يبدو أن الفينيقيين كانوا على اتصالٍ بهذه المناطق في هذا الوقت أيضًا. وبينما ينبغي علينا أن نُفكر في كون القبارصة والفينيقيين يتعاونون أو يتنافسون على الأسواق الغربية في ذلك الوقت؛ فإن كورو ترفض هذا الاحتمال. وتقول: «إن غياب الأغراض الشرق أوسطية خلال الفترة نفسها في منطقة بحر إيجه يُعزِّز السيناريو القائل بأن القبارصة كانوا الزوار الوحيدين المُحتمَلين ﻟ… كريت و… البر الرئيسي اليوناني» (1). ومع ذلك، يبدو أن هذا موضوعٌ آنَ أوانُ طرحه لمزيد من المناقشة.
إننا نعرف أن الفينيقيين كانوا على اتصالٍ بمصر في هذه المرحلة، وهو أمرٌ غير مفاجئ. وعلى وجه الخصوص، لدَينا التفاصيل من قصةٍ تُعرَف باسم «حكاية وِن آمون»، والتي كُتبَت على لفافة بردية اكتُشِفَت في عام 1890 داخل الجرَّة نفسها في موقع الحيبة في مصر، مثل قائمة آمون-إم-أوبت.
كان وِن آمون كاهنًا مصريًّا أُرسِل من معبد آمون في الكرنك للحصول على خشب الأَرز اللبناني لصُنع قاربٍ جديد كان مِن المُقرَّر بناؤه وتكريسه للإله آمون رع. ويرجَّح أن رحلته جرَت حوالي عام 1075 قبل الميلاد، خلال العقود الأولى من القرن الحادي عشر (2). تبدأ القصة المُسجَّلة على المخطوطة على النحو التالي:
في السنة الخامسة، الشهر الرابع من الموسم الثالث، اليوم السادس عشر، غادَرَ وِن آمون، شيخُ بوابة معبد آمون، [ربِّ العروش] في الأرضين، للحصول على أخشاب للزَّوْرق النهري العظيم والنبيل لآمون رع، ملك الآلهة … وفي اليوم الذي وصلتُ فيه إلى تانيس، في المكان [الذي يوجَد فيه] سمندس وتانيت آمون، أعطيتُهما الخطابات من آمون رع، ملك الآلهة، وقد قُرئت في حضرتَيهما … أرسلَني سمندس وتانيت آمون مع قائد السفينة مِنجيبِت، وتوجَّهنا إلى البحر السوري العظيم (3).
أبحَرَ وِن آمون أولًا إلى مدينة دور، التي تقع الآن في شمال إسرائيل، والتي وصفها بأنها بلدةٌ «تجيكرية». يقول: «وصلتُ إلى دور، وهي بلدةٌ تجيكرية. وكان لدى بِدِر، أميرها، خمسون رغيفًا، وجرَّة واحدة من النبيذ، وفخذُ ثورٍ أحضرها لي.» كان التجيكر أحدَ شعوب البحر المذكورة في الهجوم على مصر في عهد رمسيس الثالث، والذي وطَّنهم بعد ذلك في «معاقل تحت إمرتي». كانوا أيضًا إحدى المجموعات الثلاث المذكورة في قائمة آمون-إم-أوبت.
لم يُقدِّم موقع تل دور، جنوب مدينة حيفا المعاصرة، والذي كان الأثريون يُجرون فيه باستمرار تقريبًا عمليات تنقيب منذ عام 1990 والذي سأذكُره مرةً أخرى في الصفحات القادمة، الكثير من الأدلة على أنه معقل لشعوب البحر المهزومة، على الرغم من مناقشةِ قصة وِن آمون كثيرًا. بدلًا من ذلك، يحتوي الموقع على الكثير من الفخار الفينيقي في المستويات الأثرية للقرن الحادي عشر، مما أضاف الكثير إلى معرفتنا ﺑ «فينيقيا الجنوبية». وفي الآونة الأخيرة، عثَرَ علماء الآثار البحرية من جامعة حيفا على أدلةٍ تُشير إلى وجود ميناء يعود إلى العصر الحديدي في دور، كان مستخدمًا خلال القرنَين الحادي عشر والعاشر قبل الميلاد. وقد أظهرَت عمليات التنقيب تحت الماء التي أُجرِيَت في السنوات القليلة الماضية أنَّ ما كان يُعتقد أنه شعابٌ مرجانية طبيعية؛ هو في الواقع جزءٌ من حجرٍ صخري جيد البناء، كان يُستَخدَم رصيفَ ميناء أو حاجزَ أمواج (4).
ولسوء حظِّ وِن آمون، بينما كان راسيًا في ميناء دور، سرَقَ بحَّارٌ من سفينته الأغراض الثمينة المُخصَّصة لدفع ثمَنِ الأخشاب. وشملَت هذه الأغراض إناءً ذهبيًّا وأربعَ جرار فضِّية، وحافظةً تحتوي على قطع من الفضة. وبعدما أبلغ وِن آمون عن السرقة لأمير دور، الذي لم يتلقَّ منه أيَّ تعاطُف أو رضًا، مضى أبعدَ شمالًا في الأراضي الفينيقية، إلى مدينة جبيل. وهناك الْتقى بأمير المدينة، رجُلٌ يُدعى تجيكر-بعل، الذي كان باديَ العِداء، وربما كان هذا انعكاسًا لتغيُّر وضع مصر الدولي. كان على بعثة وِن آمون أن تنتظِر حتى تُرسَل من مصر أغراضٌ بديلة لتلك التي سُرقَت حتى يمكن دَفْع ثمَن الأخشاب وقطَع الأشجار. وعندما وصلَت الأغراض أخيرًا، كانت تتضمن أربعة أوعية ذهبية وإناءً ذهبيًّا آخر؛ وخمسة أوعية من الفضة؛ وعشر قطع من الملابس؛ وخمسمائة حصيرةٍ من الكتان الناعم (أو لفَّات ورق البردي)؛ وخمسمائة جِلدِ ثور؛ وخمسمائة حبل؛ وعشرين كيسًا من العدس؛ وخمس سِلال من الأسماك (5).
يقول وِن آمون: «ففرح الأمير، وأرسل ثلاثمائة رجُل وثلاثمائة ثورٍ وعيَّنَ مُشرِفين مسئولين عنهم لقطع الأخشاب. فقطعوها، وبقيَت هناك طوال فصل الشتاء. وفي الشهر الثالث من الموسم الثالث، نُقِلَت إلى شاطئ البحر.» ويُخبرنا وِن آمون أن الخشب حُمِّل على سفينة، وأن الأمير «ودَّعني من هناك عند ميناء البحر» عائدًا إلى مصر.
ومع ذلك، لم تكن تلك نهاية مِحَن وِن آمون ومصاعبه. انحرفَت السفينة عن مسارها على الفور تقريبًا ورسَت في النهاية في قبرص. كاد بعض أهل البلدة التي وجد نفسه فيها حينئذٍ، والتي لم يذكر اسمها، يقتلون وِن آمون؛ ولم يُنقِذه إلا مجيء أميرتها، هاتيبا، لمساعدته وإصدارها أمرًا بالقبض على هؤلاء الأشخاص. تنقطع مخطوطة البردي والقصة عند هذه النقطة. لا نعرف كيف انتهَت، على الرغم من أنَّ وجود القصة يُشير إلى أن وِن آمون تمكَّن في النهاية من العودة إلى مصر.
كانت «حكاية وِن آمون» هذه موضوعًا للعديد من المناقشات العلمية على مدار القرن الماضي. لا يزال غير واضح إن كان السِّجل الرسمي لرحلةٍ تاريخية فِعلية أم قطعةٍ من خيال سردي. ولكنَّ تفاصيل الرواية تبدو صادقةً للغاية وتتناسب بشكلٍ جيد مع أجواء العصر، عندما استمرَّت مكانةُ مصر على المسرح الدولي في التراجُع وواجهَت تشرذمًا سياسيًّا، حتى إنها عادةً ما تُعتبر انعكاسًا للحقبة العامة قُرب نهاية عهد رمسيس الحادي عشر، آخِر فراعنة الأسرة العشرين (على الرغم من أنها ربما تكون قد دُوِّنَت بُعَيد ذلك، إما خلال الأسرة الحادية والعشرين أو الثانية والعشرين) (6).
...........................................................
(1) Kourou 2019: 78. Note that in 2016, Kourou had earlier written: “From the 11th c. onwards a new pattern of travel and trading networks, in which eventually Phoenicians become involved, starts gradually to develop. The phenomenon can best be followed in Crete, where a large number of Cypriot and Phoenician objects have been found in Early Iron Age (EIA) contexts, while Cretan art frequently betrays Cypriot or Levantine influence” (Kourou 2016: 51).
(2) The date has been the subject of much discussion; see, e.g., Wente 2003: 116 and Jeffers 2013: 22-23. See further details below.
(3) Translation follows Wente 2003: 116–24; several other translations of the tale have recently been republished as Pritchard [1958] 2011: 14–21; and Lichtheim 2019: 561–68. See also detailed discussions, with further references, in Kitchen 1973: 251-52; Dothan 1982: 4-5; Clayton 1994: 170-71; Hallo and Simpson 1998: 284-85; Aubet 2001: 356–62; Sherratt 2003: 52; Eyre 2012: 133; Broodbank 2013: 445–48; Jeffers 2013: 22-23; Ben-Dor Evian 2017: 34-35; Elayi 2018: 100–104; Dodson 2019: 16–19; Yasur-Landau 2019: 417–20; López-Ruiz 2021: 284-85.
(4) See, e.g., Gilboa 2005, 2006-7, 2015; Gilboa, Sharon, and Boaretto 2008; Sharon and Gilboa 2013; Stern 2013; Yasur-Landau 2019; Arie 2020: 6. On the new discovery of remains from the Iron Age harbor at Dor, see now Arkin Shalev, Gilboa, and Yasur-Landau 2019; Arkin Shalev, Galili, et al. 2021.
(5) Note that there are some differences in the various translations; for instance, Pritchard translated the name of the prince of Byblos as Zakar-Baal, rather than Tjekkerbaal (though this might just be a difference in pronunciation), and there is a difference between “smooth linen” and “rolls of papyrus.” See also Kuhrt 1995: 408 on the items (re)sent to Wenamun and again Yasur-Landau 2019 on the treatment of Wenamun at Byblos.
(6) See, e.g., Wente 2003: 116; Ben-Dor Evian 2011: 97; Jeffers 2013: 22-23. See also now esp. Yasur-Landau 2019. On the discussions as to whether it is the official record of an actual historical voyage or a piece of narrative fiction, see, e.g., Markoe 2000: 27-28; Aubet 2001: 30-31, 114–17; Wente 2003: 116; Edrey 2019: 36; Sader 2019b: 35, 81, 272; on the eleventh century B.C. date, see also Fales 2017: 218-19; Sass 2002 suggests that it might be of tenth century B.C. date.