المتن العشرون بعد المائتين:
قال أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام: مرض النبي صلّى اللّه عليه وآله المرضة التي عوفي منها، فعادته سيدة النساء ومعها الحسن والحسين عليهما السّلام، وقد أخذت الحسن عليه السّلام باليد اليمنى والحسين عليه السّلام باليد اليسرى وهما يمشيان وفاطمة عليها السّلام بينهما، حتى دخلوا منزل عائشة.
فقعد الحسن عليه السّلام على جانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الأيمن والحسين عليه السّلام على جانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الأيسر. فأقبلا يغمزان ما يليهما من بدن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. فلما أفاق النبي صلّى اللّه عليه وآله من نومه قالت فاطمة للحسن والحسين عليهم السّلام: حبيبيّ، إن جدكما قد غشي فانصرفا ساعتكما هذه ودعاه حتى يفيق وترجعان إليه. فقالا: لسنا ببارحين في وقتنا هذا.
فاضطجع الحسن عليه السّلام على عضد النبي صلّى اللّه عليه وآله الأيمن والحسين عليه السّلام على عضده الأيسر، فغفيا وانتبها قبل أن ينتبه النبي صلّى اللّه عليه وآله، وقد كانت فاطمة عليها السّلام لما ناما انصرفت إلى منزلها. فقالا لعائشة: ما فعلت أمّنا ؟ قالت: لما نمتما رجعت إلى منزلها.
فخرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد، وبرق وقد أرخت السماء عزالها. فسطع لهما نورا فلم يزالا يمشيان في ذلك النور والحسن عليه السّلام قابض بيده اليمنى على يد الحسين عليه السّلام اليسرى، وهما يتماشيان ويتحدّثان حتى أتيا حديقة بني النجار. فلما بلغا الحديقة حارا فبقيا لا يعلمان أين يأخذان ؟
فقال الحسن للحسين عليهما السّلام: إنا قد حرنا وبقينا على حالتنا هذه ما ندري أين نسلك، فلا علينا أن ننام في وقتنا هذا حتى نصبح. فقال له الحسين عليه السّلام: دونك أخي، فافعل ما ترى.
فاضطجعا فاعتنق كل واحد منهما صاحبه وناما.
وانتبه النبي صلّى اللّه عليه وآله من نومته التي نامها وطلبهما في منزل فاطمة عليها السّلام، فلم يكونا فيه فافتقدهما. فقام النبي صلّى اللّه عليه وآله قائما على رجليه وهو يقول: يا إلهي وسيدي ومولاي، هذان شبلاي خرجا من المخمصة والمجاعة؛ اللهم أنت وكيلي عليهما. فسطع للنبي صلّى اللّه عليه وآله نور فلم يزل يمضي في ذلك النور، حتى أتى حديقة بني النجار. فإذا هما نائمان قد اعتنق كل واحد منهما صاحبه وقد تقشّطت السماء فوقهما كطبق، فهي تمطر كأشد مطر لم يراه الناس قط، وقد منع اللّه عز وجل المطر منهما في البقعة التي هما فيها نائمان، لا تمطر عليهما قطرة، وقد اكتنفتهما حية لها شعرات كآجام القصب وجناحان، جناح غطّت به الحسن عليه السّلام وجناح قد غطّت به الحسين عليه السّلام.
فلما أن بصرهما النبي صلّى اللّه عليه وآله تنحنح. فانسابت الحية وهي تقول: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك أن هذين شبلا نبيك قد حفظتهما عليه ودفعتهما إليه سالمين صحيحين. فقال لها النبي صلّى اللّه عليه وآله: أيتها الحية ! من أنت ؟ قالت: أنا رسول الجن إليك. قال:
وأي الجن ؟ قالت: جن نصيبين، نفر من بني فليح؛ نسينا آية من كتاب اللّه عز وجل فبعثوني إليك لتعلمنا ما نسينا من كتاب اللّه عز وجل. فلما بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادى: أيتها الحية، هذان شبلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فاحفظيهما من العاهات والآفات ومن طوارق الليل والنهار. فقد حفظتهما وسلّمتهما إليك سالمين صحيحين.
وأخذت الحية الآية وانصرفت، وأخذ النبي صلّى اللّه عليه وآله الحسن عليه السّلام فوضعه على عاتقه الأيمن ووضع الحسين عليه السّلام على عاتقه الأيسر، وخرج علي عليه السّلام فلحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. فقال له بعض أصحابه: بأبي أنت وأمي، ادفع إليّ أحد شبليك أخفّف عنك. فقال: امض فقد سمع اللّه كلامك وعرف مقامك. وتلقاه آخر فقال: بأبي أنت وأمي، ادفع إليّ أحد شبليك أخفّف عنك. فقال: امض فقد سمع اللّه كلامك وعرف مقامك.
فتلقاه علي عليه السّلام فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، ادفع إليّ أحد شبليّ وشبليك حتى أخفّف عنك. فالتفت النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى الحسن عليه السّلام فقال: يا حسن، هل تمضي إلى كتف أبيك ؟
فقال له: واللّه يا جداه إن كتفك لأحب إليّ من كتف أبي. ثم التفت إلى الحسين عليه السّلام فقال؛ يا حسين، هل تمضي إلى كتف أبيك ؟ فقال: واللّه يا جداه إني أقول كما قال أخي: إن كتفك لأحب إليّ من كتف أبي.
فأقبل بهما إلى منزل فاطمة عليها السّلام، وقد ادّخرت لهما تمرات. فوضعتها بين أيديهما، فأكلا وشبعا وفرحا.
قالت أم سلمة: كان النبي صلّى اللّه عليه وآله عندي وأتاه جبرئيل. فكانا في البيت يتحدثان، إذ دقّ الباب الحسن بن علي عليه السّلام. فخرجت أفتح له الباب، فإذا الحسين عليه السّلام معه فدخلا. فلما أبصرا جدهما شبّها جبرئيل بدحية الكلبي، فجعلا يحفّان به ويدوران حوله. فقال جبرئيل:
يا رسول اللّه، أما ترى الصبيين ما يفعلان ؟ فقال: يشبّهانك بدحية الكلبي، فإنه كثيرا ما يتعاهدهما ويتحفهما إذا جاءنا.
فجعل جبرئيل يومئ بيده كالمتناول شيئا، فإذا بيده تفاحة وسفر جلة ورمانة، فناول الحسن عليه السّلام. ثم أومئ بيده مثل ذلك، فناول الحسين عليه السّلام. ففرحا وتهلّلت وجوههما وسعيا إلى جدهما. فأخذ التفاحة والرمانة والسفر جلة فشمّها، ثم ردّها إلى كل واحد منهما كهيئتهما، ثم قال لهما: صيرا إلى أمكما بما معكما، وبدؤكما أبيكما أعجب إليّ.
فصارا كما أمرهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، فلم يأكل منها شيء حتى صار إليهما، فإذا التفاح وغيره على حاله. فقال: يا أبا الحسن، ما لك لم تأكل ولم تطعم زوجتك وابنيك ؟
وحدّثه الحديث. فأكل النبي صلّى اللّه عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام، وأطعمنا أم سلمة. فلم يزل الرمان والسفر جل والتفاح كل ما أكل منه عادا إلى ما كان، حتى قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.
قال الحسين: فلم يلحقه التغيير والنقصان أيام فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. فلما توفّيت فقدنا الرمان وبقي التفاح والسفر جل أيام أبي. فلما استشهد أمير المؤمنين عليه السّلام فقد السفرجل وبقي التفاح على هيئته عند الحسن عليه السّلام، حتى مات في سمّه. ثم بقي التفاحة إلى الوقت الذي حوصرت عن الماء. فكنت أشمّها إذا عطشت، فتكسّر لهب عطشي. فلما اشتد عليّ العطش عضضتها وأيقنت بالفناء.
قال علي بن الحسين عليه السّلام: سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة. فلما قضى نحبه وجد ريحها من مصرعه، فالتمست فلم ير لها أثر. فبقي ريحها بعد الحسين عليه السّلام، ولقد زرت قبره فوجدت ريحها تفوح من قبره. فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر فليلتمس ذلك في أوقات السحر، فإنه يجده إذا كان مخلصا.
المصادر:
روضة الواعظين: ج 1 ص 158.
المتن الحادي والعشرون بعد المائتين:
قال الأشعث وجوهر الكلبي لعلي عليه السّلام: يا أمير المؤمنين، حدّثنا في خلواتك أنت وفاطمة عليها السّلام. قال: نعم، بينما أنا وفاطمة عليها السّلام في كساء إذ أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نصف الليل، وكان يأتيها بالتمر واللبن ليعينها على الغلامين.
فدخل بيننا ووضع رجلا بحيالي ورجلا بحيالها. فبكت فاطمة عليها السّلام فقال لها: ما يبكيك يا بنية ؟ فقالت: حالنا كما ترى في كساء نصفه تحتنا ونصفه فوقنا.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: يا فاطمة، أما تعلمين إن اللّه تعالى اطلع اطلاعة من سمائه إلى أرضه فاختار منها أباك، فاتخذه نبيا وصفيا وبعثه برسالته وائتمنه على وحيه. يا فاطمة، أو ما تعلمين إن اللّه اطلع اطلاعة ثانية من سمائه إلى أرضه فاختار منها بعلك، وأمرني أن أزواجه إياك واتخذه وصيا. يا فاطمة، أو ما تعلمين إن العرش سأل ربه أن يزيّنه بزينة لم يزيّن بها شيئا من خلقه؛ فزيّنه بالحسن والحسين عليهما السّلام، ركنين من أركان الجنة.
المصادر:
1. المحتضر: ص 94.
2. المنتخب للطريحي: ص 297.
الأسانيد:
في المحتضر: روى عن كتاب الأمالي للطوسي، بأسناده إلى الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت الأشعث بن قيس الكندي وجوهر الكلبي قالا لعلي عليه السّلام.
المتن الثاني والعشرون بعد المائتين:
عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الفجر، ثم قام بوجه كئيب وقمنا معه، حتى صار إلى منزل فاطمة عليها السّلام. فأبصر عليا عليه السّلام نائما بين يدي الباب على الدقعاء. فجلس النبي صلّى اللّه عليه وآله فجعل يمسح التراب على ظهره ويقول: قم فداك أبي وأمي يا أبا تراب.
ثم أخذ بيده ودخلا منزل فاطمة عليها السّلام فمكثنا هنيئة، ثم سمعنا ضحكا عاليا. ثم خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بوجه مشرق. فقلنا: يا رسول اللّه ! دخلت بوجه كئيب وخرجت بخلافه ؟ فقال: كيف لا أفرح وقد أصلحت بين اثنين أحب أهل الأرض إليّ وإلى أهل السماء.[1]
المصادر:
علل الشرائع: ج 1 ص 155 ح 1.
الأسانيد:
في علل الشرائع: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن علي السكري، قال: حدثنا الحسين بن حسان العبدي، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن يحيى بن عبد اللّه، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال.
المتن الثالث والعشرون بعد المائتين:
عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان بين علي وفاطمة عليهما السّلام كلام، فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ألقى له مثال[2]. فاضطجع عليه فجاءت فاطمة عليها السّلام فاضطجعت من جانب وجاء علي عليه السّلام فاضطجع من جانب. فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يده فوضعها على سرته وأخذ يد فاطمة عليها السّلام فوضعها على سرته، فلم يزل حتى أصلح بينهما، ثم خرج.
فقيل له: يا رسول اللّه ! دخلت أنت على حال وخرجت ونحن نرى البشرى في وجهك ؟ قال: ما يمنعني وقد أصلحت بين اثنين أحب من على وجه الأرض إليّ.[3]
المصادر:
علل الشرائع: ج 1 ص 156 ح 2.
الأسانيد:
في علل الشرائع: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن الحسين السكري، قال: حدثنا عثمان بن عمران، قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن عبد العزيز، عن حبيب بن أبي ثابت، قال.
المتن الرابع والعشرون بعد المائتين:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه ؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول اللّه ؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل؛ وكان علي عليه السّلام يخصف نعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الحجرة عند فاطمة عليها السّلام.
المصادر:
1. حديقة الشيعة: ص 168، عن مسند أحمد ومناقب الخوارزمي.
2. مسند أحمد بن حنبل، على ما في حديقة الشيعة.
3. المناقب للخوارزمي، على ما في حديقة الشيعة.
المتن الخامس والعشرون بعد المائتين:
عن الصادق عليه السّلام، قال: أن النبي صلّى اللّه عليه وآله جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام في بيته وأخبرهم بأنهم سيلقون من أعاديهم شدة وقال: إن اللّه عز وجل يقول:
قد جعلت عدوكم لكم فتنة، فما تقولون ؟ فقالوا: نصبر لأمر اللّه وما نزل من قضائه حتى نقدّم عليه. فنزلت هذه الآية: «وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً»[4]؛ وإنهم سيصبرون كما قالوا.
المصادر:
1. تفسير البرهان: ج المقدمة ص 262، عن كنز الفوائد.
2. كنز الفوائد، على ما في تفسير البرهان.
المتن السادس والعشرون بعد المائتين:
عن زيد بن زياد، قال: خرج النبي صلّى اللّه عليه وآله من بيت عائشة فمرّ على بيت فاطمة عليها السّلام، فسمع حسينا عليه السّلام يبكي. فقال صلّى اللّه عليه وآله: ألم تعلمي أن بكائه يؤذيني.
المصادر:
1. من مناقب أهل البيت عليهم السّلام للسيد محمد الجفري: ص 83.
2. مجمع الزوائد: ج 9 ص 201.
3. ذخائر العقبى: ص 143.
4. المعجم للطبراني، على ما في من مناقب أهل البيت عليهم السّلام.
المتن السابع والعشرون بعد المائتين:
قال عمران بن حصين: خرجت يوما فإذا أنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قائم، فقال لي: يا عمران، أن فاطمة عليها السّلام مريضة، فهل لك أن تعودها ؟ قال: قلت: فداك أبي وأمي، وأيّ شرف أشرف من هذا ؟ وقال: فانطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فانطلقت معه، حتى أتى الباب فقال:
السلام عليك، أدخل ؟ قالت: وعليكم، أدخل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: أنا ومن معي ؟
قالت: والذي بعثك بالحق ما عليّ إلا هذه العباءة. وقال: ومع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ملاءة خلقة، فرمى بها فقال: شدّي على رأسك، ففعلت. ثم قالت: أدخل.
فدخل ودخلت معه، فقعد عند رأسها وقعدت قريبا منه. فقال: أي بنية، كيف تجدك ؟ قالت: واللّه يا رسول اللّه إني وجعة وإني ليزيدني وجعا إلى وجعي أن ليس عندي ما آكل. قال: فبكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبكت وبكيت معهما. فقال لها: أي بنية، تصبري - مرتين أو ثلاثا -، ثم قال لها: يا بنية، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين ؟ قالت: يا ليتها ماتت[5]، فأين مريم بنت عمران ؟ قال لها: أي بنية، تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك[6]، والذي بعثني بالحق لقد زوّجتك سيدا في الدنيا وسيدا في الآخرة، لا يبغضه إلا كل منافق.
المصادر:
1. فضائل فاطمة الزهراء عليها السّلام لابن شاهين: ص 34 ح 13.
2. مشكل الآثار: ج 1 ص 50، على ما في هامش الفضائل.
3. ذخائر العقبى: ص 43.
4. حلية الأولياء: ج 2 ص 42.
5. المعجم لابن الأعرابي ( مخطوط ): ج 2 ص 34.
6. المناقب لابن المغازلي: ص 315 ح 453.
7. العدد القوية: ص 225 ح 20، بزيادة ونقيصة.
8. إحياء العلوم، على ما في العدد.
الأسانيد:
1. في فضائل فاطمة الزهراء عليها السّلام: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، حدثنا يوسف بن محمد بن صاعد، حدثنا ليث بن داود القسيس - وكان يقال فيه خيرا -، أنبأنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال:
2. في مناقب ابن المغازلي: أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن الحسين بن يعقوب الواسطي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن الحسين بن جهضم الهمداني، أخبرنا أبو يحيى الحلواني، حدثنا عبد اللّه بن داهر، عن عمرو بن جميع، عن عروة بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، عن عمران بن حصين، قال.
المتن الثامن والعشرون بعد المائتين:
قال أبو هارون: أصبح علي عليه السّلام ذات يوم فقال: يا فاطمة، هل عندك شيء تغدّينيه ؟
قالت: لا والذي أكرم أبي بالنبوة ما عندي شيء أغدّيكه، ولا كان لنا بعدك شيء منذ يومين من طعمه إلا شيء أوثرك به على بطني وعلى ابني هذين. قال: يا فاطمة، ألا أعلمتيني حتى أبغيكم شيئا ؟ قالت: إني استحي من اللّه أن أكلّفك ما لا تقدر عليه.
فخرج من عندها واثقا باللّه وحسن الظن به واستقرض دينارا. فبينا الديا نار بيده أراد أن يبتاع لهم ما يصلح لهم، إذ عرض له المقداد في يوم شديد الحر، قد لوّحته الشمس من فوقه وآذته من تحته.
فلما رآه أنكره؛ قال: يا مقداد، ما الذي أزعجك من رحلك هذه الساعة ؟ قال:
يا أبا حسن، خلي سبيلي ولا تسألني عما ورائي. فقال: يا أخي، إنه لا يحلّ لك أن تكتمني حالك.
قال: أما إذ أبيت فوالذي أكرم محمدا بالنبوة ما أزعجني من رحلي إلا الجهد، ولقد تركت أهلي يبكون جوعا؛ فلما سمعت بكاء العيال لم تحملني الأرض، فخرجت مغموما راكبا رأسي. فهذه حالي وقصتي.
فهملت عينا علي عليه السّلام بالبكاء حتى بلّت دموعه لحيته، قال: أحلف بالذي حلفت، ما أزعجني غير الذي أزعجك، ولقد اقترضت دينارا فهاك، آثرك به على نفسي.
فدفع إليه الديا نار ورجع حتى دخل مسجد النبي صلّى اللّه عليه وآله، فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب. فلما قضى النبي صلّى اللّه عليه وآله صلاة المغرب مرّ بعلي عليه السّلام في الصف الأول، فغمّزه برجله. فقام علي عليه السّلام خلف النبي صلّى اللّه عليه وآله حتى لحقه عند باب المسجد، فسلّم عليه فردّ السلام. فقال:
يا أبا الحسن، هل عندك شيء تعشّينا ؟ فانفتل إلى الرجل فأطرق علي عليه السّلام ساعة لا يحير جوابا حياء من النبي صلّى اللّه عليه وآله، وقد عرف الحال التي خرج عليها. فلما نظر إلى سكوت علي عليه السّلام قال: يا أبا الحسن ! ما لك، أولا تقول نعم فأجيء معك ؟ فقال له: حبا وكرامة، بلى اذهب بنا؛ وكان اللّه تعالى قد أوحى إلى نبيه صلّى اللّه عليه وآله أن تعشى عندهم.
فقال علي عليه السّلام: بلى. فأخذ النبي صلّى اللّه عليه وآله بيده، فانطلقا حتى دخلا على فاطمة عليها السّلام في مصلى لها، وقد صلت وخلفها جفنة تفور دخانا. فلما سمعت كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله في رحلها خرجت من المصلى فسلّمت عليه - وكانت أعز الناس عليه -، فردّ السلام ومسح بيده على رأسها وقال: كيف أمسيت رحمك اللّه ؟ عشّينا غفر اللّه لك وقد فعل.
فأخذت الجفنة فوضعتها بين يديه. فلما نظر علي عليه السّلام إليه وشمّ ريحه رمى فاطمة عليها السّلام ببصره رميا شحيحا. فقالت له: ما أشحّ نظرك وأشده ؟ سبحان اللّه ! هل أذنبت ؟ فما بيني وبينك ذنبا استوجبت به السخط. قال: وأيّ ذنب أعظم من ذنب أصبتيه اليوم ؟ أليس عهدي بك اليوم وأنت تحلفين باللّه مجتهدة ما طعمت طعاما من يومين ؟ !
فنظرت إلى السماء فقالت: إلهي يعلم في سمائه ويعلم في أرضه إني لم أقل إلا حقا.
قال: فأني لك هذا الذي لم أر مثل رائحته ولم آكل أطيب منه ؟ فوضع النبي صلّى اللّه عليه وآله كفه المباركة بين كتفي علي عليه السّلام، ثم هزّها وقال: يا علي ! هذا ثواب لديا نارك، هذا جزاء دينارك، هذا من عند اللّه؛ «إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ».[7]
ثم استعبر النبي صلّى اللّه عليه وآله باكيا فقال: الحمد للّه الذي هو أبى لكما أن يخرجكما من الدنيا حتى يجريك في المجرى الذي أجرى زكريا، ويجريك فيه يا فاطمة بالمثال الذي جرت فيه مريم: «كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً...».[8]
المصادر:
فضائل فاطمة الزهراء عليها السّلام: لابن شاهين: ص 36، ح 14.
الأسانيد:
في الفضائل: حدثنا أحمد بن محمد بن سليم بن الحارث الباغندي، حدثنا محمد بن خلف الحدادي، حدثنا حسين بن حسن الأشقر، حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون، عن أبي سعيد، وعن عمر بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد بنحوه والسياق لأبي هارون، قال.
المتن التاسع والعشرون بعد المائتين:
عن زيد بن أرقم، قال: حنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه على علي وفاطمة وحسن وحسين عليهم السّلام فقال: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم.
المصادر:
تاريخ دمشق: ج 14 ص 157 ح 3481.
الأسانيد:
في تاريخ دمشق: أخبرنا أبو محمد بن طاوس، أنا أبو الغنائم بن أبي عثمان، أنا عبد اللّه بن عبيد اللّه بن يحيى، قالا: أنا أبو عبد اللّه المحاملي، نا عبد الأعلى بن واصل، نا الحسين بن الحسن الأنصاري - يعرف بالقري -، نا علي بن هاشم، عن أبيه، عن أبي الجحاف، عن مسلم بن صبيح، عن زيد بن أرقم، قال.
[1] لا يخفى أن في هذا الحديث وبعده لفت نظر مبسوط، نذكر ملخصه ما أورده الصدوق في ذيل حديث الآتي، وهو قوله: ليس هذا الخبر عندي بمعتمد ولا هو لي بمعتمد في هذه العلة، لأن عليا وفاطمة عليهما السّلام ما كان ليقع بينهما كلام يحتاج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى الإصلاح بينهما، لأنه سيد الوصيين وهي سيدة نساء العالمين ؛ مقتديان بنبي اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الخلق....
[2] المثال: الفراش الّذي ينام عليه.
[3] قد مرّ البحث عن مشكل هذين الحديثين في ذيل الحديث المذكور آنفا.
[4] سورة الفرقان: الآية 20.
[5] هكذا في المصدر، والظاهر أن هذه العبارة زائدة من قلم الناسخين.
[6] هذه العبارة مردودة، لتواتر الأحاديث بأن فاطمة عليها السّلام سيدة نساء العالمين.
[7] سورة آل عمران: الآية 37.
[8] سورة آل عمران: الآية 37.