المشكلة التي يعاني منها الجانب الحكومي في الدول المضيفة في مراجعة نفقات الشركات النفطية
تقوم الدول المضيفة، والتي عادة ما تكون دولاً نامية، بما فيها الجمهورية اليمنية، بالعمل على استغلال مورد النفط من خلال إبرام العديد من الاتفاقيات مع الشركات النفطية الأجنبية، وفقاً لعقود المشاركة في الإنتاج. وقد تمثلت السمة المشتركة في تلك الاتفاقيات، في أن تتولى الشركة النفطية إدارة تنفيذ العقد. وقد نصت عقود المشاركة في الإنتاج على أن من حق الدولة ممثلة في الجهة التي تمثلها، القيام بمراجعة نفقات الشركات النفطية الأجنبية العاملة، وفقاً للعقد ولما ورد في الملحق المحاسبي لكل اتفاقية مشاركة.
إن الهدف من مراجعة الجانب الحكومي للنفقات، في ظل عقود المشاركة في الإنتاج، ليس التحقق من نتيجة النشاط من ربح أو خسارة أو مصداقية قائمة المركز المالي، وإنما الهدف هو تحديد كميات الإنتاج التي سيتم تقسيمها بين الدولة كطرف، وبقية الشركاء كطرف آخر، وفقاً للحصص المحددة في العقد. ويتم تحقيق ما سبق من خلال التوصل إلى نفط الكلفة Cost Oil ، وهو كمية الزيت المعادلة للنفقات التي يحق للشركة النفطية استردادها خلال السنة، في تغطية ما سبق وتكبدتة من تكاليف وفقاً لشروط الاتفاق. وبمجرد تحديد التكاليف القابلة للاسترداد، يتم تحديد الكمية التي يتم استبعادها في مقابل ذلك، وبالتالي يتم التوصل إلى صافي الإنتاج الذي يوزع بين الدولة والشركة النفطية حسب النسب المحددة في عقد المشاركة في الإنتاج.
وفي ضوء ما سبق، فإن محور مراجعة الجانب الحكومي هو تحديد النفقات القابلة للاسترداد، من مجموع النفقات التي وردت في قوائم النفقات Statement of (SOEs )Expenditures التي تعد من قبل الشركة النفطية العاملة. وهذا النوع من المراجعة يختلف عن ذلك الذي يهدف إلى التأكد من المركز المالي وصحة نتيجة النشاط، والتي تحكمها أسس المحاسبة والمراجعة المتعارف عليها في ظل المحاسبة المالية. كذلك فإنه يختلف عن مراجعة الشركة النفطية العاملة من قبل الشركاء غير العاملين، الذين يدخلون مجتمعين كطرف واحد مع الدولة، والتي تحكم كيفية تلك المراجعة كل من عقد تشغيل الشراكة ونشرات صادرة من منظمات مهنية متخصصة في مجال محاسبة ومراجعة المنشآت النفطية.
إن هذه النشرات تهدف في الأساس إلى تنظيم علاقة الشركاء فيما بينهم، وليس علاقة الشركة العاملة مع الدولة. وبالرغم من وجود تشابه في كيفية مراجعة جوانب معينة، غير أن هناك جوانب في غاية الأهمية لا تتناولها تلك النشرات، وهو ما يسبب الفجوة أو النقص في تلبية متطلبات المراجعة من قبل الجانب الحكومي لنفقات الشركة الأجنبية العاملة. وذلك العلاقة التعاقدية الخاصة بين كل من الدولة والشركة الأجنبية من جهة، وبسبب بسبب الترتيبات الإدارية التي تنظم سير العمل بينهما من جهة ثانية، وبسبب وجود اتفاقات تالية لعقد المشاركة في الإنتاج أو وجود مراسلات تنظم جوانب معينة من جهة ثالثة وأخيرة. وهذا يعني أن المراجعة في ظل عقود المشاركة تختلف عن غيرها من حيث الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها والأسس التي يتم الاستناد إليها في تنفيذ المراجعة، والتحضير لها، ومحتويات التقرير وغير ذلك من الجوانب.
مع العلم أن الإطار العام الذى يحكم مراجعة نفقات الشركات النفطية من قبل الجانب الحكومي هو المعيار الدولي للمراجعة رقم 800 (المراجعة ذات الغرض الخاص) وبالذات مراجعة مدى الالتزام بالاتفاقيات التعاقدية Compliance Audit او كما يسميها البعض بمراجعة الإذعان وكما هو معروف فان الهدف العام من هذا النوع من المراجعة هو إبداء الراي الفني المحايد عن المهمة موضوع المراجعة بغض النظر عن طبيعة المهمة، غير أن الآلية التي تتبع في كيفية التنفيذ تختلف باختلاف كل مهمة على حدة، ومنها الآلية او الكيفية التي يجب اتباعها عند مراجعة نفقات الشركات النفطية من قبل الجانب الحكومي وهو ما سيتم التركيز عليه في هذا الفصل.
إن المنظمات المحاسبية المهنية الدولية المتخصصة بمجال النفط، لم تصدر نشرة واحدة عن كيفية قيام الجانب الحكومي بمراجعة نفقات الشركات النفطية العاملة. وقد يرجع السبب إلى أن الشركات النفطية الحاصلة على الامتيازات النفطية، والتابعة لتلك الدول، ليست في حاجة لمثل تلك النشرات، بل من يريد ذلك هو الجانب الحكومي في الدول التي يستخرج منها النفط، وعادة ما تكون دولاً نامية، والمستوى المحاسبي المهني غير متطور فيها. وما يؤكد الحقائق السابقة أن مجلس جمعيات محاسبي النفط (Council of Petroleum Accountants Societies (COPAS أصدر العديد من النشرات التي تنظم جوانب المحاسبة والمراجعة للشركات العاملة في مجال النفط، إلا أن تلك النشرات لا تشتمل على كيفية مراجعة الجانب الحكومي لنفقات الشركات النفطية، في ظل عقود المشاركة في الإنتاج. بل حتى شركات المراجعة الدولية لم تتضمن أدلة المراجعة التي أصدرتها، الجوانب المرتبطة بمراجعة الجانب الحكومي لنفقات الشركات النفطية، في ظل عقود المشاركة في الإنتاج. إضافة إلى ما سبق فإن المنظمات المهنية المحاسبية في الوطن العربي، بما فيها الجمهورية اليمنية لم تصدر أية أسس أو إجراءات لكيفية مراجعة نفقات الشركات النفطية من قبل الحكومة، وتوضيح كيفية الإعداد والتنفيذ للمراجعة، وكذا محتوى وإعداد تقرير المراجعة في ظل عقود المشاركة في الإنتاج. وهذا يرجع للمستوى المتواضع لتلك المنظمات المهنية.
وفي ضوء كل ما سبق، تظهر أبعاد مشكلة المراجعة، والحاجة لسد النقص الشديد في مجال مراجعة الجانب الحكومي لنفقات الشركات النفطية، في ظل عقود المشاركة في الإنتاج، في العديد من الدول المضيفة، بحكم حداثة الصناعة، والقصور الموجود في المؤسسات الأكاديمية والجامعات في مجال محاسبة النفط بصورة عامة، وفي مجال مراجعة نفقات الشركات النفطية في ظل عقود المشاركة في الإنتاج بصورة خاصة.