0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

التعويض عن اخلال المحكم بالتوازن الإجرائي

المؤلف:  يقين كريم محيبس

المصدر:  التزام المحكم بضمان التوازن الاجرائي بين الخصوم في أطار العلاقات الخاصة الدولية

الجزء والصفحة:  ص 151-159

2026-10-20

19

+

-

20

لا يقتصر أثر إخلال المحكَّم بالتوازن الإجرائي على بطلان الحكم التحكيمي أو إبطال إجراءاته، وإنما قد يمتد إلى ترتيب مسؤوليته المدنية متى ألحق هذا الإخلال ضررًا بأحد أطراف الخصومة، ومن ثم يغدو التعويض وسيلة قانونية لجبر الضرر الناشئ عن هذا الإخلال، سواء أمكن إزالة آثاره بإعادة التوازن الإجرائي، أم تعذر ذلك فكان التعويض النقدي هو السبيل إلى جبر الضرر وتحقيق العدالة بين الخصوم.
ويُعرف التعويض بأنه الأثر القانوني المترتب على قيام المسؤولية المدنية، ويقصد به جبر الضرر الذي أصاب المضرور نتيجة الإخلال بالالتزام، وذلك بإعادة الحال إلى ما كان عليه كلما كان ذلك ممكنا، أو بالحكم بمبلغ من المال يعادل الضرر عند تعذر ذلك (1).
ويعد التعويض الوسيلة القانونية التي تكفل إعادة التوازن إلى المركز القانوني للمضرور وتحقيق العدالة بجبر ما لحقه من خسارة (2).
وينقسم التعويض، بحسب وسيلة جبر الضرر إلى نوعين رئيسين، هما التعويض العيني، الذي يستهدف إزالة آثار الإخلال وإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل وقوعه متى كان ذلك ممكنا (3)، والتعويض بمقابل، الذي يتمثل في الزام المسؤول بدفع مبلغ من المال لجبر الضرر عندما يتعذر التعويض العيني أو لا يكون كافيًا لتحقيق الجبر الكامل (4) وهو كما أت
اولا التعويض العيني
يقوم التعويض العيني على إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل وقوع الإخلال، ويهدف إلى إزالة الآثار التي ترتبت على الفعل الضار، ولذلك يعدّ الوسيلة الأكثر تحقيقا للعدالة متى كان تنفيذه ممكنا، لأنه يؤدي إلى محو الضرر من مصدره، وإعادة المركز القانوني للمضرور إلى الوضع الذي كان عليه قبل وقوع الإخلال (5).
وفي نطاق مسؤولية المحكَّم عن الإخلال بالتوازن الإجرائي، يتحقق التعويض العيني من خلال إزالة المخالفة الإجرائية ذاتها متى كان ذلك ممكنا، كإعادة تبليغ أحد الخصوم تبليغا صحيحًا، أو تمكينه من تقديم دفاعه ومستنداته، أو إعادة فتح باب المرافعة، أو إعادة سماع شاهد أو خبير، أو تمكين الخصوم من مناقشة الأدلة التي بني عليها الحكم، بما يعيد التوازن الإجرائي ويكفل احترام مبدأي المساواة وحق الدفاع (6).
إلا أن التعويض العيني ليس ممكنا في جميع الأحوال، فقد يصبح تنفيذ الإجراء مستحيلًا إذا صدر الحكم التحكيمي أو استنفدت هيئة التحكيم ولايتها، أو أصبح تصحيح الإجراء غير منتج لأثره، وعندئذٍ ينتقل جبر الضرر إلى التعويض بمقابل باعتباره الوسيلة التي تحقق التعويض عندما يتعذر إعادة الحال إلى ما كانت عليه (7).
وفي ضوء ما تقدم يتبين أن التعويض العيني قد يكون ممكنا كلما كان الإخلال بالتوازن الإجرائي لا يزال قابلا للإزالة بحيث يمكن إعادة الخصومة التحكيمية إلى مسارها الصحيح دون المساس باستقرار الإجراءات أو بحقوق الخصوم، ويتحقق ذلك إذا كان الإخلال ناشئًا عن عدم تبليغ أحد الأطراف تبليغا صحيحًا، أو حرمانه من تقديم دفوعه أو مستنداته، أو عدم تمكينه من مناقشة أدلة خصمه أو تقرير الخبير ، أو عدم منحه فرصة كافية لإبداء دفاعه، أو وقوع أي مخالفة إجرائية يمكن تداركها بإعادة الإجراء على نحو صحيح قبل صدور الحكم التحكيمي. ففي هذه الحالات يظل من الممكن إزالة آثار الإخلال وإعادة التوازن الإجرائي بين الخصوم، الأمر الذي يجعل التعويض العيني الوسيلة الأولى والأكثر تحقيقا للعدالة.
أما إذا أصبح الإخلال غير قابل للإزالة كأنّ يصدر الحكم التحكيمي وتستنفد هيئة التحكيم ولايتها، أو يفوت الوقت الذي يمكن فيه تصحيح الإجراء، أو يصبح إعادة الحال إلى ما كانت عليه مستحيلًا أو غير مجدية، فأنّ التعويض العيني يغدو غير ممكن، ويكون التعويض بمقابل هو الوسيلة القانونية المناسبة لجبر الضرر الذي لحق بالطرف المضرور.
ثانيا- التعويض بمقابل
يلجأ القاضي إلى التعويض بمقابل لجبر الضرر الذي يصيب أحد الخصوم نتيجة إخلال المحكم بالتوازن الإجرائي، وذلك في الأحوال التي يتعذر فيها التعويض العيني أو لا يكون كافيا لإزالة آثار الإخلال. ويتخذ هذا التعويض صورة مبلغ مالي يقدر بما يعادل الضرر الذي لحق بالطرف المتضرر، كالمصاريف التي تحملها بسبب الإجراءات غير المتوازنة، وأتعاب المحاماة ونفقات التحكيم، فضلا عما فاته من كسب نتيجة عدم تمكينه من عرض دفاعه أو بسبب صدور حكم تحكيمي معيب أو عدم صدوره في الأجل المتفق عليه (8).
ويأخذ التعويض بمقابل عدة صور، فقد يتقرر بمقتضى اتفاق بين الطرفين أو بين المحكم والخصوم، أو بمقتضى حكم قضائي، أو بناء على نص في القانون.
أ- التقدير الاتفاقي
يقصد بالتقدير الاتفاقي للتعويض أن يتفق أطراف العلاقة التحكيمية، سواء في صلب اتفاق التحكيم أو في اتفاق لاحق، على تحديد مقدار التعويض المستحق عند إخلال المحكم بالتزامه في إدارة الخصومة التحكيمية، ولا سيما إذا أدى هذا الإخلال إلى المساس بالمساواة بين الخصوم، أو حرمان أحدهم من تقديم دفاعه، أو التأخر في إصدار الحكم التحكيمي دون مبرر مشروع (9).
وفي هذه الحالة يكون التعويض المتفق عليه تابعًا للالتزام الأصلي، فلا يجوز الحكم به إلا إذا ثبت الإخلال بذلك الالتزام، كما لو ثبت أن المحكَّم لم يلتزم بالإجراءات التي تكفل التوازن الإجرائي بين الخصوم. وإذا كان مقدار التعويض المتفق عليه مبالغا فيه، جاز للمحكمة المختصة أن تتدخل لتخفيضه أو رفعه متى ثبت ارتكاب المحكَّم غشا أو خطأ جسيمًا (10).
وتبنى المشرع العراقي التعويض الاتفاقي بنص المادة (1/170) من القانون المدني العراقي" يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدما قيمة التعويض بالنص عليها في العقد في اتفاق لاحق ويراعى في هذه الحالة احكام 168 و 256 و 257 و258".
ب - التقدير القانوني:
الأصل أن تقدير التعويض يترك للقاضي، غير أنّ القانون قد يتولى في بعض الحالات وضع قواعد أو حدود معينة تساعد على الوصول إلى مبلغ جزافي يمثل التعويض المستحق. وقد يعتمد المشرع هذا الأسلوب بصورة غير مباشرة عندما يحدد سقفًا لا يجوز أن يتجاوزه التعويض، ولو كان الضرر الحاصل أكبر من ذلك (11).
ج- التقدير القضائي:
يمثل التقدير القضائي الصورة المألوفة في تقدير التعويض، إذ يرجع الأمر إلى قاضي الموضوع عند عدم وجود تقدير اتفاقي أو قانوني. ويشمل التعويض هنا ما لحق الطرف المتضرر من خسارة وما فاته من كسب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية ومباشرة لإخلال المحكّم بالتزامه بالمحافظة على التوازن الإجرائي، وأن يكون الضرر الامر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت نشوء العلاقة التحكيمية، ما لم يثبت أنّ المحكَّم ارتكب تدليسًا أو خطأ جسيمًا، فعندئذ لا يقتصر التعويض على الضرر المتوقع فقط، بل يمتد إلى الضرر المباشر كله (12).
كما أن هناك بعض الالتزامات التي يمكن انذار المحكَّم بشأنها قبل تحريك دعوى المسؤولية، كما لو امتنع عن اتخاذ إجراء لازم لتحقيق التوازن بين الخصوم، أو لم يمكّن أحد الأطراف من الاطلاع على مستندات خصمه، أو رفض تسليم تقرير الخبير، أو لم يستجب لما تقرره المحكمة المختصة أو هيئة التحكيم من إجراءات لازمة لسير الخصومة. فإذا أنذر المحكَّم وأصرّ على عدم التنفيذ، وكان من شأن ذلك إحداث ضرر معين، فأنّ فائدة الأنذار تتمثل في إثبات تأخره أو امتناعه عن تنفيذ التزامه، ويكون ذلك وسيلة لتبصير المحكّم بوجوب تنفيذ ما يفرضه عليه واجب المحافظة على التوازن الإجرائي (13). لا يكفي لقيام حق المضرور في التعويض عن إخلال المحكَّم بالتوازن الإجرائي ثبوت الخطأ فحسب، وإنما يجب أن يمتد التعويض إلى جميع الأضرار المباشرة التي ترتبت على هذا الإخلال، بحيث يحقق الجبر الكامل للضرر الذي أصاب الطرف المتضرر.
ومن ثم فأنّ تقدير التعويض لا يكون على أساس معيار ثابت وإنما يختلف باختلاف طبيعة الضرر ومدى تأثيره في المركز القانوني للمضرور، مع مراعاة العلاقة السببية بين الخطأ الذي ارتكبه المحكم والنتيجة الضارة التي لحقت بأحد الخصوم. ولذلك يراعى عند تقدير التعويض عناصر الضرر كافة، سواء ما لحق المضرور من خسارة فعلية، أم ما فاته من كسب كان من المتوقع الحصول عليه لولا إخلال المحكَّم بالتزامه بالمحافظة على التوازن الإجرائي (14).
أولا - الخسارة اللاحقة:
يقصد بالخسارة اللاحقة ما تكبده الطرف المتضرر من نفقات وأعباء مالية؛ نتيجة إخلال المحكم بالتوازن الإجرائي، إذ قد يضطر الخصم إلى تحمل مصروفات إضافية لم يكن ليتحملها لو سارت إجراءات التحكيم بصورة سليمة (15).
ومن ذلك نفقات إعادة السير في الإجراءات، ومصاريف الانتقال لحضور جلسات جديدة، وأتعاب المحامين والخبراء، وتكاليف ترجمة المستندات، فضلاً عن الرسوم الإضافية التي يقتضيها تصحيح الإجراءات أو إعادة نظر النزاع. وتعد هذه النفقات جزءًا من الضرر القابل للتعويض متى ثبت أنها كانت نتيجة مباشرة لخطأ المحكم في إدارة الخصومة التحكيمية، وأنها لم تكن لتقع لولا ذلك الإخلال.
ثانيا- الكسب الفائت
لا يقتصر التعويض على جبر الخسارة الفعلية، وإنما يمتد كذلك إلى تعويض الطرف المتضرر عما فاته من كسب بسبب إخلال المحكَّم بالتوازن الإجرائي، متى كان هذا الكسب متوقعًا وفقًا للمجرى العادي للأمور (16).
فقد يؤدي حرمان أحد الخصوم من تقديم دفاعه أو التأخر غير المبرر في إصدار الحكم التحكيمي أو مخالفة الإجراءات الأساسية إلى تعطيل حصوله على حق مالي أو منفعة اقتصادية كان من المرجح أن تتحقق له لو جرت الخصومة بصورة صحيحة. ويشمل ذلك الأرباح التي ضاعت بسبب تأخير تنفيذ العقد، أو الفوائد التي فاتت على المبالغ المستحقة، أو الفرص التجارية التي فقدها نتيجة استمرار النزاع بسبب الخطأ الإجرائي، متى ثبت أنّ فوات هذه المنافع كان نتيجة مباشرة لإخلال المحكم بالتزاماته (17).
ويتبين الامر الذي تقدم أنّ عناصر التعويض في مسؤولية المحكَّم لا تقتصر على مجرد المصروفات التي يتحملها الخصوم، وإنما تمتد إلى كل ضرر مباشر ومحقق يصيبهم نتيجة الإخلال بالتوازن الإجرائي، سواء تمثل في خسارة مالية فعلية أم في منفعة مشروعة فاتت عليهم بسبب الخطأ الإجرائي.
ومن ثم فأن تقدير التعويض ينبغي أن يكون كافيًا لجبر الضرر كاملا، بما يحقق إعادة التوازن إلى المركز القانوني للمضرور ، ويكفل في الوقت ذاته عدم تحميل المحكّم مسؤولية تتجاوز حدود خطئه الثابت وبعد بيان صور التعويض عن الإخلال بالتوازن الإجرائي، سواء تمثل في إعادة الحال إلى ما كانت عليه عن طريق إزالة المخالفة الإجرائية، أم في التعويض بمقابل عند تعذر ذلك، يثور التساؤل عن مدى عناية التشريعات المقارنة بتنظيم مسؤولية المحكم عن هذا الإخلال.
فهل أفرد مشروع قانون التحكيم العراقي، وقانون التحكيم المصري والقانون الفرنسي نصوصا خاصة تقرر التعويض عن أخطاء المحكم الإجرائية، أم أنّ الأمر يظل خاضعا للقواعد العامة في المسؤولية المدنية؟ وهذا ما سنبينه تباعًا.
فلم يتضمن مشروع قانون التحكيم العراقي نصا خاصا ينظم مسؤولية المحكم المدنية أو يقرر حق الخصوم في المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن إخلاله بالتوازن الإجرائي، كما خلا من بيان أحكام تقدير هذا التعويض أو شروط استحقاقه ويقتصر المشروع على تنظيم واجبات المحكم وإجراءات التحكيم وأسباب رد المحكّم وبطلان الحكم التحكيمي، دون أن يضع نظامًا خاصًا للمطالبة بالتعويض من المحكم.
ومن ثم، فأنّ هذا الفراغ التشريعي يقتضي الرجوع إلى القواعد العامة في القانون المدني العراقي بشأن المسؤولية المدنية، متى توافرت أركانها من خطأ وضرر وعلاقة سببية، للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي يترتب على إخلال المحكم بالتوازن الإجرائي.
وأما بخصوص قانون التحكيم المصري رقم (27) لسنة 1994 هو الآخر لم ينص على أحكام خاصة تتعلق بمسؤولية المحكم المدنية أو التعويض المستحق عن أخطائه الإجرائية، وإنما اقتصر على تنظيم تشكيل هيئة التحكيم، وواجبات المحكم، وأسباب رده، وحالات بطلان حكم التحكيم.
ولذلك فأن المطالبة بالتعويض عن الضرر الناشئ عن إخلال المحكم بالتوازن الإجرائي تخضع للقواعد العامة في المسؤولية المدنية الواردة في القانون المدني المصري، ولا تستند إلى نص خاص في قانون التحكيم ذاته .
أما القانون الفرنسي، فلم يتضمن كذلك نصا صريحًا ينظم التعويض عن مسؤولية المحكم أو يحدد أحكامه ضمن نصوص التحكيم الواردة في قانون الإجراءات المدنية، وإنما أنصرف إلى تنظيم تعيين المحكمين، وسير الخصومة التحكيمية، وضمانات استقلال المحكّم وحياده، وأسباب بطلان الحكم التحكيمي.
ومع ذلك، اعترف القضاء والفقه الفرنسيان بإمكان مساءلة المحكّم مدنيًا عند ارتكابه غشا أو خطاً جسيما أو إخلالا جسيمًا بالتزاماته المهنية، ويكون التعويض في هذه الحالة خاضعا للقواعد العامة في المسؤولية المدنية، وليس لأحكام خاصة في قانون التحكيم.
وبالبحث في موقف القضاء العراقي لم يظهر اتجاه قضائي منشور يتناول مسؤولية المحكم المدنية والحكم عليه بالتعويض عن إخلاله بالتوازن الإجرائي، في حين برز القضاء الفرنسي بوصفه الأكثر تناولا لهذه المسألة، إذ وضع ضوابط خاصة لقيام مسؤولية المحكَّم، وقصرها على حالات الغش أو الخطأ الجسيم أو أنكار العدالة.
أما القضاء المصري، فلم يصدر في حدود الأحكام المنشورة اتجاه قضائي يتناول مسؤولية المحكم المدنية أو الحكم بالتعويض عن إخلاله بالتوازن الإجرائي، ومع ذلك، فقد أرست محكمة النقض المصرية مبادئ عامة في تقدير التعويض، أكدت فيها أن تقدير عناصر الضرر ومقدار التعويض الجابر له يدخل في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع ، متى بينت عناصر الضرر التي استندت إليها، وأنّ التعويض يشمل ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب وتعد هذه المبادئ واجبة التطبيق عند الرجوع إلى القواعد العامة للمسؤولية المدنية، ومنها مسؤولية المحكّم عند قيامها (18).
وقد أكد القضاء الفرنسي هذا الاتجاه، إذ قضت محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 15 كانون الثاني/يناير 2014، رقم الطعن 11-17.196، بأن مسؤولية المحكم لا تقوم لمجرد ارتكابه خطاً بسيطا أثناء مباشرته وظيفته القضائية، وإنما يشترط لقيامها ثبوت خطأ شخصي جسيم يعادل الغش أو يشكل غشا أو خطأ جسيمًا، أو أنّكارًا للعدالة.
ويؤكد هذا الاتجاه حرص القضاء الفرنسي على تحقيق التوازن بين حماية الخصوم من أخطاء المحكم الجسيمة، والمحافظة في الوقت ذاته على استقلال المحكَّم وعدم تعريضه للمساءلة عن كل خطأ في تقديره القانوني(19).
يتضح الامر الذي تقدم أنّ التعويض عن الإخلال بالتوازن الإجرائي يمثل أحد أهم الآثار القانونية المترتبة على مسؤولية المحكّم المدنية، إذ لا يقتصر دوره على جبر الضرر الذي يصيب أحد الخصوم، وإنما يسهم أيضًا في تكريس احترام الضمانات الإجرائية التي تقوم عليها الخصومة التحكيمية.
وإذا كان التعويض العيني يظل الوسيلة الأولى متى أمكن إزالة آثار الإخلال وإعادة التوازن بين الخصوم، فأنّ التعويض بمقابل يغدو الوسيلة الملائمة كلما تعذر ذلك.
وعلى الرغم من خلو التشريعات العراقية والمصرية والفرنسية من تنظيم خاص لأحكام التعويض عن مسؤولية المحكَّم، إلا أنّ الرجوع إلى القواعد العامة في المسؤولية المدنية، إلى جانب ما استقر عليه القضاء المقارن، ولا سيما القضاء الفرنسي، يوفر أساسًا قانونيا كافيًا لحماية الخصوم من الأضرار الناجمة عن الإخلال بالتوازن الإجرائي، مع المحافظة في الوقت ذاته على استقلال المحكم وعدم مساءلته إلا في الحدود التي يقتضيها القانون.
_____________
1- كروم يونس، حفظي فاطمة الزهراء حموش بوشری حسو ،رقية فروخ عبد اللطيف، المسؤولية المدنية للمحكم التحكيم التجاري، لنيل شهادة الإجازة الأساسية في القانون الخاص، جامعة ابن زهر الأكاديمي، المغرب، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 2022، ص 45.
2- ينظر في المعنى القريب من ذلك: خولة لفته عبود، الحماية المدنية والتعويض عن الضرر في القانون العراقي، جامعة قم الحكومية ، مجلة الجامعة العراقية، المجلد 75 ، العدد 6، 2026، ص 608.
3- محمود جمال الدين زكي، مشكلات المسؤولية المدنية، ج 1، مطبعة جامعة القاهرة، 1978، ص 49.
4- رفعت حمود ثجيل التميمي، أحكام الضرر في المسؤولية العقدية المدنية وفقا للقانون العراقي، مجلة القرار للبحوث العلمية المحكمة العدد 8 ، المجلد 3، 2024، ص 905.
5- حسن حنتوش رشيد الحسناوي، الضرر المتغير وتعويضه في المسؤولية التقصيرية، التعويض العيني ومدى صلاحيته لجبر الضرر المتغير 47451=https://ns1.almeria.com/more.php?idm ، تمت الزيارة بتاريخ 9/7/2026 .
6- أحمد بورابح، المسؤولية المدنية للمحكم، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، 2014، ص 126- ص 127 .
7- فيصل حفيظي، المسؤولية المدنية للمحكم، بحث لنيل درجة الدبلوم العالي في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية متعددة التخصصات، 2015، ص 75.
8- زهراء صاحب محمد سعداوي، أحكام التعويض عن الإخلال العقدي،
262532=https://ns1.almerja.com/more.php?idm ، تمت الزيارة بتاريخ 10/7/2026.
9- ينظر في المعنى القريب من ذلك إبراهيم سيد أحمد الشرط الجزائي في العقود المدنية بين القانونين المصري والفرنسي ،ط1 ، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2003، ص 241.
10- أسامة الحموي الشرط الجزائي وسلطة القاضي في تعديله، دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي، ط31، مطبعة الزرعي، دمشق، 1997، ص 56 .
11- كروم يونس، حفظي فاطمة الزهراء، حموش بوشری حسو رقية فروخ عبد اللطيف المسؤولية المدنية للمحكم في التحكيم التجاري، مصدر سابق، ص 48.
12- ينظر في المعنى القريب من ذلك أحمد غازي ريشان شروط الضرر القابل للتعويض وأنواعه، بحث مقدم الى مجلس المعهد القضائي، العراق، 2024، ص 59، 60.
13- فيصل حفيظي، المسؤولية المدنية للمحكم ، مصدر سابق، ص 75- ص 77.
14- محمد رفعت الرؤف، تعويض عن الخطأ، مجلة بحوث الشرق الأوسط، المجلد 7 ، العدد 48، 2010، ص 429.
15- كروم يونس، حفظي فاطمة الزهراء، حموش بوشری حسو ، رقية فروخ عبد اللطيف المسؤولية المدنية للمحكم في التحكيم التجاري، مصدر سابق، ص 49.
16- يوسف عويد عبد عايد فكرة التناسب في جبر الضرر عن المسؤولية المدنية (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير، جامعة ميسان كلية القانون، 2025، ص11.
17- أحمد بورابح، المسؤولية المدنية للمحكم، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، 2014، ص 150.
18- محكمة النقض المصرية، الطعن المدني، جلسة 28/10/1965 ، نقلا عن عمر بن سعيد في كتابه الاجتهاد القضائي وفقا لأحكام القانون المدني، ط1 ، دار الهدى الجزائر، 2004، ص154.
19-Cour de cassation (1re chambre civile), 15 janvier 2014, Pourvoi n° 11-17.196, ECLI:FR: CCASS:2014:C100002, publié au Bulletin, disponible sur Légifrance.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد