0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

إدارة أخطاء المراهقين / أساليب التربية بالعقوبة

المؤلف:  مياسة شبع

المصدر:  فن التعامل مع المراهقين

الجزء والصفحة:  ص152 ــ 169

2026-10-03

10

+

-

20

تُعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل التي تشهد كثرة الأخطاء والتجارب العفوية، حيث يسعى المراهق لاكتشاف ذاته وإثبات استقلاله، مما يجعله أحيانًا يقع في سلوكيات غير صحيحة، سواء كان ذلك بوعي منه أو بدونه. وهنا يبرز دور المربين في إدارة هذه الأخطاء بحكمة، بحيث لا تؤدي ردود الأفعال القاسية إلى تعقيد المشكلة، ولا يؤدي التساهل المفرط إلى تطبيع السلوك الخاطئ.

سنتطرق إلى أهم الجوانب المرتبطة بإدارة أخطاء المراهقين، مع تقديم إرشادات عملية تسهم في توجيه المراهقين نحو التصرف الصحيح دون المساس بثقتهم بأنفسهم أو إضعاف علاقتهم بمن يوجههم.

ـ أسالِيبُ التَّرْبِيَةِ بِالْعُقُوبَةِ

الأساليب المستخدمة في التربية بالعقوبة عديدة ومتنوعة، ويمكن استخدامها في كل المراحل العمرية، حتى قبل بلوغ الطفل من التمييز، عدا أسلوب العقوبة البدنية بالضرب، التي تنحصر مشروعيتها فيما بين مرحلة التمييز والبلوغ - كما سنبين لاحقاً. ويمكن استعمال أساليب التربية بالعقاب مع كل القيم التربوية في كافة المجالات كالإيمانية والأخلاقية السلوكية والعبادية وبالأخص الصلاة، والمهارات الحياتية، وفي التربية الجنسية والمالية والاجتماعية وغيرها، وإليكم أبرز أساليب التربية بالعقاب(1):

1. الحرمان المؤقت: امنع ولدك الذي ارتكب الحرام، كترك الصلاة، من بعض الامتيازات والوسائل الاعتيادية، مثل التشجيع، والخروج، واللعب ببعض الألعاب، ومشاهدة التلفاز، واستخدام مواقع التواصل والإنترنت، وشراء بعض الحاجيات أو تلقي الهدايا، مع التأكيد على عدم حرمانه من الحاجات الأساسية كالغذاء والنوم.

2. ترك المعاشرة: جرب مع ولدك هذا الأسلوب بإظهار عدم الرضا عن سلوكه، مثل العبوس والتجاهل. وقد استخدم نبينا (صلى الله عليه وآله) هذا النهج مع أصحابه، فقد روي أنه إذا رأى ما يُنكره ظهر ذلك في ملامحه، كما قال أبو سعيد رضي الله عنه: "وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ"(2)، بل إننا كمكلفين مأمورون بذلك، فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ((أَمَرَنَا رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وآله أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِيْ بِوُجُوهِ مُكْفَهِرَةٍ))(3).

مثال على ذلك: أن يخبر الأب ابنه العاصي الذي ترك الصلاة قائلا: "من الآن فصاعدا ستأكل وحدك، وليس معنا، لأني أخشى أن يحاسبني ربي على إطعامك وأنت تارك للصلاة".

يؤسفنا أن نرى بعض المربين لا يُظهرون أي استنكار للمعصية، بل قد يصل الأمر إلى التأييد والتشجيع، كما تفعل بعض الأمهات عندما تمتدح ابنتها المتبرجة قائلة: "ما هذا الجمال! هذا الثوب وتلك الزينة زادتك تألقا!" دون أن تدرك أنها تشاركها في الإثم، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((من أحب قومًا حشر معهم، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم))(4).

3. فرض أعمال إضافية: يمكنك معاقبة ولدك العاصي بفرض أعمال إضافية ليست من مسؤولياته اليومية، مثل ترتيب المنزل، أو تنظيف الحديقة، أو كتابة دعاء كميل ثلاث مرات، أو صيام يومين، أو يتحمل مسؤولية التسوق وغيرها. ولو تأملنا أحكام الكفارات، لوجدنا أن هذا الأسلوب قد استخدمه الله تعالى مع من يخالف بعض الأحكام، مثل كفارة اليمين، التي تقتضي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، وعند العجز يكون البديل صيام ثلاثة أيام. ويجب على المربي اختيار العقوبة المناسبة لعمر الولد وقدرته، فلا يجوز تكليف طفل في الثامنة من عمره بحمل صناديق ثقيلة تفوق طاقته.

4. أسلوب الذم والتوبيخ: يُعد التوبيخ من الأساليب المؤثرة في التربية، وقد استخدمه رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث دعت الحاجة. فقد روى عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: أنه عَيَّر رجلاً بسواد أمِّه، فوبَّخه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: ((إنك امرُؤٌ فيك جاهلية))(5).

مثال على ذلك: أن تقول لولدك: ((كيف تجرؤ على ترك شكر المنعم؟)) أو ((ألا تعلم أن الصلاة عمود الدين، وبتركها تهدم دينك وتخسر السعادة في الدنيا والآخرة؟)).

لكن ينبغي للمربي أن يتجنب الألفاظ المحرمة كالسب والشتم، وألا يُفرط في استخدام التوبيخ، لما قد يتركه من آثار سلبية على الناشئ. كما يجب أن يراعي الفروق الفردية في الطباع والأخلاق، فبعضهم يكفيه مجرد نظرة قاسية، وآخر قد يرتجف قلبه بالتلميح، بينما هناك من لا يرتدع إلا بالتصريح باللوم والتوبيخ. لذا، على المربي أن يختار الطريقة الأنسب لكل فرد بما يتناسب مع شخصيته.

5ـ التأنيب: ويعني توجيه اللوم والعتاب بأسلوب مؤثر يثير مشاعر المتربي وعواطفه من خلال كلمات مدروسة وواقعية مثل: ((نحن أهلك، ونتأذى ونحزن كثيرًا بسبب تصرفك هذا، إن كنت تريد إسعاد قلب أمك فلا تقدم على هذا الفعل...)).

وينبغي تجنب المبالغة في الكلام، مثل: ((ستقضي علينا بفعلك هذا!))، أو التعميم غير العادل، كقول: ((أنت دائما تفعل هذا ولا تسمع كلامنا أبدًا!))، لما قد يسببه ذلك من إحباط أو عناد لدى المتربي.

6- المفاوضات والتوصل إلى اتفاق: يعتمد هذا الأسلوب على جعل المتربي يشعر بأنه إذا لم يلتزم بالملاحظات والتوجيهات المقدمة إليه بشأن سلوكه الخاطئ، فلن يتم تلبية بعض احتياجاته وطلباته بالمقابل. ويتم هنا التفاوض للوصول إلى اتفاق واضح بين الطرفين، يُفضّل أن يكون مكتوبًا وموقعا، بحيث يشمل ما يجب على كل طرف الالتزام به، مع تحديد العقوبات والإجراءات في حال عدم الامتثال للاتفاق.

 

7ـ الهجر والحرمان العاطفي: يُعد الهجر، أو الإهمال، أو التجاهل من العقوبات الفعالة والمؤثرة، حيث يتعمد الأهل والمربون إظهار الانزعاج والتعامل مع الولد بجفاء، فيحرمونه من العاطفة والحنان والاهتمام المعتاد، مما يجعله يدرك فداحة خطئه، فيرتدع ولا يعود إليه.

يمكن تحديد مدة زمنية يُمنع فيها الابن من الحديث مع أهله مثل قول: ((لا تكلمني لمدة عشرين دقيقة، وفكر بحل لهذه المسألة، واكتبه على ورقة، سأقرأه ثم نناقشه معا))، ويمكن تمديد المدة لكن دون مبالغة، فقد ورد تحذير من إطالة الهجر، كما في الرواية التي جاء فيها أن رجلاً شكا للإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ابنه، فقال له الإمام: ((لا تضربه، واهجره، ولا تطل))(6).

فإطالة فترة الهجر يتسبّب بفتور عاطفي وإلى قسوة قلب الولد ويتعود المربي والمتربي على الجمود والسكون بدل النشاط والحركة والتفاعل.

فالإفراط في الهجر قد يؤدي إلى فتور العاطفة، وقسوة القلب ويعتاد كل من المربي والمتربي على الجمود والانفصال بدل التفاعل والحيوية.

كما يجب على المربي تجنب ممارسة الابتزاز العاطفي غير المقصود، خاصة مع الأطفال، كأن تقول الأم: ((إن فعلت هذا، فلن أحبك مجددا!)). بل ينبغي تثبيت مفهوم الحب دون ربطه بالسلوك فيقال مثلا: ((أنا أحبك دائما، ومهما حدث، لكن هذا التصرف خاطئ، ولا بد من تحمل عواقبه لمساعدتك على التخلص منه)).

8. العزل والإقصاء عن الأنشطة المعززة:

يُعد العزل وسيلة فعالة للتأديب، كإبعاد الطفل في غرفة منفصلة لفترة محددة عند سلوكه العدواني تجاه إخوته، بعد سحب الأجهزة التي يحبها أو قطع الإنترنت عنه. وإذا كان يحب المشاركة في ترتيب المنزل أو أي نشاط آخر، فيمكن حرمانه منه لفترة كنوع من التأديب.

يذكر آية الله محي الدين الحائري الشيرازي (قدس سره): بأن والدته كانت رائدة ذكية في تربية أبنائها، فكانت حين يرتكبون عملا سيئًا، تمنعهم من المشاركة في أعمال المنزل! وهذا تدبير تربوي جميل وفعال؛ بدلا من جعل العمل الجيد عقوبة ومن ثم تكريه الطفل به، كانت تعاقبهم بمنعهم منه، ليشعر الطفل المعاقب لمدة بأنه غير جدير بالمشاركة وينمو عنده حس المسؤولية والهمة العالية، ويدرك بالتدريج أن هذا العمل والمشاركة نعمة ودليل رضا الوالدين عنه وتحفيز له على العطاء والعمل(7).

9. إصلاح ما تم إفساده:

يعد هذا الأسلوب من أكثر الطرق النافعة في التربية، حيث ينبغي أن يدرك الطفل أن الخطوة الأولى بعد أي سلوك مذموم أو تخريبي هي تصحيح الخطأ. فإذا تعمد كسر كأس أو لعبة تخص غيره، فعلى المربي أن يطلب منه إصلاح الموقف، وذلك بالاعتذار لصاحب الحاجة التي أفسدها، ثم تنظيف المكان إن كان عمره يسمح بذلك، بالإضافة إلى تحمل قيمة ما أتلفه من مصروفه الشخصي.

إن إصلاح ما أفسده الإنسان مبدأ قرآني، حيث حثنا الله تعالى عليه بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} [البقرة: 160].

فعدم إلزام الولد بإصلاح ما أفسده يجعله أقل وعيا بعواقب أفعاله، مما قد يدفعه إلى تكرار الخطأ مرة أخرى دون إحساس بالمسؤولية.

10. تكلفة الاستجابة response cost:

يشير هذا المصطلح إلى فقدان الطفل جزءا من المعززات التي يمتلكها نتيجة ارتكابه سلوكًا غير مرغوب فيه أو تخريبيا، مثل فرض غرامات مالية. فمثلا، إذا أضاع حقيبته بسبب الإهمال يلزم بشراء أخرى جديدة من مصروفه الخاص، ليتعلم تحمل عواقب تصرفاته.

من تطبيقات تكلفة الاستجابة (احتساب النقاط)، حيث يتم تخصيص لوحة خاصة للطفل لاحتساب نقاطه، بحيث يُضاف له نقاط عند قيامه بسلوك جيد، وتخصم منه عند ارتكابه سلوكا سيئًا. وفي نهاية الشهر، يتم جمع النقاط واستبدالها بهدية وفقا لما تم الاتفاق عليه مسبقا، مثل: (عشر نقاط مقابل قطعة حلوى، وعشرون نقطة مقابل لعبة).

كما توجد تطبيقات جاهزة تعتمد على نظام مشابه، حيث يتم استبدال النقاط بالنجوم، ويُفضل أن يشارك أكثر من طفل في التحدي ليحفز بعضهم بعضًا على تحسين سلوكهم.

11. اختيار العقوبة: يعتمد هذا الأسلوب على منح الطفل فرصة لاختيار عقوبته من بين ثلاث عقوبات مشروعة وتربوية يحددها المربي، أو يُطلب منه أن يجلس منفردًا ويفكر في ثلاث عقوبات يقترحها بنفسه، مثل: ((الحرمان من المصروف، أو عدم زيارة صديقه هذا الأسبوع، أو أخذ الهاتف منه لمدة يوم)). بعد ذلك، يختار المربي واحدة منها ليطبقها الطفل على نفسه. أما إذا اختار عقوبات غير مناسبة، مثل: ((الذهاب للنوم، أو الصمت لمدة ساعة، أو ترتيب غرفته))، فيطلب منه اقتراح ثلاث عقوبات أخرى أكثر جدية.

قد يعترض بعضهم بأن العقوبات التي يقترحها الطفل لا توازي حجم الخطأ، لكن ينبغي التفريق بين التأديب والتعذيب، فالتأديب يهدف إلى تقويم السلوك، وهو بحاجة إلى صبر، ومتابعة، وحوار واستمرار في التوجيه، أما الصراخ في وجه الطفل أو معاقبته بشدة، فهو تعذيب وليس تأديبا. كثيرًا ما يعاقب الأبناء بعقوبات تفوق خطأهم ليس بسبب تصرفهم، وإنما لأن العقوبة تأتي ممزوجة بغضب المربي وضغوطه الحياتية، فيصبح الطفل ضحية توتر الأهل وانفعالاتهم. ولهذا، يشعر الآباء بالندم بعد العقاب بسبب تسرعهم أو عدم قدرتهم على ضبط أعصابهم.

عندما يُطلب من الطفل أن يجلس منفردًا ويفكر في ثلاث عقوبات ليختار المربي واحدة منها، يكون هذا الموقف بحد ذاته تأديبا، حيث يؤدي إلى حوار داخلي بين الطفل وذاته، مما يجعله أكثر وعيا بخطئه ويساعده على إصلاح سلوكه. وقد جرب هذا الأسلوب في بعض الأسر ووجدوا أنه ناجح، لأن الطفل عندما يختار العقوبة وينفذها، يصبح النزاع بينه وبين الخطأ، وليس بينه وبين والديه، مما يساعد في الحفاظ على رابطة الحب بين الأهل والطفل، ويضمن احترام شخصيته وإنسانيته دون إهانة أو تحقير.

إذا تأملنا في نهج النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) في التأديب، نجد أنه كان يحترم المخطئين ولا يقبل إهانتهم، كما يظهر ذلك في قصة المرأة الغامدية التي زنت، وحين شتمها أحد الصحابة، قال له النبي (صلى الله عليه وآله): ((إنها تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم))(8)، وهذا يدل على أن الاحترام للمخطئ يبقى ما دام ملتزما ببرنامج التأديب والإصلاح.

يُستنبط هذا الأسلوب من المنهج القرآني في التأديب، حيث يمنح الله تعالى المخطئ خيارات متعددة للكفارات، مثل كفارة تعمد الإفطار في رمضان (إطعام ستين مسكينا، أو صيام شهرين متتابعين، أو عتق رقبة)، وإذا خالف الإنسان نذره عامدا. وجبت عليه الكفارة وهي: (عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم)(9)، وهذا يدل على أن إعطاء المخطئ خيارات متعددة في العقوبة أسلوب تربوي راقي، يساعد في تصحيح السلوك بفعالية(10).

12- إثابة المحسن: فقد روي عن أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أنه قال: ((ازجر المسيء بثواب المحسن))(11).

(ولا شك أن الثواب والعقاب قانونان حقيقيان في هذا الكون، يسيران بسياق متساو لتحقيق العدل والحق، إذ لا يتحقق شيء إذا كان هنالك ثواب بلا عقاب، أو عقاب بلا ثواب، فلا يتحقق العدل والاستقرار إلا بوجود الثواب إلى جنب العقاب والعقاب إلى جنب الثواب فيصرف الثواب لمن يستحقه والعقاب على من يستحقه، لكيلا يتساوى الخير مع الشر، والصلاح مع الفساد، والحق مع الباطل.

روي في عهد أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأشتر - لما ولاه على مصر - أنه قال له: لا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن ذلك تزهيد لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريب لأهل الإساءة على الإساءة، فألزم كلا منهم ما ألزم نفسه، أدبا منك ينفعك الله به وتنفع به أعوانك(12).

فإذا كان المحسن والمسيء متساويين أمام الحاكم والمربي فإن المحسن يصبح زاهداً في إحسانه، بينما يتشجع المسيء على مواصلة إساءته، لأن المحسن لا يجد الثواب على إحسانه، والمسيء لا يجد العقاب على إساءته)(13).

13- الإنذار أو التهديد

الإنذار أو التهديد هو أسلوب تأديبي يهدف إلى ترهيب الطفل بالعقاب لتوليد الشعور بالخوف من عواقب أفعاله، وهو منهج قرآني ورد في قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 71، 72].

ومن الأمثلة على ذلك التهديد بالضرب، فقد ورد في الأمثال الشعبية الحكيمة (لوح بسيف العز ولا تضرب به). فالتلويح بالعقاب يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من إنزاله الفعلي. لا بأس أن يشعر الطفل بأنه تجاوز الخطوط الحمراء وأن هناك تصعيدا غير مسبوق، لكن مع إفساح المجال له للإصلاح والتراجع عن الخطأ، فالتوبة باب مفتوح، والتائب حبيب الله وحبيب أهله أيضًا. وقد ورد عن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((عُقوبَةُ العُقلاءِ التلويح))(14).

وتذكر ابنة الإمام الخميني (رضوان الله عليه) بأن الإمام لم يكن يضرب أبناءه أبدًا، حتى إذا تجاوز أحد الصبيان الحد وارتكب عملا قبيحا جدا، كان الإمام ينادي مثلا بصوت مرتفع يسمعه الولد المخطئ أحضروا لي العصا ثم يبدأ بفك أزرار أكمامه وطيها بهدوء في تمثيل واضح، مانحا الفرصة لذاك الصبي للهروب الى آخر الحي... ثم الرجوع بعد أن تكون هدأت الأجواء والاعتذار و... ((يا سريع الرضا))!

ومن المهم أن يكون التهديد بالعقاب ضمن الحدود المشروعة، فلا يجوز أن يتوعد المربي الطفل بأمور لا يجوز تنفيذها أو يعلم أنه لن ينفذها أصلا، مثل التهديد بالقتل، الضرب المبرح، أو الطرد من البيت، كأن يقول: (والله لأكسر رأسك وأقتلك وأموتك!) وكأننا في مشهد من مجزرة لمصاصي الدماء! كما يجب تجنب التخويف بالخرافات مثل (الغول سيأكلك!)، لأن هذا ليس سوى كذب لا حقيقة له، وقد يترك أثرًا نفسيا سلبيا على شخصية الطفل الناشئ.

14. العقوبة البدنية: العقوبة البدنية - كالضرب - هي وسيلة تأديبية تهدف إلى إحداث ألم جسدي بسيط لشخص ما بقصد التأديب والإصلاح، أو الردع عن سلوك غير مقبول، روي عن رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، أنه قال: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر..))(15).

ومع ذلك، ينبغي أن تستخدم فقط بعد استنفاد جميع الأساليب التربوية الأخرى التي تعتمد على الثواب والتعزيز، وكذلك بعد اللجوء إلى أشكال العقاب الأخرى المذكورة سابقا، مثل الحرمان والهجر وغيرها. فإذا لم يجد أي من هذه الأساليب نفعا، يمكن حينها اللجوء إلى الضرب كآخر الحلول، كما يُقال: (آخر الدواء الكي). ومع الأسف، نجد أن بعض المربين يلجؤون إليه كأول أسلوب، بل يعتبرونه الوسيلة الوحيدة النافعة، مما قد يولد ردة فعل عكسية لدى الطفل، في حين أن الشريعة نهتنا عن استخدامها وقت الغضب، روي عن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((لا أدب مع غضب))(16).

رب تساؤل يرد: ما هي ضوابط وشروط العقوبة البدنية؟

الجواب: لقد وضعت الشريعة شروطاً وضوابط مشدّدة للعقوبة البدنية للطفل، وهي كالآتي(17):

1. تنحصر مشروعية العقوبة البدنية للطفل من سن التمييز حتى البلوغ. أما سن التمييز، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى القول بأن مرحلة التمييز عند الطفل تبدأ من سن 6 أو 7 سنوات، وهناك أقوال أخرى وإن ظهرت أنها مختلفة في العبارات إلا أن مفادها كلها منحصر في معيار واحد وهو: (إن معيار سن التمييز عند الطفل هو أن يصل إلى مرحلة عمرية تُصبح لديه عندها ملكة التمييز بنحو إجمالي بين الحسن والقبيح والضار والنافع في الحياة. ولا ريب في أن مجالات التمييز تختلف بلحاظ متعلقاتها، الجنسية والسياسية والمالية والعبادية.. إلخ)(18).

وأما علامة البلوغ في الأنثى إكمال تسع سنين هلالية، وهو يعادل ثمان سنين ميلادية وثمانية أشهر وعشرون يوماً تقريباً.

بينما يتحقق البلوغ في الذكر في أحد الأمور: الأول: نبات الشعر الخشن على العانة، وفي الخد وفي الشارب. والثاني: خروج المني.

والثالث: إكمال خمس عشرة سنة هلالية، وهو يعادل أربعة عشر سنة ميلادية وستة أشهر وخمسة عشر يوماً تقريباً(19).

الخلاصة: لا تجوز العقوبة البدنية قبل سن التمييز ولا بعد البلوغ، وعلى الوالدين الحذر من مخالفة ذلك، لما قد يترتب عليه من الوقوع في الحرام ووجوب دفع الدية.

2. أن يكون الضارب من قبل الولي وهو الأب أو والجد للأب ولا يجوز لأمه أو لأخيه أو لأي شخص آخر ضربه إلا إذا كانوا مأذونين من الولي.

3. أن لا يكون ضربه لغرض التشفي والانتقام بل لغرض التأديب.

4. فشل المربي في ردعه عن السلوك المنحرف بأساليب الترغيب المتنوعة، وبالثواب والتعزيز ومنها: أسلوب التربية بالحوار والموعظة، قال الامام علي (عَلَيْهِ السَّلَام): ((أدب صغار أهل بيتك بلسانك))(20)، وبالمدح والثناء والهدايا وغيرها، فإذا انحصرت الوسيلة التي يتوقف عليها التأديب بالعقوبة البدنية جاز ذلك. بمعنى أن العقاب البدني يقع آخر لائحة الإجراءات، ويُلجأ إليه بعد استنفاد جميع المحاولات الأخرى.

5. ينبغي أن لا يكون إلا بعد استنفاذ أساليب العقوبة الأخرى، كالعقوبة العاطفية كأن تظهر أنك غير راضٍ عنه فتهجره لمدة ليست طويلة.

6. أن يحتمل في ضربه التأثير وإلا لا يجوز.

7. أن يضربه من أجل ارتكاب الطفل السلوك غير المرغوب فيه فعلاً، لا الأخذ على التهمة والشبهة المجردة، أو المعاقبة على ذنب متوقع الحدوث منه في المستقبل.

8ـ معرفة الطفل بكون هذا السلوك غير مرغوب فيه.

9. الأحوط وجوباً أن لا يزيد على ثلاثة أسواط، وبرفق لا بغلظة. روي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((رُبَّمَا ضَرَبْتُ الْغُلَامَ فِي بَعْضٍ مَا يَحْرُمُ فَقَالَ: وَكَمْ تَضْرِبُهُ فَقُلْتُ: رُبَّمَا ضَرَبْتُهُ مِائَةً فَقَالَ: مِائَةٌ مِائَةً فَأَعَادَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: حَدَّ الزَّنَى اتَّقِ اللَّهَ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَمْ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَضْرِبَهُ فَقَالَ وَاحِداً فَقُلْتُ وَاللَّهَ لَوْ عَلِمَ أَنِّي لَا أَضْرِبُهُ إِلَّا وَاحِدًا مَا تَرَكَ لِي شَيْئًا إِلَّا أَفْسَدَهُ فَقَالَ فَاثْنَتَيْنِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا هُوَ هَلَاكِي إِذَا قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُمَاكِسُهُ حَتَّى بَلَغَ خَمْسَةٌ ثُمَّ غَضِبَ فَقَالَ يَا إِسْحَاقُ إِنْ كُنْتَ تَدْرِي حَدَّ مَا أَجْرَمَ فَأَقِمِ الْحَدَّ فِيهِ وَلَا تَعَدَّ حُدُودَ اللَّهَ))(21).

وهناك روايات حددت الضرب بثلاثة وسماحة السيد السيستاني دام ظله يحتاط أن لا يزيد الضرب على ثلاثة. وجاء في حديث الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ): حينما سئل عن أدب الصبي فقال: ((خمسة أو ستة وارفق))(22).

10. التدرج في العقاب من الأضعف إلى الأقوى، فلا يجوز تجاوز حد الكفاية في الضرب مثلاً، بمعنى أنه لو كانت ضربة واحدة كافية في التأديب، لا تجوز الضربة الثانية، وهكذا.

11. ينبغي تجنب ضرب الأماكن الحساسة في جسم الطفل، كالرأس والوجه وغيرهما.

12. ينبغي أن تكون أداة الضرب بطبيعتها لا تلحق الأذى والضرر بالطفل، لأن ضربه مشروط بسلامته من الأذى والضرر. فلا يجوز أن يكون الضرب مدمياً ولا شديداً وإذا أثر في اسوداد البدن او ازرقاقه او احمراره وجبت الدية(23).

إن عدم الالتزام بالضوابط الشرعية والتربوية يؤدي إلى آثار سلبية متعددة، منها:

* تنمية السلوك العدواني: عندما يعتاد الطفل على الضرب، حتى لو كان مزاحًا، فإنه يراه سلوكًا طبيعيا، مما يجعله يمارسه مع الآخرين، سواء في المزاح أو الانتقام.

* غرس ذكريات سلبية: تبقى تجارب الطفولة في ذاكرة الطفل، فإما أن يتذكر والديه بالعطف والحنان، أو بالضرب والعقاب، لذا يجب تجنب العنف الجسدي والعاطفي.

* إضعاف الثقة بالنفس: خلال السنوات الأولى، تتشكل صورة الطفل عن نفسه، وقد تؤدي الضربات، حتى لو كانت على سبيل المزاح، إلى شعوره بالإهانة، مما يجعله أكثر تقبلا للإساءة من الآخرين.

* تشويش إدراكه للصواب والخطأ: حينما يمنع الطفل من التعرض للضرب، ثم يمارسه والداه معه، فإنه يتلقى رسالة متناقضة تجعله يتساءل عن حقيقة كونه مرفوضا أو مقبولا.

___________________________________

(1) كتاب لمسات تربوية - مياسة شبع - ج 22 - ص 75-92.

(2) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 16 - ص 230.

(3) الكافي - الشيخ الكليني - ج 5- ص 59.

(4) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 65 - ص 131.

(5) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 3 - ص 2213.

(6) عدة الداعي ونجاح الساعي - أحمد بن فهد الحلي - ص 87.

(7) قناة الكوثر الفضائية / alkawthartv.ir/ أسطورة التربية ((بالعصا لمن عصى))! - الدكتور محمد عليق.

(8) صحیح مسلم ـ كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا.

(9) الفتاوى الميسرة - السيد السيستاني - ص 328.

(10) موقع بريد الأنباء الالكتروني / كتاب وآراء جاسم المطوع / أسلوب ذكي لمعاقبة الأبناء، بتصرف.

(11) نهج البلاغة: الحكمة ،177، خصائص الأئمة (عليهم السلام): 110، عيون الحكم والمواعظ: 75 / 1827 وفيه ((بفعل «بدل» بثواب)).

(12) تحف العقول ـ ابن شعبه الحراني - ص 130، وراجع نهج البلاغة: الكتاب53.

(13) كيف تتربع على القمة؟ - هادي المدرسي - ص 58-69.

(14) غرر الحكم: ح 6328 - ح 6329.

(15) تذكرة الفقهاء - العلامة الحلي - ج 4 - ص 533.

(16) غرر الحكم: 21401،92501.

(17) كتاب لمسات تربوية - مياسة شبع - ج 22 - ص 100-105.

(18) التربية الإسلامية للطفل - مركز المعارف للتأليف والتحقيق ص 29-39- بتصرف.

(19) موقع مكتب سماحة السيد السيستاني sistani.org/ الاستفتاءات/ البلوغ في الذكر والأنثى - يتصرف.

(20) تنبيه الخواطر - ورام بن أبي الفراس - ص 390.

(21) الكافي - الكليني - ج 7 - ص 267.

(22) مباني تكملة المنهاج - الخوئي - ج 1 - ص 340.

(23) يقول الفقهاء تختلف الدية بحسب كون الاحمرار والازرقاق والاسوداد في الوجه أو اليد ففي الاحمرار دينار ونصف من الذهب في الوجه ونصفها في البدن والازرقاق ثلاثة دنانير في الوجه ونصفها في البدن والاسوداد ستة دنانير في الوجه ونصفها في البدن على الأحوط، علماً أن الدينار الشرعي، يعادل ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي أي حوالي 4,250 غراما من الذهب. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد