[مما ذكر في تعريف العبادة انها] : «الخضوع أمام من يعتقد بأنه يملك شأنا من شئون وجود العابد وحياته وآجله وعاجله».
توضيح ذلك : إنّ العبودية من شئون المملوكية ومقتضياتها ، فعند ما يحسّ العابد في نفسه بنوع من المملوكية ، ويحسّ بالمالكية في الطرف الآخر ، يفرغ إحساسه هذا ، في الخارج ، في ألفاظ وأعمال خاصة ، وتصير الألفاظ والأعمال تجسيدا لهذا الإحساس ، ويكون كل عمل أو لفظ مظهر لهذا الإحساس العميق ، عبادة.
ولا شك أن ليس المقصود بالمالكية ، مطلق المالكية ، فالاعتقاد بالمالكية القانونية والاعتبارية لا يكون أبدا موجبا لصيرورة الخضوع عبادة. والبشر في عصور «العبوديات الفردية» بالأمس ، و «العبودية الجماعية» في الحاضر ، لا يعدون امتثالهم لأوامر أسيادهم عبادة. وإنما المقصود من المملوكية هنا ، القائمة على أساس الخلق والتكوين والتسلّط على شأن من شئون التكوين.
فالمالكيات الحقيقية لها مناشئ مختلفة وهاك بيانها:
1 ـ قد يوصف بالمالكية لكونه خالقا ، ومن هنا يكون الله سبحانه مالكا حقيقيا للبشر لأنه خالقه وموجده من العدم. ولهذا نجد القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات الشاعرة عبيدا لله ، ويصفهم تعالى بأنه مالكهم الحقيقي وذلك لأنه خلقهم ، إذ يقول سبحانه : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) (1).
ولأجل ذلك أيضا نجده سبحانه يأمرهم بعبادة نفسه معللا بأنه هو ربّهم الذي خلقهم دون سواه ، إذ يقول : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (2) ويقول جل شأنه : (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) (3).
2 ـ ويوصف بالمالكية لكونه رازقا ومحييا ومميتا ، ولذلك يحس كل إنسان سليم الفطرة بمملوكيته لله تعالى ، لأنّه سبحانه مالك حياته ومماته ورزقه. ومن هنا يلفت القرآن نظر البشر إلى مالكية الله تعالى لرزق الإنسان وأنه تعالى هو الذي يميته وهو الذي يحييه ، ليلفته من خلال ذلك إلى أنّ الله هو الذي يستحق العبادة فحسب ، إذ يقول عزّ من قائل: (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) (4). ويقول سبحانه : (هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ) (5) ويقول تعالى : (هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ)(6).
3 ـ ويوصف بها لكون الشفاعة والمغفرة بيده ، وحيث إنّ الله تعالى هو المالك للشفاعة المطلقة لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) (7) ، ولمغفرة الذنوب لقوله تعالى : (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) (8) ، بحيث لا يملك أن يشفع أحد لأحد من العباد إلّا بإذنه ، لذلك يشعر الإنسان في قرارة ضميره بأنّ الله سبحانه مالك مصيره من حيث السعادة الأخروية ، وإذا أحس إنسان بمملوكية كهذه ومالكية كتلك ، ثم جسّد هذا الإحساس في قالب اللفظ أو العمل ، كان عابدا له بلا ريب.
وإلى ذلك يرجع ما ربما يفسّر العبادة بأنّها خضوع أمام من يعتقد بربوبيته ، فمن كان خضوعه العملي ، أو القولي أمام أحد نابعا من الاعتقاد بربوبيته ، كان بذلك عابدا له. ويكون المقصود من لفظة «الرّب» في هذا التعريف هو المالك لشئون الشيء ، القائم بتدبيره وتربيته.
ويدل على ذلك أنّ قسما من الآيات تعلل الأمر بحصر العبادة في الله وحده بأنّه الربّ ، فمن ذلك قوله سبحانه : (وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (9). وقوله سبحانه : (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (10). وقوله سبحانه (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) (11). وغير ذلك من الآيات التي تجعل العبادة دائرة مدار الربوبية (12).
_____________
(1) سورة مريم : الآية 93.
(2) سورة البقرة : الآية 21.
(3) سورة الأنعام : الآية 102.
(4) سورة الروم : الآية 40.
(5) سورة الروم : الآية 28.
(6) سورة يونس : الآية 56.
(7) سورة الزّمر : الآية 44.
(8) سورة آل عمران : الآية 135.
(9) سورة المائدة : الآية 72.
(10) سورة الأنبياء : الآية 92.
(11) سورة آل عمران : الآية 51.
(12) لاحظ الآيات الكريمات التاليات : يونس : الآية 3 ، الحجر : الآية 99 ، مريم : الآيتان 36 و 65، الزخرف : الآية 64.