الأسارى على ضربين : أحدهما ما يجوز استبقائه ـ والأخر لا يستبقي ، فالذي يجوز استبقائه ، كل أسير أخذ بعد تقضى الحرب والفراغ منها ، والذي لا يستبقي : هو كل أسير أخذ قبل تقضى الحرب والفراغ منها.
والضرب الأول يكون الامام ومن نصبه الامام مخيرا فيهم ، ان شاء قتلهم وان شاء فاداهم [1] وان شاء من عليهم وان شاء استرقهم ، ويفعل في ذلك ما يراه صلاحا في التدبير [2] والنفع للمسلمين.
واما الضرب الثاني فحكمه الى الامام أو من نصبه أيضا ، وهو مخير في قتلهم بأي نوع اراده من أنواع القتل.
فاذا أسر مسلم مشركا فعجز الأسير عن المشي ولم يكن مع المسلم ما يحمل عليه فان عليه إطلاقه.
ومن كان أسيرا عند الكفار من المسلمين فلم يجز له ان يتزوج إليهم ، فإن كان به ضرورة تزوج يهودية أو نصرانية ، ولا يجوز له التزويج بغير ذلك من المشركين والمشرك إذا أسر وله زوجة كانا على الزوجية ان لم يجز الامام استرقاقه ، فإن فادى به أو من عليه عاد الى زوجته ، فان استرقه انفسخ نكاحه. وإذا كان الأسير صبيا أو امرأة لها زوج ، كان النكاح مفسوخا بنفس الأسر لأنهما صارا رقيقين.
وإذا أسر رجل بالغ كتابيا أو من له شبهة كتاب ، كان الامام مخيرا فيه على ما قدمنا من الوجوه، فإن أسر وثنيا كان مخيرا فيه بين المن عليه أو المفاداة ، ويسقط هاهنا استرقاقه لأنه ممن لا يقر على الجزية. وإذا فادى رجلا وقبض مال المفاداة كان هذا المال غنيمة.
وإذا أسلموا قبل الأسر كانوا أحرارا وعصموا بذلك دمائهم وأموالهم إلا بحقها [3] ، وسواء احيط بهم في حصن أو في مضيق ، وإذا حدث الرق في الزوجين أو في أحدهما انفسخ النكاح في الحال لأن الزوجة صارت مملوكة بنفس الحيازة ، وإذا كان المسبي الرجل لم ينفسخ النكاح في الحال الا ان يسترقه الامام ، وإذا كان المسبي المرأة ، انفسخ أيضا النكاح في الحال لما ذكرناه فاذا كان الزوجان جميعا مملوكين لم ينفسخ النكاح لأنه لم يحدث بهما هاهنا رق لأنهما قبل ذلك رقيقان.
وإذا سبيت المرأة وولدها لم يجز للإمام ان يفرق بينهما فيعطى الام لرجل ويعطى ولدها الأخر، بل ينظر فان كان في الغانمين ، من يبلغ سهمه الام والولد دفعهما اليه وأخذ فضل القيمة ، أو يجعلهما في الخمس ، فان لم يبلغهما باعهما ورد ثمنهما في المغنم [4] والأمة إذا كان لها ولد لم يكن لسيدها ان يفرق بينهما ببيع ولا غيره من وجوه التمليكات.
وإذا بلغ الصبي سبع سنين أو ثماني سنين كان ذلك هو السن الذي يخير بين الأب والام فيجور ان يفرق بينهما فيه ، وقد ذكر ان ذلك لا يصح الا ان يبلغ ، ولا يفرق بينه وبين الجدة من قبل الأم ، لأنها في الحضانة بمنزلة ابنتها ـ أم الولد ـ واما الفرقة بين الوالد والولد فجائز لا محالة وان باع كان البيع جائزا. وقد قيل ان البيع فاسد لما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام): انه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي (صلى الله عليه واله) عن ذلك ورد البيع [5]، وهذا هو الأقوى.
ومن خرج عن الإباء وان علوا، والأبناء وان نزلوا ـ من الاخوة وأولادهم والأعمام وأولادهم ـ فإن التفرقة جائزة بينهم. وإذا سبي طفل مع والديه أو أحدهما كان دينه على دينهما ولم يجز بيعه منفردا عن امه، فان باعهما جميعا من المشركين أو المسلمين جاز ذلك.
وان مات أبواه لم يتغير عن حكم دينه ، ويجوز بيعه إذا مات أبواه من المسلم فان بيع من مشرك كان بيعه مكروها ، وقد حكى عن بعض الناس تحريم بيعه. فإذا سبى الولد منفردا عن أبويه ، كان تابعا للسابي في الإسلام ، فإن بيع من مشرك كان البيع باطلا ، وان بيع من مسلم كان البيع صحيحا.
وإذا جنى الأسير جناية تحيط بنفسه قبل القسمة ، سلم الى مستحق ذلك بنفسه وخرج عن القسمة، وان كانت الجناية دون النفس بيع في الجناية ، ودفع الى المجني عليه قيمة الجناية وترك الباقي في المغنم.
فان كان الجاني امرأة ومعها ولدها وكانت جنايتها تحيط بنفسها ، بيعت هي وولدها ولم يفرق بينهما في بيع وقسم ثمنهما ، فما أصابها عن نفسها سلم إلى المجني عليه ، وما أصاب من ولدها رد الى المغنم.
والمسلم إذا أسره المشركون ثم أسلموا عليه ، كان حرا على ما كان عليه. وأم الولد والمكاتب والمدبر إذا لم يكن سيده رجع عن تدبيره [6] يكونون على ما هم عليه. وكل ملك لا يجوز فيه البيع فإن أهل الحرب لا يملكونه. وإذا أسر مسلم رجلا فادعى الأسير انه كان مسلما لم يقبل منه ذلك إلا ببينة.
وإذا كان قوم من المسلمين أسارى في دار الحرب ، وقتل بعضهم بعضا أو تجارحوا ثم صاروا الى دار الإسلام ، أقيمت عليهم الأحكام في ذلك.
فإذا أسر مشرك امرأة حرة مسلمة، ووطأها بغير نكاح ثم ظفر المسلمون بها ، لم يسترق أولادها وكانوا مسلمين بإسلامها ، وكذلك الحكم ان كان لها زوج في دار الإسلام ، الا ان أولادها من المشرك لا يلحقون بزوجها المسلم. وانما يلحقون بالمشرك وان كان نكاحها فاسدا، للشبهة.
والحربي إذا أسلم في دار الإسلام وله زوجة في دار الحرب ، وسبيت وهي حامل منه لم يسترق ما في بطنها ، وإذا ولدته كان مسلما بإسلام أبيه ، واي الوالدين أسلم ، كان الولد تبعا له.
وإذا سبي المسلمون الوثنيات ومن اشبههن لم توطأ واحدة منهن الا بعد إسلامها وان أسر المشركون مسلما وشرطوا عليه ان يكونوا منه في أمان إن أطلقوه ، ثم أطلقوه على هذا الشرط فعليه [7] ان يخرج من عندهم إلينا ولا يلزمه الإقامة بالشرط لأنه حرام ، وان كانوا قد استرقوه ثم أطلقوه على انه مملوك ، جاز له ان يسرق وينهب ويهرب لان استرقاقه باطل.
وإذا أسر المشركون المسلم وأطلقوه في ديارهم وشرطوا عليه ان لا يخرج منها كان هذا الشرط فاسدا وعليه الخروج منها. ومن أسره المشركون وصار في دار الحرب وكان مستضعفا [8] وهو متمكن من الخروج فعليه الخروج، وان كان غير متمكن من ذلك ، جاز ان يقيم لأنه مضطر الى ذلك.
وإذا أسر المشركون مسلما وأطلقوه في دار الحرب على انه في أمان منهم وشرطوا عليه المقام بها أو لم يشرطوا ذلك ، كانوا منه في أمان ولم يكن له قتالهم في مال ولا نفس ، والحكم في خروجه من دار الحرب مع تمكنه من ذلك ومقامه بها على ما قدمناه ، فان خرج هاربا فأدركوه كان له الدفاع عن نفسه ، فإن أدى دفعه الى قتل طالبه ، لم يكن عليه شيء لأنه الذي نقض عهده وزوال امانه [9].
وان أطلقوه بغير أمان، كان له ان يأخذ من أموالهم وأولادهم ونسائهم وغير ذلك ما يمكن منه ، ويخرج هاربا أو غير هارب لأنهم لم يشترطوا الأمان ، وإذا شرطوا عليه المقام في دار الحرب ولم يحلفوا على ذلك حرم عليه المقام ولم يجب عليه الوفاء بالشرط ، وان حلفوه على ذلك لم يخل من ان يكون مكرها على اليمين أو يكون مختارا ، فان كان مكرها لم ينعقد يمينه لأنه مكره في [10] خروجه ، وان كان مختارا كان له الخروج ولم يلزمه كفارة.
فإن أطلقوه وشرطوا عليه يحمل مالا من دار الإسلام والا رجع إليهم لم يلزمه شيء من ذلك ، فان قرروا بينهم وبينه فداء ، فان كان مكرها على ذلك لم يلزمه الوفاء به ، وان كان متطوعا لم يلزمه أيضا لأنه عقد عقدا فاسدا.
ولو ان الامام أو من نصبه، شرط ان يفادي قوما من المسلمين بمال، لما صح ذلك وكان العقد فاسدا ولم يملك المشركون ما يأخذونه منه، وان ظهر المسلمون على المشركين وأخذوا منهم هذا المال، لم يكن غنيمة ووجب رده الى بيت المال.
وإذا غصب مسلم فرسا وغزا عليه وغنم وأسهم له ثلاثة أسهم ، كان الثلاثة أسهم كلها له ، ولم يكن لصاحب الفرس منها شيء ، فان دخل دار الحرب بفرسه الذي يملكه وغزا ثم غصبه غيره من أهل الصف فرسه وغنم [11] وأسهم للذي غصب الفرس ثلاثة أسهم ، كان له من هذه الثلاثة أسهم ، سهم واحد والسهمان الباقيان لصاحب الفرس وانما اختلف الحكم فيما ذكرناه ، لان الغاصب في المسئلة الاولى هو الحاضر للقتال دون صاحب الفرس وقد اثر حضوره في القتال ، وفي المسئلة الثانية صاحب الفرس حضر القتال فارسا وأثر في القتال ، والغاصب لفرسه ، غصبه بعد ذلك فكان السهم دون الغاصب [12] للفرس.
وإذا اشترى إنسان الأسارى من المسلمين لبعض التجار بإذنهم بان يشتريهم ويكفهم من العرض [13] ، فابتاعهم وأخرجهم من دار الحرب ، كان عليهم ان يؤدوا إليه ما ابتاعهم به ، وان اشتراهم بغير إذنهم ، لم يجب عليهم ان يؤدوا المال اليه ويستحب لهم أداء ذلك ، وان أذنوا له في ابتياعهم وكانوا فقراء فاشتراهم وأخرجهم من دار الحرب ولم يقدروا على تعويضه [14] عوض ذلك من بيت مال المسلمين إذا كان ثمنهم الذي وزنه [15] هو قيمتهم ، فان كان قد دفع فضلا على ذلك ، فان الفاضل في قتاله [16] ، ولم يجب تعويضه على ذلك من بيت مال المسلمين.
فان اشترى صبيانا أو أطفالا أحرارا بإذن أو بغير اذن، لم يجب على أوليائهم ولا عليهم إذا بلغوا رد عوض المال إليه، فإن فعلوا ذلك كان حسنا، وان كان أوليائهم التاجر [17] في ذلك كان عليهم ان يدفعوا ذلك اليه.
وإذا اشترى مكاتبا أو أم ولد بأمرهما له بذلك، واشتراهما فأخرجهما من دار الحرب لم يكن له عليهما شيء ، الا ان يعتقا ، فاذا أعتقا ، جاز له مطالبتهما بماله وان كان اشتراهما بغير إذنهما له في ذلك ، لم يستحق عليهما شيئا عتقا أو لم يعتقا.
فان اشترى عبيدا كان لساداتهم ان يأخذوهم بالثمن الذي ابتاعهم به ، اللهم الا ان يكونوا عند مشرك ، فدفعهم المشرك الى هذا التاجر عوضا عن هدية أو ما أشبهها فيكون قيمته ما اوفى عليه بهم.
_______________
[1] أي أطلقهم وأخذ فديتهم ، وفي نسخة « ادرئهم » بدل « فاداهم ».
[2] تدبرت الأمر : نظرت في دبره وهو عاقبته وآخره.
[3] لعل المراد انه لا يجوز قتلهم وأخذ أموالهم إلا إذا تعلق بهما حق مثل ما إذا كانوا سرقوا مال مسلم.
[4] والمراد: «اما ان يعطيهما أحد الغانمين ان بلغهما سهمه والا أخذ منه فضل القيمة واما ان يجعلهما في الخمس وان لم يفعلهما باعهما ورد ثمنهما في المغنم» هذا وليست العبارة وافية تمام المراد.
[5] المبسوط، ج 2، ص 21.
[6] في نسختين زيادة « ولا » والظاهر انها تصحيف.
[7] في نسختين « فعليهم » بدل « فعليه » والظاهر انها تصحيف.
[8] والمراد من المستضعف : من لا رهط ولا عشيرة له ولا يتمكن من إظهار دين الإسلام
[9] في نسخة « لأن الذي نقض عنه. » وفي أخرى «. نقص عنده. » والظاهر تصحيفهما.
[10] لعل كلمة « عدم » محذوفة هنا.
[11] في نسخة « غنموا ».
[12] للفرس خبر لكان.
[13] أي من المعرضية للبيع.
[14] في نسختين « تعريضه » والظاهر انه تصحيف.
[15] أي جعله وزنا وعدلا لهم وبحذائهم.
[16] كذا في نسختين ولعلها تصحيف والصحيح « في ماله ».
[17] « التاجر » خبر لكان.