الاتفاقيات الدولية وحوض النيل
المؤلف:
د. محمد مدحت مصطفى
المصدر:
اقتصاديات الموارد المائية
الجزء والصفحة:
ص 373 ـ 375
2026-10-29
112
يعد الري النهري بمثابة الري الصناعي الأول الذي عرفه الإنسان، بعد أن عجزت مياه الأمطار عن تلبية حاجات الزراعة المطرية والزراعة النهرية تحتاج إلى قدر كبير من التعاون بين أفراد القبيلة للحصول على حصاد جيد، كما تحتاج إلى قدر كبير من التعاون بين القبائل وبعضها بغرض السيطرة على النهر ففي الحضارات المطرية ترحل القبائل إلى حيث يتوفر المطر والكلا، أما في الحضارات النهرية فليس هناك سوى الاستقرار ومحاولة تهذيب النهر وفي المناطق التي تجمع بين المياه المطرية والمياه النهرية نجد أن الإنسان لم يلجأ إلى مياه الأنهار والري الصناعي الأكثر جهداً والأكثر كلفة إلا لتعويض العجز في مياه الأمطار ومع تكون الدول الحديثة نرى المشاكل بين الدول التي تقع على نهر واحد سواء بالتتابع أو بالتقابل نشأت بالأساس لأغراض تنظيم الملاحة في هذه الأنهار، ومن ثم كان اهتمام القانون الدولي منصباً على تلك القضية ومع تراجع أهمية الأنهار في مجال الملاحة، وحيث ازدادت أهمية المياه العذبة للاستخدامات الإنسانية الأخرى سواء للزراعة أو الصناعة تحول اهتمام القانون الدولي باتجاه قضية الاستخدام الأمثل لمياه النهر والمحافظة علية بين الدول المتشاطئة عليه والأنهار الدولية هي تلك الأنهار التي تشق مجراها بين دولتين متجاورتين أو يمر مجراها عبر الحدود السياسية لأكثر من دولة، وعلى ذلك فقد تنازعت قواعد القانون الدولي الخاصة بالأنهار الدولية وجهتي نظر تنطلق الأولى من قاعدة السيادة التامة للدولة على كل ما يقع داخل حدودها السياسية، وبالتالي يكون لكل دولة من دول أحواض الأنهار حقوق السيادة الكاملة على الجزء من النهر الدولي الذي يمر بأراضيها بغض النظر عما يترتب على ذلك من آثار لدول النهر الأخرى. وتنطلق الثانية من قاعدة عدم المساس بالأوضاع الطبيعية التاريخية حيث يجب أن يظل جريان الأنهار الدولية على حالها، فلا تتعرض للنقصان أو التلوث بسبب إجراءات إحدى دول النهر وإذا كانت وجهة النظر الأولى تحقق مصالح دول منابع الأنهار دون ما اعتبار لدول المصب، فإن وجهة النظر الثانية تحقق مصالح دول مصبات الأنهار وتحرم دول المنابع من إمكانية إقامة أية مشروعات لتنمية مواردها المائية.
ونظراً لأن الزراعة الأوربية تعتمد أساساً على مياه الأمطار فإن الأنهار الدولية لم يكن ينظر إليها إلا بصفتها قنوات مائية للملاحة، وعلى ذلك فإن النزاعات بين دول الأنهار الدولية كانت تدور أساساً حول حقوق الملاحة النهرية حتى أن الحدود السياسية بين الدول المتجاورة لضفتي نهر تحولت من خط منتصف ذلك النهر إلى خط المجرى الملاحي وعلى ذلك فإن تلك الحدود من الناحية العملية تتغير تبعاً لتغيرات ذلك المجرى نتيجة للنحر والإطماء الذي يحدث للنهر، إلا أن هناك حتى الآن بعض الدول التي لا تزال تتمسك بخط منتصف النهر. ومثال ذلك الحدود بين ألمانيا وفرنسا تمر في منتصف نهر الراين، والحدود بين رومانيا وبلغاريا تمر في منتصف نهر الدانوب بينما الحدود بين ألمانيا وسويسرا تسير مع مجرى نهر الراين وفي أمريكا الجنوبية نجد أن الحدود بين البرازيل وبيرو تسير مع مجری بافاري، وهكذا. ومع ظهور أزمات المياه العذبة والتوسع في المفهوم الاقتصادي للنهر دخلت الاستخدامات الزراعية والصناعية بجانب الاستخدامات الملاحية، ومعها ظهرت مشاكل جديدة في تعريف النهر الدولي خاصة وأن هذه الاستخدامات ملوثة للأنهار بدرجة كبيرة، كما أن تأثيراتها تمتد أحيانا إلى المياه الجوفية وعلى ذلك ظهرت فكرة حوض الصرف الواحد التي تأخذ في اعتبارها البعد الهيدروليكي والجغرافي للنهر كوحدة طبيعية واقتصادية واحدة، بمعنى أن يضم ذلك التعريف كل من المياه السطحية والمياه الجوفية إذا ما كان يجمعهما حوض صرف واحد، كما يشمل التعريف المجرى الرئيسي للنهر وكافة روافده سواء كانت روافد إنمائية المنابع أو روافد توزيعية المصبات، فهذه الوحدة الهيدروليكية والجغرافية هي التي تحدد كم ونوع المياه في النهر وهذا التعريف هو التعريف الذي تأخذ به لجنة القانون الدولي الآن، وكذلك كافة المعاهد والمراكز القانونية المتخصصة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في جغرافية المياه
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة