من الخطأ الواضح ، عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة وتصوير أن الطائفتين تقولان بأن أفعال الله سبحانه غير معللة بالأغراض ، وهو خطأ محض كيف وهذا صدر المتألهين يخطّئ الأشاعرة ويقول : إنّ من المعطلة قوما جعلوا فعل الله تعالى خاليا عن الحكمة والمصلحة ، ومع أنك قد علمت أن للطبيعة غايات (1).
وقال أيضا : إنّ الحكماء ما نفوا الغاية والغرض عن شيء من أفعاله مطلقا بل إنما نفوا في فعله المطلق إذا لوحظ الوجود الإمكاني جملة واحدة ، غرضا زائدا على ذاته تعالى وأما ثواني الأفعال والأفعال المخصوصة والمقيدة فاثبتوا لكل منها غاية مخصوصة كيف وكتبهم مشحونة بالبحث عن غايات الموجودات ومنافعها كما يعلم من مباحث الفلكيات ومباحث الأمزجة والمركبات وعلم التشريح وعلم الأدوية وغيرها (2).
وعلى ذلك فنظرية الحكماء تتلخص في أمرين:
1 ـ أن أفعاله غير متصفة بالعبث واللغو وأن هنا مصالح وحكما تترتب على فعله ، يستفيد بها العباد ، ويقوم بها النظام.
2 ـ إذا لوحظ الوجود الإمكاني على وجه الإطلاق فليس لفعله غرض خارج عن ذاته ، لأن المفروض ملاحظة الوجود الإمكاني جملة واحدة والغرض الخارج عن الذات لو كان أمرا موجودا فهو داخل في الوجود الإمكاني وليس شيئا وراءه.
ويقولون : ليس الغرض شيئا خارجا عن الذات وإنما الغرض نفس ذاته ، لئلا يكون ناقص الفاعلية لأن الحاجة إلى شيء خارج عن ذاته في القيام بالفعل ، آية كونه ناقصا في الفاعلية ، والمفروض أنه سبحانه تام في فاعليته ، غني في ذاته وفعله عن كل شيء سوى ذاته (3).
ثم إنّ لهم بيانا فلسفيا ممزوجا بالدليل العرفاني يهدف إلى كون الغرض من الخلق هو ذاته سبحانه وبه فسروا قوله سبحانه :(ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وقوله في الحديث القدسي : «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف» والله سبحانه هو غاية الغايات. ومن أراد الوقوف على برهانهم فليرجع إلى أسفارهم (4).
____________
(1) الأسفار ، ج 2 ، ص 280.
(2) الأسفار ، ج 7 ، ص 84.
(3) الأسفار ، ج 2 ، ص 263.
(4) لاحظ الأسفار ، ج 2 ، ص 263.