفارق الطبقي، ورفع المستوى المعيشي للفقراء. فلو دققنا في إسراف بعض المترفين وعبثهم بالأموال، لوجدنا قطعا أن اجتناب هذه التصرفات من شأنه أن يسد رمق الكثير من المحرومين، كذلك فإن المباني الشاهقة والقصور الضخمة التي يشيدها هؤلاء الأثرياء والتي تحفل بالكثير من الأمتعة والأغراض الفائضة عن الحاجة، يمكن الاستعاضة عنها بما هو أنسب، لاستثمار الفاضل منها، لبناء منازل بسيطة تؤوي من لا قدرة له على اقتناء منزل، فأصحاب القصور عادةً لا ينتفعون إلا من جزء محدود منها(26).

والقرآن الكريم بدوره أنّب المسرفين والمبذّرين تأنيبا شديدا، وذمّ تصرّفاتهم في موارد كثيرة، حيث أكد على أنهم سيحرمون من محبة الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]. كما قال تعالى في الأمر نفسه : {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

وشبههم في آية أخرى بالشياطين الذين عاقِبتهم جهنم وبئس المصير: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26، 27].

وأشار القرآن إلى سوء عاقبتهم ووجوب عذابهم: {لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 43]. وإلى أن عاقبتهم هي الهلاك: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء: 9].

النهي عن اتباع المسرفين

نهى القرآن الكريم عن اتباع المسرفين، وشبّه إسرافهم بالفساد في الأرض وعدم إصلاحها، في قوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 151، 152]، فـ (الإسراف) هو التجاوز عن حدّ قانون التكوين وقانون التشريع، ومن الواضح أيضًا أن أي تجاوز عن الحد موجبٌ للفساد والاختلال، وبتعبيرٍ آخر: إن مصدر الفساد هو الإسراف، ونتيجة الإسراف هي الفساد أيضا(27).

وللعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي رحمه الله بيانٌ رائع في هذا المجال، حيث قال: ((وذلك أن الكون على ما بين أجزائه من التضاد والتزاحم، مؤلّفٌ تأليفا خاصا يتلاءم معه أجزاؤه بعضها مع بعض في النتائج والآثار، كالأمر في كفّتي الميزان، فإنهما على اضطرابهما واختلافهما الشديد، بالارتفاع والانخفاض، متوافقتان في تعيين وزن المتاع الموزون، وهو الغاية والعالم الإنساني الذي هو جزءٌ من الكون. كذلك الفرد من الإنسان، بما له من القوى والأدوات المختلفة المتضادة مفطور على تعديل أفعاله وأعماله، بحيث تنال كل قوة من قواه حظها المقدر لها، وقد جهز بعقل يميز بين الخير والشر، ويعطي كل ذي حق حقه. فالكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غايات صالحة مقصودة، وهو في ما بين أجزائه من الارتباط التام يخط لكل من أجزائه سبيلاً خاصا يسير فيها بأعمال خاصة، من غير أن يميل عن حاق وسطها إلى يمين أو يسار، أو ينحرف بإفراط أو تفريط، فإن في الميل والانحراف، إفسادا للنظام المرسوم، ويتبعه إفساد غايته وغاية الكل. ومن الضروري أن خروج بعض الأجزاء عن خطّها المخطوط لها، وإفساد النظم المفروض لها ولغيرها، يستعقب منازعة بقية الأجزاء لها، فإن استطاعت أن تقيمه وتردّه إلى وسط الاعتدال فهو، وإلا أفنته وعفت آثاره، حفظا لصلاح الكون، واستبقاءً لقوامه، والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون، غير مستثنى من هذه الكلية، فإن جرى على ما تهديه إليه الفطرة، فاز بالسعادة المقدرة له، وإن تعدى حدود فطرته وأفسد في الأرض، أخذه الله سبحانه بالسنين، والمثلات، وأنواع النكال والنقمة، لعله يرجع إلى الصلاح والسداد. قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

وإن أقاموا مع ذلك على الفساد، لرسوخه في نفوسهم، أخذهم الله بعذاب الاستئصال وطهّر الأرض من قذارة فسادهم(28).

ت. ذم البخل والتقتير

إن البخل والتقتير (التفريط في الإنفاق) مفهومان يتضادّان مع الإسراف والتبذير (الإفراط في الإنفاق). وهذه الخُلق مذمومةٌ جملة وتفصيلاً، لأن فيها انحرافا عن الاعتدال في الإنفاق الذي أكد عليه الله سبحانه في كتابه المجيد، حيث نهى عن البخل والإسراف، وأوصى الناس باتباع الوسطية في الإنفاق: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].

والطريف أن البخيل، وإن كان ثريا، فإنه لا يحيى حياة كريمة، ويحرم نفسه وأهله مما يحتاجون إليه رغم استطاعته توفيره، وقد نهى الإمام الصادق (عليه السلام) عن طلب العون من هذا الشخص بقوله: ((تُدخل يَدَكَ في فَمِ التَّنِّينَ إِلَى الْمِرْفَقِ خَيْرٌ لَكَ من طلب الحوائج إلى مَن لَم يَكُن لَه فَكانَ))(29)، فهذا الوصف كنايةٌ عن رسوخ البخل والتقتير في نفوس بعض الناس.

كما أن التعاليم الإسلامية قبحت هذه الخصلة الرديئة، لأن البخيل - في الحقيقة - يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره، حيث يمتنع من إنفاق بعض أمواله لقضاء حوائجه، ولا ينتفع منها، ليتمتع بها الآخرون بعد موته وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى هذه الحقيقة بقوله: ((البَخيلُ يَبخلُ عَلَى نَفْسِهِ بِاليَسِيرِ مِن دُنْيَاهُ، وَيَسْمَحُ لَوِرّاثِهِ بِكُلِّها))(30)، وعنه (عليه السلام): ((البَخيل خازِنٌ لِوَرَثَتِهِ))(31).

والثريّ البخيل يعيش في الدنيا حياة الفقراء، ويعاني كما يُعانون! بينما يُحشر يوم القيامة في زمرة الأثرياء ويُحاسب حسابهم! قال الإمام علي (عليه السلام): ((عَجِبتُ للبَخِيلِ الَّذِي اسْتَعْجَلَ الفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وفاتَهُ الغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ، يَعِيشُ فِي الدُّنيا عَيشَ الفُقَراء، ويُحاسَبُ في الآخرة حساب الأغنياء!))(32).

وهو أشر الناس حسب وصف الإمام الصادق (عليه السلام): ((شرارُكُم بُخَلاؤُكُم))(33)، وبالتالي، فهو محرومٌ من جنان الخلد، الأمر الذي أكد عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((حُرِّمت الجنَّةُ عَلَى المنّان، والبخيل، والقتّات))(34)، وبالطبع، فإنّ عاقبته النار، طبقا لما روي عن النبي المُختار (صلى الله عليه وآله) حيث قال: ((السخيّ قريب من الله تعالى، وقريب من الناس، وقريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار))(35).

ضرورة البعد عن الإفراط في التجمُّل

أجازت الشريعة للناس استثمار نِعَم الله تعالى بطريقةٍ معقولةٍ، حسب الضوابط والشروط التي حدّدتها لهم، كمشروعيّة مصادر الدخل، واجتناب الإسراف والتبذير، وأداء حقوق الآخرين، والله تعالى ذكر بعض نِعَمه، وحفّز الناس للانتفاع منها، ودعا إلى شكره عليها، كما جاء في قوله: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15]، وقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11].

كما أن كثيراً من الروايات الشريفة قد أكدت بدورها على ضرورة شكر نعم الله، والاعتراف بها، وذمت إنكارها، والتظاهر بالفقر والحرمان. فلو أنعم الله تعالى على إنسان نعمة وجب عليه الاعتراف بها، وعدم التظاهر أمام الناس بأنه محروم. وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الجَمالَ وَالتَّجَمُلَ، وَيُبْغِضُ البُؤسَ والتَّبَاؤسَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ بِنِعْمَةٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى عَلَيْهِ أَثَرَهَا))(36).

وتوصي تعاليمنا الدينية باستثمار النعمة، والترفيه عن النفس، والتجمل وفق القواعد والأصول، فإنها في الوقت نفسه تنهى عن حياة البذخ، والإفراط في التجمل، واتخاذه هدفًا في الحياة، إذ أن التجمل المفرط ذو عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع.

الآثار السلبية لحياة المترفين المتجملين

نشير في ما يلي إلى بعض الجوانب السيئة من حياة الترف والتجمل المفرط:

- الغفلة عن ذكر الله تعالى: لو انتهج الإنسان أسلوب التجمل المفرط في حياته، فسوف يقع في شباك المظاهر الدنيوية البراقة، ويغفل عن ذكر الله عَزَّتْ آلأؤه، بحيث يطغى ويتمرّد بدلَ أن يستثمر النعمة بعقل وتدبير، ويشكر خالقه عليها. قال سبحانه في كتابه المجيد: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7]، وقال تعالى أيضًا: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} [الإسراء: 83].

ـ ابتلاء الإنسان بالفخر والتكبر: لا شك في أن أحد أهم أسباب التفاخر على الآخرين والتكبر عليهم، هو: تَرَف الإنسان وإفراطه في زينته وتجمّله والقرآن الكريم بدوره ذمّ هذه الأخلاق السيّئة ذما شديدا، حيث قال تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 23]، وقال أيضا {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37].

وذمّت الروايات – كذلك - تسخير النِّعَم لأهداف منهيٍّ عنها، كالتكبر، والتبختر، والفساد، حيث قال الإمام علي (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أَنْ يَكُونَ شِرَاكُ نَعلِهِ أَجوَدَ مِن شِرَاكِ نَعلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تحتها))(37)، والمقصود تحت عنوان التكبّر والتبختر.

وحذّرت الأحاديث النبويّة الشريفة بدورها من التكبر على الآخرين، لما يكمن في هذا الأمر من سوءٍ وقبحٍ لا يقبله الشرع، ولا العرف وإن كان في أبسط الأمور، كشراك النعل مثلاً. فهذا الخُلق الذميم مرفوضٌ بأي شكلٍ كان، وفي جميع مجالات الحياة، في الملبس والمسكن، ووسائل الزينة، وما إلى ذلك. وربما يكون السبب في دعاء أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لأنفسهم ولأتباعهم، بأن يرزقهم الله ما فيه كفاية لمَعِيشَتهم فحسب، هو حفظ أنفسهم من الغفلة، ومن الوقوع بشباك حبّ الدنيا، وبالتالي النجاة من الابتلاء بالتكبر. فقد كانوا يحضّون المؤمنين على عدم جمع ثروات طائلة، والاكتفاء بما يسد حاجتهم، ويكفي أهلهم من رزقٍ(38).

- عدم الاعتناء بالطبقة المحرومة من المجتمع: إن الإفراط في التجمّل يجعل الإنسان غافلاً عن بني جلدته، ولا سيّما الطبقة المحرومة. فحياة البذخ من قِبَل البعض، وعدم اكتراثهم بحقوق الآخرين من أهم أسباب رواج الفقر في المجتمع الأمر الذي أشار إليه الإمام علي (عليه السلام) حين قال: ((إِنَّ اللهَ سُبحانه فَرَضَ فِي أَمْوالِ الأَغنِياءِ أَقْوَاتَ الفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مَنَعَ غَنِيٌّ، واللهُ تَعَالَى جَدُّهُ سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ))(39).

وتطرق (عليه السلام) إلى هذا الأمر في مناسبة أخرى بتفصيل أكثر، في قوله: ((إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الأَغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فُقَراءَهُم، وَإِن جَاعُوا وَعَرُوا وَجَهَدُوا، فَبِمَنِعِ الْأَغْنِياءِ، وَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُحاسِبَهُم يَومَ القِيامَةِ وَيُعَذِّبَهُم عَلَيْهِ))(40).

فحقوق الفقراء في أموال الأثرياء غير مقصورة في جانب واحد، بل هي ثابتةٌ في عدة جوانب، كالزكاة، والخمس. ولو امتثل هؤلاء الأثرياء لحكم الشرع، وأدَّوا ما في ذمتهم من حقوق، لما ساد الفقر في المجتمع، ولعاش الناس حياة الكفاف والغنى، وقد أشار الإمام الصادق (عليه السلام) إلى هذه الحقيقة، عندما قال: ((إِنَّمَا وُضِعَتْ الزَّكاةُ، اختبارًا للأغنياء، وَمَعُونَةً للفقراء، وَلَو أَنَّ النَّاسَ أَدُوا زَكَاةَ أَموالهم ما بَقِيَ مُسْلِمٌ فَقِيرًا مُحتاجًا، ولاستغنى بما فَرَضَ اللهُ لَهُ، وَإِنَّ النَّاسَ مَا افْتَقَرُوا وَلَا احتاجوا وَلا جَاعُوا وَلَا عَرُوا، إِلَّا بِذُنُوبِ الْأَغْنِياءِ))(41).

ث. وجوب مراعاة الاعتدال

إن الحد المعقول من استثمار نعم الله تعالى والمقرر حسب تعاليم ديننا الحنيف هو ما كان مطابقا للاعتدال والوسطية.

فالإنفاق المعتدل، يعني: خلوّه من الإسراف والتَّقتير في آنٍ واحد، وقد عبرت عنه الأحاديث بـ (القصد) أو (الاقتصاد). والإمام السجاد (عليه السلام) يطلب من الله تعالى أن يكرمه بهذه النعمة فيدعوه قائلاً: ((وَاحجُبنِي عَن السّرفِ وَالازدِيادِ، وَقَوّمَنِي بالبَذلِ والاقتصاد))(42).

والاعتدال في استهلاك النِعمة هو أسلوبٌ يكون البذل فيه متنوّعا، ويتمكّن الإنسان من خلاله من تلبية حوائجه، كما أنه يؤدي إلى نظم أمور مَعِيشَتَه. رُوي أنّ أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) سأله، فقال: إنّا نكون في طريق مكّة فنريد الإحرام، فلا يكون معنا نخالةٌ نتدلّك بها من النورة، فندلّك بالدقيق، فيدخلني من ذلك ما الله به أعلم. قال (عليه السلام): ((مخافة الإسراف؟)). قلت: نعم.

قال (عليه السلام): ((لَيسَ في ما أصلَحَ البَدَنَ إسرافٌ. أنا رُبَّما أمرتُ بالنّقي فيلت بالزَّيتِ فَأَتَدلَّكُ بِهِ، إنما الإسرافُ في ما أتلَفَ المالَ وأضَرَّ بالبَدنِ)).

قلت: فما الإقتار؟ قال (عليه السلام): ((أكلُ الخبزِ والملحِ، وأنتَ تَقدِرُ عَلَى غَيْرِهِ)).

قلت: فالقصد؟ قال (عليه السلام): ((الخبزُ، واللحمُ، واللبَنُ، والزَّيتُ، والسَّمنُ، مَرَّةً ذا، ومَرَّةً ذا))(43).

القَصدُ يذهب بالإسراف والتَّقتير

كما أن هناك حدوداً خاصةً لكسب المال، فإن بعض الروايات ذكرت هذه الحدود في تصرّف الإنسان بأمواله الخاصّة، إذ حسب قواعد الملكية الخاصة، فإن الإنسان غير مخوّلٍ بأن يتصرف بأمواله من دون ضابطةٍ، وكيفما يشاء، بل هناك حدودٌ وشروطٌ في ذلك تقيّده، بالاعتدال، وعدم الإسراف. لذلك، لا يجوز لمالك المال أن يسرف في إنفاقه، ويتجاوز الحدّ عمّا تتطلبه معيشته. فالإنفاق من أسمى أنواع التصرف في الأموال الخاصة، ولكن هذا التصرف لا بد أن يكون محدوداً ومشروطاً، بالاعتدال والوسطية، فلا الإسراف محمودٌ، ولا التقتير، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((ثلاث مُنْجِياتٌ، ... فَذَكَرَ الثَّالِثُ: ((الْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ))(44).

لذا، فإن كيفية توفير مصاريف الأسرة يجب أن تكون متوازنة بين عدم الإسراف وعدم التقتير في آن واحد، فالمال يكون سببًا، لنظم أمور الفرد والمجتمع، عندما لا يكون مصدرا للإفراط والتفريط، لأنه، إن أنفق بإفراط أو حُفِظَ بتفريطٍ، يصير آلةً تقضي على الفرد والمجتمع معًا، حيث أكد الإمام علي (عليه السلام) على ذلك حينما قال: ((لَنْ يَهْلِكَ مَن اقتَصَدَ))(45)، وكذلك قال (عليه السلام)): ((من لم يُحسن الاقتصاد أهلكَهُ الإسراف))(46).

ومن المؤكد أن الأسلوب الصحيح في الإنفاق له فوائد جمّةٌ، منها: رقيّ الفرد والمجتمع اقتصاديا، ورفاهيّة جميع أبناء المجتمع، وارتفاع كفاءة الفرد والمجتمع، بالإضافة إلى دوام النّعمة. وهناك كثير من الحِكم والأحاديث في هذا المضمار، تذكر منها ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((الاقْتِصَادُ يُنْمِي الْيَسِيرَ))(47) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((الاقتصاد نصف المَؤُنَة))(48)، وقال (عليه السلام) أيضا: ((القَصدُ مَثراةٌ))(49).

وروي عن إمامنا الكاظم (عليه السلام): ((مَنِ اقْتَصَدَ وَقَنَعَ، بَقِيَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ، وَمَن بَذَّرَ وَأَسْرَفَ، زالَت عَنْهُ النِّعْمَةُ))(50).

في رحاب الإنفاق الصحيح سيتسنى لمعظم الناس الاستفادة من الثروات وجميع الإمكانيات المتاحة لقضاء حوائجهم، وبالتالي سينجو المجتمع من مهلكة الفقر، قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((ضَمِنْتُ لِمَنِ اقْتَصَدَ أَنْ لَا يَفْتَقِرَ))(51).

ج . ساحة القناعة

((القناعة بالفتح: الرِّضا بالقِسمِ))(52). قال ابن فارس: ((قنع قناعة: إذا رضي، وسُمّيت قناعة لأنّه يُقبل على الشيء الذي له راضيا))(53).

و ((القناعة ضدّ الحرص، وهي ملكةٌ للنفس تُوجِب الاكتفاء بقدر الحاجة والضرورة من المال من دون سعي وتعب في طلب الزائد عنه، وهي صفةٌ فاضلةٌ يتوقف عليها كَسب سائر الفضائل، وعدمها يؤدّي بالعبد إلى مساوئ الأخلاق والرذائل))(54).

وسُئل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قول الله سبحانه: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}، فقال: ((هي القناعة))(55)، وروى الطبري في تفسيره عنه (عليه السلام): {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}. قال: ((القنوع))(56) وللقناعة نتائج حميدة أشار إليها الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في أحاديثهم، نذكر منها ما روي عن الإمام علي (عليه السلام)): ((إذا طَلَبت الغِنَى، فاطلبهُ بالقَناعةِ))(57).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): ((الغِنَى فِي القَناعَةِ، وَهُم يَطلُبُونَهُ في كثرة المالِ فَلَا يَجِدُونَهُ))(58).

وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: ((مَن رَضِيَ عَنِ اللهِ تعالى بالقليل من الرِّزْقِ، رَضِيَ اللهُ مِنْهُ بِالقَلِيلِ مِن العَمَلِ))(59).

وقال (عليه السلام) أيضا: ((لا يَسلك طَرِيقَ القَناعَةِ إِلَّا رَجُلانِ: إِمَّا مُتعبدٌ يُريدُ أجر الآخرة أو كَرِيمٌ يَتَنَزَّهُ مِن لِئامِ النَّاسِ))(60).

إذًا، لا حيلة للإنسان سوى أن يتخذ القناعة منهجا في معيشته، وإلا ستلتهمه نيران الحرص وتقضي عليه. وقد شكا رجل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) أنه يطلب فيُصيب ولا يقنع، وتُنازعهُ نفسه إلى ما هو أكثر منه، وقال له: علّمني شيئًا أنتفع به، فقال (عليه السلام) له: ((إن كان ما يكفيك يُغنيكَ، فَأَدنى ما فيها يُغنيك، وإن كان ما يكفيكَ لا يُغنِيكَ، فَكُلُّ ما فيها لا يُغْنِيكَ))(61).

وسبيل كَسب القناعة والرضا بالنصيب، أوضحه لنا الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: ((انظر إلى مَن هُو دونك في المقدرة، ولا تنظر إلى مَن هو فوقك في المقدرةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْنَع لَكَ بِمَا قُسِمَ لك))(62).

ح . الإنفاق في المعروف ومساعدة الفقراء

من المفروض على كل مسلم أن يُبرمج حياته الفرديّة والاجتماعيّة طبق أصول دينه ومبادئه، ويؤدّي أعماله وفق ذلك.

كما أن الله تعالى منح الإنسانَ الحقَّ ببذل أمواله في ما يحتاج إليه، واستثمار نِعم الطبيعة، ففي الوقت ذاته كلفه بواجبات في هذا المضمار، وألزمه بأداء حقوق الآخرين، كالخمس والزكاة، والحق المعلوم. والإذعان لهذا التكليف ـ بالتأكيد - من شأنه تقليص مستوى الفقر في المجتمع، ومعلوم أن للفقراء والمساكين مكانةٌ هامّةٌ في المنهج الصحيح لبذل الأموال حسب التعاليم الإسلامية.

وطبق الاصطلاح الديني، فإن الفقير هو الذي لا يملك الكفاف في مَعِيشَتَه، والفقراء في المجتمع على قسمين، هما:

ـ الذين لا يتمكّنون من استيفاء حقوقهم في المجتمع، مهما بذلوا من جهود، بسبب عجزهم عن العمل، كالمعاقين والطاعنين في السن، والأطفال القُصّر، والمرضى.

ـ الذين يتمكّنون من العَمَل، لكن دخلهم لا يضاهي حاجتهم المادية، ولا يتمكنون من بلوغ درجة الكفاف.

حيث إن لهاتين الفئتين حقا في أموال الأثرياء وبيت المال، الأمر الذي أكد عليه القرآن الكريم وكثير من الأحاديث الشريفة، وقد مدح الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بقوله: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، وهذه الآية تبين - خاصة – ((سيرة المتقين مع الناس، وهي: إيتاء السائل والمحروم، وتخصيص حق السائل والمحروم بأنه في أموالهم ـ مع أنه لو ثبت، فإنما يثبت في كل مال ـ دليلٌ على أن المراد أنهم يرون بصفاء فِطرَتهم أن في أموالهم حقا، فيعملون بما يعملون، نشرا للرحمة، وإيثارا للحسنة))(63).

استفادة الفقراء من الأغنياء

روي عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: ((إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوالِ الْأَغْنِياءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاءَ فَقِيرٌ، إِلَّا بِمَا مَنَعَ غَنِيٌّ، واللهُ تَعَالَى جَدُّهُ سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِك))(64)، وهذا الحديث من جملة أحاديث وروايات شريفة تثبت أنّ الله عَزَّتْ آلأؤُه فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضةً تسدّ حاجتهم. ويمكن استيفاء حقوق الفقراء من أموال الأغنياء بعدّة طرقٍ، منها:

- الخُمس: قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41].

- الزكاة: قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } [التوبة: 60].

- الحقّ المعلوم: قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25].

وقد سأل رجلٌ الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن معنى (الحق المعلوم) في هذه الآية، فقال (عليه السلام): ((الحقُّ المعلومُ. الشيء يُخرجهُ الرَّجُلُ مِن مالِهِ لَيسَ مِن الزَّكَاةِ، وَلَا مِن الصَّدَقَةِ المفروضتين)).

فقال الرجل: فإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة، فما هو؟ فقال الإمام (عليه السلام): ((هو الشَّيْءُ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ مِن مَالِهِ، إِنْ شاء أكثر، وإِنْ شَاءَ أَقَلَّ عَلَى قَدرِ مَا يَمَلكُ)).

فقال له الرجل: فما يصنع به؟ قال (عليه السلام): ((يصل بِهِ رَحِمًا، وَيَقْرِي بِهِ ضَيْفًا، ويحملُ بِهِ كَلَّا، أو يَصِلُ بِهِ أَخَا لَهُ فِي اللهِ، أو لنائبة تَنُوبُه)). فقال الرجل: الله يعلم حيث يجعل رسالاته(65).

فالحق المعلوم: هو المال الزائد على الخمس والزكاة، إذ يجب على صاحب المال أن يساعد الفقراء بحسب استطاعته.

وختامًا، هناك ملاحظة تجدر الإشارة إليها في هذا الإطار، وهي أن حق الفقراء في أموال الأغنياء لا يسوغ لهم انتزاعه بأنفسهم، لأن هذا الأمر يؤدي إلى اضطرابات وأعمال شغب، لذا فإن المسؤول عن تحصيل هذا المال وتقسيمه بين الفقراء، إما أصحاب الأموال أنفسهم، أو الولي الفقيه الذي يتولى مقاليد الحكم.

3. النزعة الاستهلاكية المفرطة

إن الهدف الأساس للمذهبين الاقتصاديين: الرأسمالي والاشتراكي، محدودٌ في إشباع رغبات الإنسان المادية، وتلبية شهواته، وليست لهما أهدافٌ أخرى تُذكَر. بينما جعل الإسلام هدفه الاقتصادي الأسمى:

استثمارَ النِّعم والخدمات المتاحة، بطريقةٍ مُثلى، لكي ينعم الإنسان بسلامة النَّفس والجسم معا، وذلك عبر الامتثال لأوامر الله تعالى عندها سينعم - أيضا - برضا ربه ويتقرب إليه. وبالطبع، فإن الإعراض عن هذا الهدف، وعدم أخذه بعين الاعتبار من قبل البعض، ناشئ من جهلهم بحقيقة الحياة، وحرصهم الشديد على الدنيا. فهذا الحرص يسلبهم فرصة استثمار ما هو ميسّرٌ لهم من خدماتٍ وأموالٍ بشكل مطلوب. لذا، ذمّت تعاليمنا الدينية استهلاك الإمكانيات المادية المتاحة، رياءً، وبهدف التباهي والتفاخر على الآخرين، ومنافستهم منافسة غير مشروعة، وما إلى ذلك من نوايا رذيلة، واعتبرتها دوافع سلبية لا تتناسب وشأن الإنسان الصالح، وتبدو هذه الحقيقة جلية لنا في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((مَن لَبِسَ ثوبًا فَاحْتَالَ فِيهِ، خَسَفَ اللَّهُ بِهِ مِن شَفِيرِ جَهَنَّمَ، وَكَانَ قَرِينَ قارون))(66).

إن قيمة الإنسان في المجتمع الإسلامي لا تُقاس بقدرته الاستهلاكية، فليس من الصحيح أن تكون فضيلة الإنسان بين أبناء جلدته منوطة بمقدار إنفاقه الأموال، أي: إذا زاد استهلاكه المادي، علا مقامه!

لذلك، كلّما ترسخت القيَم والمبادئ الدينية في المجتمع فإِنَّ الرغبات الذميمة في الاستهلاك بين أبنائه تنحسر شيئًا فشيئا، وتصل إلى أدنى درجةٍ لها. ويجدر بالمسلمين أن يعيروا هذه المسأله الحساسة أهمية بالغة، كي يصونوا أنفسهم من عواقبها الوخيمة.

ومن أجل تسليط الضوء على هذا الموضوع الهام، يجب تقسيمه إلى أربعة أبواب، وفق التالي: أسباب شيوع النزعة الاستهلاكية المفرطة، والعواقب الوخيمة للنزعة الاستهلاكية المفرطة، والمعيار الأنسب في الاستهلاك، وكيفية التصدي للنزعة الاستهلاكية المفرطة.

أ. من أسباب النزعة الاستهلاكية

لا يختلف اثنان في أن الهدف الأساس من الاستهلاك هو توفير الظروف الملائمة للإنسان، ومنحه الطاقة اللازمة، كي تستمر عجلة حياته بالدوران فهو يهيئ جانبا من متطلباته عن طريق استهلاك السلع، وتسخير بعض الخدمات، وهذا الأمر بذاته ليس اعتباطيا، بل إن له ضوابط ومعايير خاصة لو راعاها كل شخص، فسوف ينعكس تأثيرها على المجتمع برمته.

فالمجتمعات التي تبلغ أعلى درجات الرقي هي التي يسودها نظام استهلاكي يطابق القواعد والمعايير التي لا تتعارض مع حكم العقل والمنطق، أي أن هناك تناسقا بين الإمكانيات المتوافرة فيها ومتطلبات أبنائها، مثل: تشجيع الإنتاج المحلي، وتقليص حجم البضائع المستوردة.

فالحياة التي تشوبها النزعة الاستهلاكية المُفرِطَة لوسائل الترفيه وسائر الخدمات، هي حياةٌ مشوبةٌ بالمخاطر، ولا تبشّر بخير، ولن تعمّها السعادة. فعدم ترشيد الاستهلاك، وإهمال الجانب الإنتاجي في المجتمع، لهما أسبابٌ عديدةٌ، منها ما يلي:

1. حُبّ التنافس

بعض أبناء الطبقة المتوسطة والمحرومة في المجتمع يقعون في فخّ تنافسٍ غير متكافئ مع الطبقة المرفّهة، بسبب انبهارهم بحياة البذخ والترف لهذه الطبقة، إذ أنّهم يتأثرون بأوهام لا قيمة لها. فهم يعتقدون أن الاستهلاك المفرِط شأنُ اجتماعيٌ راقٍ، لذلك يسخّرون مواردهم الاقتصادية حسب معايير وهمية، ويتناسون واقع حياتهم، فيتورطون في مصاعب لا تُحمد عقباها.

والتنافس في الاستهلاك غير محدود بفئة معينة أو موضوع ما، بل له أمثلة عديدة كالتنافس مع الأقارب والجيران والأصدقاء. فعلى سبيل المثال: قد يشتري الإنسان ثوبا هو في غنى عنه أو باهظ الثمن بالنسبة له، أو يتناول طعاما لا يرغب فيه أو لا يتناسب ودخله المحدود والأمثلة من هذا القبيل كثيرة لا حصر لها، أبرزها اليوم: التجملات الزائفة في حفلات الزواج وسائر المناسبات العائلية في الأحزان والمسرات، إذ تتجلى فيها مظاهر الإسراف والتبذير، والتجمل، وحياة البذخ الذميمة بوضوح. فهذا البذخ قد يجعل حياة البعض رهن القروض والديون المُنهِكَة، وأحيانًا يشل اقتصاد الأسرة بالكامل. إذ أن حمى التنافس المفرط في الاستهلاك، من شأنها أن تغير مسار حياة البعض، لدرجة أنّهم يقلّصون من إنفاقهم الضروري لمَعِيشَتَهم، ويدّخرونه لمثل مناسباتٍ كهذه!  

ومن ناحية أخرى: إن حبّ التنافس في الاستهلاك المُفرط يتنافى مع مبادئ الأخلاق الحميدة، ويشكل سببا لرواج الفساد في المجتمع، ناهيك عن عواقبه الاقتصادية السيئة. ولذلك، ردعت تعاليمنا الدينية عن كل هذه الأفعال، وأكدت على وجوب التصدي لها بشتّى السُبل.

ويجب التمييز بين التنافس السيئ وبين التنافس المحمود، الذي يتجلى في السبق إلى عمل الخير، وكَسب رضا الإله. وبالتأكيد، فإنّ الروايات الشريفة نهت عن التنافس الذميم، وحذّرت منه، وجاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((لا تَكُنْ مِمَّن يُنَافِسُ فِيما يَفْنَى، وَيُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى(67).

2. حب الأثرياء لحياة البذخ

أحد أهم أسباب النزعة الاستهلاكية المُفرِطة لدى البشر يكمن في حب العيش برفاهية وبذخ من قبل أثرياء المجتمع. فهؤلاء يستهلكون إمكانيات مادية ضخمة أكثر مما تتطلبه معيشتهم بأضعاف مضاعفة بسبب أنانيتهم، وطلبا لإشباع شهواتهم ورغباتهم المُفرِطة، إذ أن الاستهلاك المفرط - باعتقادهم - يُعدّ من القيَم النبيلة! فيتنافسون في ما بينهم، فخرا، وزهوا، بغير حق.

وهؤلاء الأثرياء لا يعيرون أهمية لأبناء جلدتهم، وهمهم الوحيد هو المصالح المادية فقط، بينما حوائج الفقراء والمحرومين من المأكل والملبس، والعلاج ليست لها أي أهمية لديهم، بل إنهم يقتنون السلع الفاخرة حتى لو استوجب الأمر استيرادها من خارج البلاد بأثمان باهظة.

3. الآفات الثقافيّة

إن الانحراف الثقافي هو سببٌ آخر في رسوخ النزعة الاستهلاكية المُفرِطَة لدى البعض، وهو ناشئ من شيوع ثقافة تقليد الغير التي تتنافى مع حكم العقل، فشعوب بعض بلدان العالم الثالث ترجّح اقتناء البضائع المستوردة، وتُعرِض عن البضائع المحليّة، إثر سيطرة الثقافة الغربية الذميمة عليها. والأمور التي تساعد على ترويج هذه الثقافة بين الشعوب كثيرة، منها: الدعايات والإعلانات التجارية، والسياسة الخاطئة لبعض المنتجين المحليين، بسبب انحسار هدفهم في الربح، وإنتاج سلع محلية غير مرغوب فيها، كونها متدنية الكفاءة، وإنتاج سلع أجنبية مرغوب فيها، كونها عالية الكفاءة.

كما أن تدني المستوى الثقافي في المجتمع ذو تأثير على المنهج الاستهلاكي لدى الفرد والمجتمع. فالضعف الثقافي من شأنه أن يرسّخ في النفس نزعة استهلاكية مفرطة. والبرامج التربوية الخاطئة تعد من الأسباب المساعدة على شيوع هذا التوجه المنحرف. وللتدني الثقافي عواقب وخيمة تؤثر على اقتصاد البلد برمته، إذ يسوق أبناء المجتمع إلى اقتناء سلع أجنبية، وإهمال السلع المحلية الصنع، لدرجة أن بعض المنتجين المحليين يسوغون لأنفسهم الغش من خلال عرض بضائعهم في السوق بعلامات تجارية أجنبية. وللأسف الشديد، فإن هذا الانحراف الثقافي سيرسخ في أذهان الناس مبدأ أفضلية البلدان الصناعية من جميع النواحي، وليس من الناحية الاقتصادية فحسب، فيتوهمون بأفضليتها في شتى المجالات، مثل : اللغة، وتربية الأطفال، ونوع المأكل والملبس، وحتى في الآداب والأعراف، وآثار هذه الثقافة ستظهر على الأجيال القادمة بشكل سلبي، إذ ستسود بينهم روح الاتكالية على الآخرين، وستتزلزل أركان مجتمعهم أمام أي نائبة يتعرض لها، لأنهم مستهلكون فقط، ولا يفكرون إلا في تلبية رغباتهم الدنيوية.

4. النظام التعليمي

إن لكل نظام تعليمي تأثيرٌ فعّالٌ على أبناء المجتمع في أسلوب الاستهلاك، سلبيًا أو إيجابيًا. وقد أثبتت التجربة أن وصايا المعلمين وتعاليمهم التي يغذون أذهان تلامذتهم بها، لها تأثيرٌ ملموسٌ عليهم، في تقبّلهم إياها بسهولة. لذا، لو أوصى المعلم تلامذته بترشيد استهلاك القرطاسية، وعدم الإسراف في الملبس والمأكل، وسائر الخدمات المعيشية، فإن ذلك سوف لا ينعكس على تصرفاتهم وحسب، بل على المجتمع برمته فينشأ جيل مقتصد يتبع مبادئ تربوية صحيحة، لكن، لو كان الأمر بالعكس، وانتهج المعلم أسلوب البذخ، وشجع تلامذته على الاستهلاك المفرط، فسوف ينشأ جيل مسرف يثقل كاهل المجتمع.

5ـ الدعايات ووسائل الإعلام

إن وسائل الإعلام بأنواعها تلعب دورا هاما في انتهاج الإنسان سياسة صحيحة في الاستهلاك أم سياسة خاطئة، مثل: القنوات التلفزيونية، والإذاعات ووسائل التواصل، بمختلف أنواعها، والكتب، والإعلانات التجارية.

فالعديد من الناس يسلكون الطريق الخطأ، بسبب تأثرهم بالمنهج الخاطئ لبعض وسائل الإعلام ودعاياتها العارية عن الحقيقة، فيقتنون سلعا فاخرة وزينة لا هدف منها سوى التجمل المفرط وإشباع بعض الرغبات، وهناك آخرون ينتهجون المسلك الصحيح في الاستهلاك، متأثرين بالطريقة الصحيحة التي تتبعها بعض وسائل الإعلام.

إذًا، نستنتج مما ذكر أن أحد أسباب تخلف بعض المجتمعات عن عجلة التطور يعود إلى الأسلوب المفرط في الاستهلاك.

وبالطبع، فإن البلدان الصناعية هي المستفيد الوحيد من هذه الظاهرة المنحرفة. ويُعدّ الإفراط في الاستهلاك مرضا فتاكا يصيب البلدان الفقيرة، لأنه سبب لإهدار ثرواتها، وتزلزل أركان اقتصادها والحؤول دون انتعاش الاستثمار فيها(68).

ب. العواقب السيئة لشره الاستهلاك

إن الإنسان بطبعه يسعى وراء المشتهيات ولا يكتفي بما يسد حاجته منها، بل يطلب الزيادة منها، فلا يمكن إشباع رغباته مهما زاد من نطاق استهلاكه. وبعد تلبية كل رغبة، ستظهر لديه رغبة أخرى، وهذه العجلة ستستمر بالدوران على هذا المنوال.

ومن جانب آخر، فإن الإمكانيات الاقتصادية ووسائل تدعيم مصادرها من الأرض محدودة، ولا يمكنها تلبية الرغبات غير المحدودة للبشر. لذا، فإنّ هذه الرغبات المفرطة، ستؤدي إلى تأزم أوضاع الفرد النفسية، وقد تتمخض عنها وقوع أحداث شغب في المجتمع أو حتى نزاعات وإراقة دماء.

وطبق التعاليم الإسلامية، فكل إنفاق غير متعارف ويتجاوز حد الكفاف يُعد استهلاكا مفرطاً. ولهذا الإنفاق نتائج سلبية وأضرار فادحة كبيرة جدا، حيث يتسبب في إهدار الثروات والإمكانيات المتاحة، وعدم استثمار المصادر الاقتصادية بطريقة مثلى، وتحمل نفقات إضافية في المعيشة قد يصحبها أضرار فادحة، وحدوث اضطرابات ومشاكل، وتبعية اقتصادية، وتهديد سلامة الروح والجسد، وعدم التنعم بالثروة بشكل أمثل، وحرمان الإنسان من كرامة النفس وصفاء الباطن، وإشاعة التخاذل والتكاسل، وخسارة الأموال المدخرة، وما إلى ذلك من عواقب وخيمة تنهك الإنسان، وتجعل المجتمع هزيلاً غير متماسك.

فالاستهلاك المُفرط للنعمة، يُعد سببا لتنامي النفس البهيمية في الإنسان وهيمنتها عليه، ومن ثم يؤدي إلى انحطاطه في المجتمع. ولهذا السبب عدّت التعاليم الدينية المفرطين في الاستهلاك بأنهم آفات اجتماعية، لأنهم يخالفون المبادئ السليمة في الحياة، ويخلقون مشاكل جمة للمجتمع، بأسلوبهم الخاطئ في المعيشة، وميلهم المفرط نحو التجمّل(69).

ويُسلم كل ذي فكر أن من خلال الاستهلاك الأمثل للثروة، سيتسنّى تلبية جميع متطلبات المجتمع، وتوزيع الثروة بعدل وإنصاف، كما يمكن من خلاله تسخير مصادر الإنتاج لخدمة المجتمع، وبالتالي سيحظى الناس بالسعادة والاستقرار الاقتصادي، لأنهم سينعمون بحياة لا تنافس فيها ولا إفراط. فالاستهلاك المعقول يتجلى في الاعتدال والقناعة، الأمر الذي أكدت عليه النصوص الدينية، وشجعت الناس على انتهاجه.

أما المنهج المُفرط في الاستهلاك، فإنه يؤدي إلى بروز حاجاتٍ وهميّة في المجتمع، ويقع حائلاً أمام التوزيع العادل للثروة، ويؤثر سلبيا على إدارة مصادر الإنتاج، وكذلك يتسبب في التنافس المذموم، وهذه الأمور برمتها تهدد مصالح المجتمع، وتعرضه لمخاطر جمّة(70).

ت. المعيار الأنسب في الاستهلاك

إن الشريعة الإسلامية بينت لنا المعايير الصحيحة في استثمار النعمة، ووضعت منهجا قويما لاستهلاكها، كمراعاة القيَم الأصيلة واستهلاك الأموال طبق مصالح النظام الإسلامي.

والقيَم التي يجب مراعاتها هي الأصول والمعتقدات والسلوكيات التي تتناسب مع تعاليم الشريعة الإسلامية. وبالطبع، فإن القيَم لا تنحصر في أداء الواجبات وترك المحرمات، بل تشمل كل أمر حثت عليه الشريعة، أي الأعمال المستحبة. وعلى الرغم من عدم وجوب العمل بالمستحبات، ولكنُها تعد من القيم السامية، وتشمل جميع المبادئ الحقوقية، والاجتماعية والسلوكية. وقد بين لنا القرآن الكريم المعيار الصحيح في استثمار النعمة، وقوامه مراعاة الأسس التالية:

- التقوى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } [المائدة: 88].

- العَمَل الصَّالِح: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51].

- الشكر: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].

- عدم الطغيان: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81].

- أداء الحقوق واجتناب الإسْراف: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141].

- ترك الذنوب وعدم اتباع الشيطان: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168].

لقد خاطب الله تعالى خلقه بكلمة (كُلُوا) إيذانًا منه باستثمار نعمه التي أسبغها عليهم. والمراد من هذا الاستثمار أو الاستهلاك، مطلق التصرف في النعمة، وليس الأكل فقط، فالأكل هو أحد مصاديق التصرف بالنعمة. وكون مراعاة هذه التعاليم شرط في الاستهلاك، فإن ذلك لا يعني الحرمة في تركها. فعلى سبيل المثال، الآية المباركة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]: تحضّ الناس على شكر نِعم الله تعالى، ولكن استهلاك النعمة من دون شكر الله تعالى لا يُعدّ حرامًا من الناحية الفقهية، بل إن العبد يُحرز رضا الله تعالى بشكر النِعمة.

ومراعاة القيم السامية في استثمار الثروات غير مقيدة في مرحلة محددة، بل تشمل جميع المراحل، ابتداءً من الإنتاج، ومروراً بالتوزيع، وانتهاءً إلى الاستهلاك. فالإنسان مكلف بمراعاة هذه القيم الأصيلة، لكي يتسنى له تطوير واقعه الاقتصادي، والحفاظ على تماسك مجتمعه. ومن هنا، فعليه أن يبذل قصارى جهوده في هذا المضمار، وأن يترك الأنانية في برنامجه الاستهلاكي، بحيث لا يعير أهمية لمصالحه الخاصة، ويهمل المصالح العامة، لأن الشريعة الإسلامية منعت الإفراط في استثمار الثروة وإهمال المصالح العامة. فالإنسان الناجح في حياته هو من يحاول استثمار الثروة والإمكانيات المتاحة بأسلوب صحيح، حسب القيم الدينية، وكذلك، فإن المجتمع المثالي في الاستهلاك هو الذي تروج فيه هذه المبادئ الأصيلة.

ث. استهلاك الثروة وفق مصالح النظام الإسلامي

قد تقتضي المصالح الاجتماعية والسياسية للمجتمع الإسلامي – أحيانا - تحريم استهلاك السلع المستوردة من البلدان غير الإسلامية، وذلك عندما تكون العلاقات السياسية والاجتماعية بين الدولة الإسلامية وتلك البلدان سببا لبسط سيطرة هذه البلدان، واتساع رقعة نفوذهم، أو في التبعية السياسية أو الاقتصادية لهم، أو في الحط من شأن المسلمين وإضعافهم. وبالطبع، فإن جميع المسلمين مكلّفون بالدفاع عن كيانهم السياسي والاقتصادي، وحفظ استقلالهم، وهذا الدفاع يمكن أن يكون عن طريق مقاطعة استهلاك السلع المنتجة في تلك البلدان، أو من خلال عدم بيعهم منتجات السوق الإسلامي.

وفي أوضاع كهذه، يجب على ولي أمر المسلمين الحكم بحرمة المتاجرة ببضائع كهذه، كما يجب على أبناء المجتمع الإسلامي الانصياع لهذا الحكم ومقاطعة تلك البضائع كما حدث في قضية تحريم التنباك (التبغ) بعد فتوى الميرزا الشيرازي في عهد ناصر الدين شاه القاجاريّ(71).

ج . ضرورة التصدي لشره الاستهلاك المفرط

إنَّ كل متبحّرٍ في المسائل الاقتصادية يُدرك أن إمكانية ادخار ثروة في بلد ما، بغية تطويره، لها صلةٌ وثيقة بالثقافة الاستهلاكية للشعب، ومدى توفير الأموال من دخلهم. فحينما تشوب النزعة الاستهلاكية ثقافة الناس، ويصبح إنفاقهم بمستوى دخلهم أو أعلى منه، فيسدون الحاجة الزائدة عن الدخل عبر القروض فلا يتسنى لهم توفير المال مطلقا. لكن، حينما تكون ثقافتهم مقتصدة، ويدخرون ما زاد عن حاجتهم، فسوف تدور عجلة التطور في المجتمع، ويتسع نطاق الاستثمار فيه، وفي الوقت نفسه سوف ينحسر نطاق الإسراف والتبذير.

لذا، فالمجتمعات الإسلامية بحاجة ماسة إلى أنموذج أمثل في الاستهلاك، ومن الواضح أن ترويج الثقافة الصحيحة في الاستهلاك بحاجة إلى تعليم مستمر، لكي يترسخ مبدأ القناعة بين الناس بصفته أصلاً دينيا، وفي الوقت نفسه يستأصل مبدأ الإفراط في الاستهلاك. ونتيجة لذلك، سوف تنصب جُلّ جهود أبناء المجتمع في توسيع نطاق الإنتاج، وسيسخرون طاقاتهم لمصلحة مجتمعهم من خلال الانصياع لتعاليم دينهم.

ولو دقّقنا في أوضاع البلدان المتطورة، سنلاحظ أنه رغم امتلاكها ثروات طائلة وقدرة عظيمة، فإنها تحارب الإسراف في مجتمعاتها على كافة الأصعدة، مثل: الكهرباء، والماء، والغذاء، والوقود، كما تشوّق شعوبها لأن يكونوا مقتصدين وقانعين، لدرجة أنهم يعتبرون إسراف الوافدين إلى بلدانهم إهانةً لهم، ولولا هذه الخصال المنافية للإسراف، لما تمكنوا من تطوير بلدانهم، والتربع على سلم الرقي الاقتصادي في العالم. وبفضل مراعاة الثقافة الاستهلاكية الصحيحة تمكنوا من بلوغ هذه المكانة(72).

ومن البديهي أن يكون ترويج فكرة ما أو نشر ثقافة معينة في أي مجتمع عملٌ يقع على عاتق المسؤولين في البلاد. وأما الحكومة، فيجدر بها أن تتخذ إجراءات وتدابير منسجمة مع المعايير الدينية، بغية تربية الأجيال الجديدة في مدارسهم، وفي أحضان أسرهم تربية صالحة، لتترسخ في أذهانهم ثقافة استهلاكية صحيحة يميزوا من خلالها أضرار الاستهلاك المفرط وفوائد الاستهلاك المقتصد، وذلك من خلال الحد من رغباتهم، والتقليل من طلباتهم. وبالتالي سوف يلعبون دورا هاما في تحسين أوضاعهم المعيشية وأوضاع مجتمعهم مستقبلاً.

_____________________________

(1) محمدي، حميد رضا ملك، على هاوية النزعة الاستهلاكية، ص 20.

(2) فن التدبير في المعيشة رؤية قرآنية روائية، مركز المعارف للتأليف والتحقيق، ص 114.

(3) الأصفهاني، الراغب، المفردات في غريب القرآن، مادة (سرف).

(4) الشيخ الكليني، الكافي، ج 4، ص52.

(5) معزيّ، حسين مير، نظام الإسلام الاقتصادي، ج 2، ص 102.

(6) مطهري، الشيخ مرتضى، إطلالة على النظام الاقتصادي في الإسلام، ص55ــ56.

(7) الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 11، ص 309.

(8) الكليني، الكافي، ج 4، ص 55.

(9) م.ن، ج 4، ص 52.

(10) فن التدبير في المعيشة رؤية قرآنيّة روائية، مركز المعارف للتأليف والتحقيق، ص 119.

(11) الشيخ الكليني، الكافي، ج 5، ص 65.

(12) العاملي، الحُر، وسائل الشيعة، ج 5، ص 19.

(13) الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص 98.

(14) الأصفهاني، الراغب، المفردات في غريب القرآن، مادة ((بذر)).

(15) الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 8، ص 452.

(16) فن التدبير في المعيشة رؤية قرآنية روائية، مركز المعارف للتأليف والتحقيق، ص 122.

(17) الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 8، ص 453 .

(18) أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج 2، ص 221، ط: دار صادر، بیروت.

(19) الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 164.

(20) م. ن، ج 4، ص52ــ54.

(21) المبادئ العامة للاقتصاد الإسلامي، ج 1، ص 266-267.

(22) الرضي، الشريف، نهج البلاغة، ص 183، ومن كلام له (عليه السلام) لما عوتب على النسوية في العطاء.

(23) الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 8، ص 459.

(24) المجلسي، بحار الأنوار، ج 72، ص302.

(25) الكليني، الكافي، ج 4، ص 53.

(26) فن التدبير في المعيشة رؤية قرآنيّة روائية، مركز المعارف للتأليف والتحقيق، ص 129.

(27) الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 11، ص 430.

(28) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 15، ص 306-307.

(29) الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج 6، ص 329.

(30) الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 56.

(31) الآمدي، غرر الحكم ودور الكلم، ص 34.

(32) الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص 491.

(33) الشيخ الكليني، الكافي، ج 4، ص 41.

(34) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 17.

(35) الطبرسي، أبو الفضل علي، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 409.

(36) الطوسي، الأمالي، ص 275.

(37) السيد ابن طاووس، سعد السعود، ص 88.

(38) الإمام السجاد علي بن الحسين (عليه السلام)، الصحيفة السجادية، ص 138.

(39) الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 153، والآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، ص 234.

(40) المتقي الهندي، كنز العمال، ج 6، ص 528، حديث (16840).

(41) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 7.

(42) الصحيفة السجادية، من دعائه (عليه السلام) في المعونة على قضاء الدين، الدعاء(30).

(43) الشيخ الكليني، الكافي، ج 4، ص 53-54.

(44) يعني في كل بحسبه، فإن القصد يختلف باختلاف مراتب الغنى والفقر، والحديث رواه الشيخ الكليني في الكافي، ج 3، ص 53.

(45) الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول، ص 85.

(46) الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 445.

(47) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 391.

(48) الآمدي، غرر الحكم، ص 38.

(49) الشيخ الكليني، الكافي، ج 4، ص 52.

(50) الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول، ص 403.

(51) الشيخ الكليني، الكافي، ج 3، ص 53.

(52) ابن منظور، لسان العرب، ج 8، ص 298، مادة (قنع).

(53) زكريا، أحمد بن فارس، مقاييس اللغة، ج 5، ص 23، مادة (قنع).

(54) النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، ج 2، ص 101.

(55) المدائني، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 19، ص 55.

(56) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، ج 17، ص290.

(57) الآمدي، غرر الحكم ودور الكلم، ص 285.

(58) الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص 230.

(59) الحلواني، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 128.

(60) الكليني، الكافي، ج 2، ص 139.

(62) الكليني، الكافي، ج 8، ص 244.

(63) السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 18، ص 369.

(64) الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، ص 234.

(65) الكليني، الكافي، ج 3، ص 500.

(66) الشيخ الصدوق، الأمالي، ص 428.

(67) الرضي، الشريف، نهج البلاغة، ص 498، الحكمة (150).

(68) لمزيد من الاطلاع، انظر: الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية، ج 2، ص212-224.

(69) رضا، محمد الحكيمي، علي رضا، الحياة، ج 3، ص 102-103.

(70) الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية، ج 2، ص 210، 225-232.

(71) فن التدبير في المعيشة رؤية قرآنية روائية، مركز المعارف للتأليف والتحقيق، ص 160.

(72) الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية، ج 1، ص 241. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد