الوحدة على قسمين:
1 ـ الوحدة العددية ، وهي عبارة عن كون شيء واقعا تحت مفهوم عام وجد منه مصداق واحد ، وذلك مثل مفهوم الشمس الذي هو مفهوم وسيع قابل للانطباق على كثير ، غير أنه لم يوجد في عالم الحسّ منه إلّا مصداق واحد مع إمكان وجود مصاديق كثيرة له. وهذا هو المصطلح عليه ب «الواحد العددي».
2 ـ الوحدة الحقيقية ، وهي عبارة عن كون الموجود لا ثاني له ، بمعنى أنه لا يقبل الاثنينية ، ولا التكثّر ولا التكرر. وذلك كصرف الشيء المجرد عن كل خليط. مثلا : الوجود المطلق عن كل قيد ، واحد بالوحدة الحقة ، لأنّه لا ثاني له. لأن المفروض ثانيا ـ بما أنه لا يتميز عن الأول ـ لا يمكن أن يعد شيئا آخر ، بل يرجع إلى الوجود الأول.
وعلى ضوء ذلك ، فالمراد من كون الشمس واحدة هو أنها واحدة لا اثنتان ولا ثلاثة ولا ... ولكن المراد ، من كون الوجود المطلق ، ـ منزها عن كل قيد ـ واحد ، أنه لا ثاني له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير ، أي لا تتعقل له الاثنينية والكثرة لأن ما فرضته ثانيا ، بحكم أنه منزه عن كل قيد وخليط يكون مثل الأول ، فلا يتميز ولا يتشخص ، فلا يكون متحققا ، لأن الكثرة رهن دخول شيء مغاير في حقيقة الشيء. مثلا: البياض بما هو بياض ، لا يتصور له الاثنينية ، إلّا إذا دخل فيه شيء غيره ، كتعدد المحل ، فيتعدد البياض ، ولو لا ذلك لصار البياض صرف الشيء ، وهو غير قابل للكثرة. يقول الحكيم السبزواري في هذا الصدد:
وما له تكثّر قد حصلا
ففيه ما سواه قد تخلّلا
إنّ الوجود ما له من ثان
ليس قرى وراء عبّادان (1).
والمراد من كونه سبحانه واحدا ، هو الواحد بالمعنى الثاني ، أي ليس له ثان ، ولا تتصور له الاثنينية والتعدد.
ولأجل ذلك يقول سبحانه في تبيين هذه الوحدة : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) ، أي واحد لا نظير له.
والعجب إنّ الإمام أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) قام بتفسير كونه تعالى واحدا ، عند ما كان بريق السيوف يشد إليه العيون ، وضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح في معركة (الجمل) ، فأحس (عليه السلام) بأنّ تحكيم العقيدة وصرف الوقت في تبيينها لا يقصر في الأهمية عن خوض المعارك ضد أهل الباطل :
روى الصدوق أن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : «يا أمير المؤمنين أتقول إنّ الله واحد ، قال فحمل الناس عليه ، وقالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ، فقال أمير المؤمنين : دعوه ، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم» ... ثم قال شارحا ما سأل عنه الأعرابي : «وقول القائل واحد ، يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ، لأنّ ما لا ثاني له ، لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنّه كفر من قال «ثالث ثلاثة»».
ثم قال : «معنى هو واحد : أنّه ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربنا. وقول القائل إنه عزوجل أحديّ المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربنا عزوجل»(2).
فالإمام (عليه السلام) لم يكتف ببيان المقصود من توصيفه سبحانه بأنه واحد ، بل أشار إلى معنى آخر من معاني توحيده وهو كونه أحديّ الذات ، الذي يهدف إلى كونه بسيطا لا جزء له في الخارج والذهن. وهذا المعنى هو الذي نطرحه على بساط البحث في القسم الثاني من التوحيد الذاتي.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان البراهين العقلية على توحيده سبحانه بمعنى كونه واحدا لا ثاني له.
____________
(1) شرح المنظومة ، ص 333.
(2) توحيد الصدوق ، ص 83 ـ 84.