0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

السلوك الإجرامي

المؤلف:  محمد سامي نعمان

المصدر:  التعسف في استعمال السلطة واثره في المسؤولية الجزائية في التشريع العراقي

الجزء والصفحة:  ص126-137

2026-09-15

22

+

-

20

إن للسلوك الإجرامي ضمن القانون الجنائي معنى اصطلاحياً يضيق في بعض جوانبه عن معناه ضمن فروع أخرى من المعرفة كعلم النفس أو الفلسفة، إذ إن السلوك لديها يتضمن إلى جانب الحركات الافكار والرغبات والمقاصد وان لم تتجسد في صورة الحركة العضلية ضمن العالم الخارجي (1)، بينما ضمن نطاق القانون الجنائي لا يدخل في معنى السلوك إلا التصرف الذي يتخذ مظهرا خارجيا ومن ثم لا يدخل في مفهومه الافكار والمقاصد (2) . أما المشرع العراقي فقد عرفه تحت صورة الركن المادي للجريمة وذلك بقوله في المادة (28) من قانون العقوبات العراقي الركن المادي للجريمة هو سلوك إجرامي بارتكاب فعل جرمه القانون أو الامتناع عن فعل أمر به القانون".
ويلاحظ أن المعنى الفلسفي أوسع من المعنى القانوني، حيث إن الاتجاه الفلسفي يذهب إلى الاعتداد بالسلوكيات الكامنة في النفس والتي لا يعتد بها القانون، إذ إن القانون لا يجرم سلوكاً إلا إذا اتخذ مظهراً خارجياً، وقد عرف المشرع العراقي السلوك الإجرامي تحت عنوان (الفعل) بأنه كل تصرف جرمه القانون سواء كان ايجابيا أم سلبيا كالترك والامتناع مالم يرد نص على خلاف ذلك"(3).
ويشترط من أجل تجريم أي سلوك أو فعل أن يتوافر في ذلك السلوك شروط وعناصر معينة منصوص عليها في نص جزائي، وأن العناصر المادية لجريمة التعسف تشترط لقيامها أن تبدأ بالسلوك المادي للجريمة، بمعنى أن وصف سلوك أو فعل ما بأنه إجرامي، يقتضي أن يأتي مطابقا للأنموذج القانوني الذي يحدده النص العقابي، فالنص العقابي يمثل مصدر الصفة غير المشروعة للسلوك الإجرامي (4).
وتأسيساً على ذلك، يمكن القول إن الجريمة ترتبط بالسلوك الإجرامي وجوداً وعدماً، ويعني هذا أن انتفاء صفة السلوك الإجرامي يؤدي إلى نفي وصف الجريمة عن الواقعة وان توافر الركن المعنوي لها، إذ لا جريمة بغير نشاط مادي يظهر إلى العالم الخارجي ويقوم الدليل عليه (5)، لذا فإن الفعل لا الفاعل هو الاساس الذي ينهض عليه النص الجزائي الخاص في الوقت الراهن، لأن انتفاء وجود هذا الفعل يترتب عليه عدم إمكانية تطبيق أحكام النص الجزائي(6).
ونصت المادة (329 /ثالثاً) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل على جريمة التعسف بالقول تطبق العقوبات ذاتها على الموظف أو الوكيل الرسمي الذي يسرح، ينزل درجة، ينقل، يهدد، يرهب، يميز ،ضد، يضايق، ينتقم بأي طريقة أخرى من أي شخص يبلغ أو يتعاون . مع لجنة النزاهة العامة العراقية أو المفتش العام في الوزارة أو ديوان الرقابة المالية العليا أو أي جهة حكومية أخرى مختصة بالتحقيق وفضح الفساد وإساءة التصرف من قبل المسؤولين عن المؤسسات العامة"(7). ويتضح لنا من نص المادة (329 / ثالثا) عقوبات، إن السلوك الإجرامي يتخذ صوراً متعددة، وهذا ما سوف نبينه وفقاً لما يلي:
أولاً: التسريح
إن التسريح بوصفه سلوكاً مجرماً لجريمة التعسف في استعمال السلطة وردت الاشارة اليه في نص المادة (329 ثالثاً) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل يراد به الحاجز الذي يفصل بين الشيئين (8)، وايضا يأتي بمعنى الإبعاد والإخلال (9). أما من الناحية الاصطلاحية فيقصد به العمل الانفرادي بموجبه يبدي صاحب العمل إرادته لإنهاء عقد العمل الغير محدد المدة (10).
وتجدر الإشارة إلى أن مفردة (التسريح) لم يرد لها ذكر في تشريعات الوظيفة العامة، وإنما ورد في القوانين العسكرية (11) ، وغالباً ما يستخدم هذا المصطلح في القطاع الخاص، وبهذا نعتقد أن المشرع العراقي لم يكن موفقاً باختياره لمصطلح التسريح، وبالنتيجة يكشف لنا على وجود ضعف في الصياغة التشريعية، فلا يوجد ترابط بين قانون العقوبات والقوانين الأخرى، فقد اغفل المشرع وجود علاقة وثيقة بين قانون العقوبات والقوانين الأخرى، لذا كان من الافضل استعمال مصطلح (الفصل أو الاقصاء أو العزل) (12) للدلالة على أبعاد الموظف أو انهاء خدماته.
من المفيد ذكره في هذا المقام أن مصطلح التسريح يستخدم في لبنان للإشارة إلى حالة انهاء خدمات الموظف المؤقت(13).
ثانياً: تنزيل درجة
وتنزيل الدرجة هي إحدى العقوبات الانضباطية التي تمت الإشارة إليها ضمن القوانين العراقية (14).
ويقصد بها "جعل الموظف في الدرجة دون درجته مباشرة، ولا يرفع منها إلى الدرجة التي تليها عند استكمال الشروط المتقضية للترفيع بموجب قانون الخدمة المدنية، ومن الملاحظ أن هذه العقوبة يترتب عليها ضرر شديد سواء كان مادياً أم معنوياً، إذ تؤدي إلى فقدان جزء كبير من راتبه الشهري ولمدة طويلة، فعلى سبيل المثال إذا كان الموظف في الدرجة الرابعة وشمل بعقوبة تنزيل الدرجة لا يتم ترفيعه في تاريخ الاستحقاق إلا بعد خمس سنوات في ضوء قانون الخدمة المدنية رقم (24) لسنة 1960 (15) ، لذلك يكون الضرر المادي والمعنوي كبير على الموظف وفي ذلك أقرت المحكمة الإدارية العليا مبدأ قانوني في إحدى أحكامها مضمونة يترتب على عقوبة تنزيل الدرجة تنزيل راتب الموظف إلى راتب الدرجة التي دون درجته دون أن يمس ذلك عنوانه الوظيفي أو درجته الوظيفية(16).
لذا فإن المسؤول قد يلجأ إلى هذه الوسيلة كرد فعل على تعاون رجل الادارة أو الموظف مع الجهات التحقيقية لكشف حالات الفساد من غير أن يستند إلى أدلة معتبرة التي أكد عليها القضاء العراقي الذي ذهب بالقول وجدت المحكمة أن المعترض يعترض على الأمر الوزاري المرقم (2615) في 2023/6/8 المتضمن معاقبته بعقوبة تنزيل الدرجة لإضراره بسمعة الهيئة من خلال تواصله مع المتهمين في الدعاوى التي تحقق بها......... وحيث إن المخالفة ينبغي أن تستخلص استخلاصا سائغا من أدلة معتبرة تفصح بشكل لا لبس فيه عن قيام الموظف بارتكابها ، وحيث إن معاقبة المعترض لم تستند إلى أدلة معتبرة، لذا يكون الأمر محلاً الطعن غير صحيح ومخالفاً للقانون...(17).
وإذا ما أثبتت الوقائع ان الادارة التجأت إلى فرض العقوبة اعلاه بسبب الحالات المنصوص عليها ضمن المادة (329 / ثالثاً) من قانون العقوبات العراقي فإن المسؤولية الجزائية تكون قائمة بحق ذلك الموظف الذي أصدر القرار الإداري أو ساهم به جدير بالذكر أن عقوبة تنزيل الدرجة هي عقوبة مؤقتة فقد جاء بقرار مجلس الدولة العراقي بأن عقوبة تنزيل الدرجة عقوبة مؤقتة تزال آثارها بانتهاء مدتها ويعاد الموظف المعاقب إلى وظيفته ودرجته بانقضاء آمدها (18).
ثالثاً: النقل
النقل لغة هو التحويل من موضع إلى موضع أو تحول من مكان إلى آخر (19).
والنقل كصورة من صور السلوك الإجرامي لجريمة التعسف يراد به نقل الموظف من وظيفة إلى إخرى ضمن نطاق المؤسسة أو الوزارة أو نقله إلى مكان آخر من محافظة إلى أخرى أو من إقليم إلى إقليم (20)، وعرف القضاء الإداري العراقي النقل بأنه .... سلطة الإدارة في نقل الموظف من دائرة إلى دائرة أخرى وفقاً للمصلحة العامة مقيدة بعدم تنزيل درجة وعنوان الموظف (21) . ويعد النقل الوظيفي من أهم سمات السلطة التي يتمتع بها المسؤول الإداري ابتغاء تحقيق المصلحة العامة في سبيل سير المرفق العام بانتظام واضطراد (22)، إلا أنه قد يتم استعمال هذه الصلاحية في سبيل الانتقام من موظف معين فتتخذ من قرار النقل غطاء لإخفاء هذه الغاية (23).
وذهب مجلس الدولة بقرار له بالمصادقة على قرار مجلس الانضباط العام القاضي بإلغاء قرار نقل موظف وعده تعسفاً من جانب الادارة باستعمال حقها في النقل فجاء فيه: "اقام المدعي (المميز عليه ) والموظف بدرجة مدير تدقيق في شركة نفط الجنوب التابعة للمميز عليه إضافة لوظيفته الدعوى أمام مجلس الانضباط العام يدعي فيها بأن دائرته أصدرت أمراً إدارياً بنقله إلى شركة مصافي الشمال بسبب تعاونه مع لجنة النزاهة في مجلس النواب لمتابعة قضايا الفساد المالي والإداري .... وبنتيجة المرافعة قرر مجلس الانضباط العام بقراره المؤرخ 2006/12/3 بإلغاء الامر الإداري لكونه نقلاً تعسفياً ولعدم قناعة المميز بالقرار المذكور فقد بادر إلى الطعن به تمييزاً لدى الهيئة العامة في مجلس شورى الدولة...... ولدى التدقيق والمداولة من قبل الهيئة العامة في مجلس شورى الدولة وجدت .... إن قرار الحكم المميز صحيح وموافق للقانون ذلك أن الامر الإداري بنقل المدعي إلى شركة مصافي الشمال يدخل ضمن باب التعسف في استعمال الحق لغرض مصلحة العمل ...(24).
فقرار النقل صدر بسبب تعاونه مع لجنة النزاهة في مجلس النواب لمتابعة قضايا الفساد المالي والإداري دون أن يصدر منه أي تقاعس أو إهمال في عمله، لذا هذا يكون مبرراً لقيام المسؤولية الجزائية بموجب المادة (329 / ثالثاً) من قانون العقوبات العراقي.
وقضى مجلس الدولة العراقي بقرار له بالقول "النقل الذي لا يستند إلى أسباب معتبرة ويلحق ضرراً بالموظف تعسفاً في استعمال السلطة (25).
رابعاً: التهديد
التهديد في اللغة بمعنى التخويف والوعيد : فلان هدد فلاناً تهدده؛ خوفه وتوعده بالعقوبة، هدد سلامته (26).
أما من الناحية الاصطلاحية فيمكن تعريف التهديد على أنه كل فعل أو كتابة من شأنه إلقاء الرعب والخوف في قلب الشخص المهدد من ارتكاب الجاني للجريمة ضد النفس أو المال أو إفشاء أو نسبة أمور مخدشه للشرف، وقد يحمله التهديد تحت تأثير ذلك الخوف إلى إجابة الجاني إلى ما ابتغى متى ما اصطحب التهديد بطلب (27).
ويتجسد التهديد المقصود به هنا كصورة من صور السلوك الإجرامي للتعسف في استعمال السلطة بالعديد من الاشكال، كأن يقوم المسؤول الإداري بتهديد الموظف بالعقوبة كما في النقل التأديبي، أو تهديد الموظف بتكليفه بعمل يفوق طاقته ومن ثم التسبب بالأذى النفسي والجسدي، أو تهديده بالفصل، أو التهديد بالحرمان من الحوافز .
ولكن السؤال الذي يثار هنا هل إن المسؤول الإداري في حالة ما إذا هدد موظفاً آخر تنهض الجريمة المنصوص عليها في المادة (229 ) (28) من قانون العقوبات العراقي ام جريمة التعسف في استعمال السلطة المنصوص عليها في المادة (329/ثالثا) من ذات القانون؟
للإجابة على ذلك نقول : ان التهديد اذا كان واقعا من موظف أو مسؤول اداري على موظف أخر أو شخص عادي ويهدده في أمور داخله ضمن النطاق الوظيفي وضمن صلاحياته يختلف عن التهديد الذي يقع من شخص عادي غير ذي صفة وظيفية، فإذا كان التهديد واقعاً من موظف أو مسؤول إداري على موظف أو مواطن بسبب تعاونه في كشف حالات الفساد وإساءة استعمال السلطة المشار اليها في نص المادة (329 / ثالثا) من قانون العقوبات العراقي، فإن جريمة التعسف المشار اليها في نص المادة أعلاه هي من تنطبق على هذا الفعل وليس المادة 229 من قانون العقوبات العراقي. ولذا نعتقد أن القاضي أو المحكمة لها صلاحية أن تبدل أو تغير الوصف القانوني للجريمة ومن ثم تطبيق نص عقابي دون الآخر، فقد نص قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل على المحكمة التمييز أن تبدل الوصف القانوني للجريمة التي صدر الحكم بإدانة المتهم فيها إلى وصف آخر يتفق مع طبيعة الفعل الذي ارتكبه وتقرر إدانته وفق المادة القانونية التي ينطبق عليها هذا الفعل وأن تصدق العقوبة إذا وجدتها مناسبة للفعل أو تخففها (29).
وكذلك في هذا النطاق قضت محكمة التمييز العراقية بأنه المحكمة التمييز أن تبدل الوصف القانوني للجريمة وتقرر إدانة المتهم وفق المادة القانونية التي تنطبق عليها (30).
خامساً: الترهيب
جاء الترهيب في اللغة مشتقاً من الفعل رهب، أي خاف ورهب الشيء رهباً ورهباً ورهبه خوفه... وترهب غيره إذا توعده ... وأرهبه ورهبه واسترهبه أخافه وفزعه (31). أما اصطلاحا: فيعني كل ما من شأنه أن يخيف ويحذر شخصاً ما من عدم الاستجابة(32).
ونرى من جانبنا أن المشرع أراد من وراء إدراج الترهيب إلى جانب التهديد زيادة الحماية الجنائية للوظيفة والموظف وللشخص العادي، ليكون النص الإجرامي أكثر شمولية.
سادساً: التمييز
التمييز في اللغة يعني تفضيل الشيء على مثله فيقال "ماز" الشيء - ميزا: عزله وفرزه ويقال : امتاز الشيء: بدأ فضله على مثله، وعكس التمييز المساواة فيقال "ساواه" أي ماثله وعادله" (33). وقد أوردت المعاجم الفعل "ميز " متعدياً بنفسه، بمعنى عزل وفرز، وفضل"(34).
وكلمة يميز مشتقة من كلمة (ميز، يميز ، تمييزا، فهو مميز)، فكلمة التمييز تعني اسم تمييز:
مصدر ،میز مییز التمييز بين الحق والباطل ،الفصل العزل التفريق التمييز العنصري، التفرقة بين الناس في حقوقهم وواجباتهم(35).
ويمكن تمثيل هذا السلوك بصورة قيام المسؤول الإداري بالتمييز بين الموظفين بغير حق وانصاف من حيث منح الحوافز والمخصصات وكتب الشكر ، أو تكليفه بعمل خارج ساعات العمل الرسمية أو غير ذلك، رداً على قيام الموظف بالتعاون مع الجهات المختصة بكشف الفساد وإساءة استعمال السلطة، وفي ذلك ذهبت محكمة قضاء الموظفين في إحدى قراراتها بالقول "تعد الادارة متعسفة إذا حجبت مخصصات الموظف كإجراء عقابي بحقه(36).
وإن التطبيق القضائي أعلاه يعطي لمحة عن التمييز الذي من الممكن أن يمارسه المسؤول الإداري ضد مرؤوسيه، وهذا إذا ما ثبت الترابط السببي بين اعتبارات اتخاذ مثل هذه القرارات وبين التعاون أو التبليغ عن حالات الفساد فسيكون سبباً لخضوع ذلك المسؤول للمادة ( 329 / ثالثاً) من قانون العقوبات العراقي.
سابعاً: المضايقة
ويراد من مدلول يضايق في اللغة بمعنى الازعاج والتسبب بالضجر، والتسبب بالمتاعب والمشاكل (37). وتعرف المضايقة في النطاق الوظيفي من الناحية الاصطلاحية بأنها سلوك تعسفي ناتج عن كلمات أو أفعال أو كتابات عدائية متكررة ترتكب ضد الضحية لأسباب تتعلق بشخصه أو عمله، وينتج غالباً عن هذه الممارسات العزلة الوظيفية للموظف الضحية (38).
وبالنتيجة فإن المسؤول الإداري قد يلجأ للمضايقة الإدارية كرد فعل على قيام الموظف أو من في حكمه من كشف الحالات التي تتسم بالفساد واستغلال السلطة وقيامه بدوره الرقابي، فيعمل المسؤول على إخضاع الموظف للضغط والتوبيخ المستمر، وإصدار أوامر بقصد تهميشه وازدراءه أو عدم احترامه، ومنع الترقيات (39).
وفي هذا الشأن ذهبت المحكمة الاتحادية العليا بقرار لها بأن .... الترقية هي سلطة تقديرية للإدارة وليست ملزمة بها بشرط عدم الإساءة أو التعسف في استخدامها عند توفر شروطها ...(40). وهذا يعني أن الادارة من الممكن أن تتعسف في سلطتها التقديرية وتمتنع عن ترقية الموظف المستحق كرد فعل انتقامي على قيام الموظف بدوره الرقابي.
ثامناً: الانتقام
والانتقام في معجم اللغة يأتي بمعنى معاقبة الشخص عما بدر منه وأخذ الثأر (41). في الحقيقة أن مصطلح الانتقام مصطلح واسع يتضمن ضمن ثنايا العديد من الصور، ومن ثم ما يعد من قبيل الانتقام من عدمه مسألة متروكة للجهات المختصة في تحديد ذلك.
ويدخل ضمن صور الانتقام قيام المسؤول الإداري بتكليف الموظف بمهمة قد لا تنسجم معه ما يتمتع به من مؤهلات فنية قيمة، أو تكليفه بعمل يفوق تلك المؤهلات ولا تتلاءم مع مقدرة الموظف، أو إعطاء تقييمات سلبية للأداء، أو إنهاء العقد أو الاجر اذا كان موظفاً مؤقتاً، أو إبعاده من الاجتماعات أو منعه من القيام بأنشطة معينة، أو غير ذلك.
فعلى سبيل المثال ذهبت محكمة قضاء الموظفين في احدى قراراتها بالقول ".... وجدت المحكمة أن المدعي مسؤول شعبة العقود وصدر الأمر محل الطعن المتضمن عدم تسلمه أي مسؤولية فنية أو إدارية أو مالية أو تدقيقية أو قانونية مستقبلا، وحيث إن للسلطة الرئاسية سلطة تقديرية في اختيار من ترى فيه القدرة على إشغال المناصب في المرفق العام فإنه ليس لها مصادرة حق السلطة الرئاسية المستقبلية لتقرر عدم صلاحية تكليف موظف بعينه لأي منصب مستقبلاً، إذ يعد ذلك تعسفاً في استعمال سلطتها، لذا تجد المحكمة عدم مشروعية الفقرة محل الطعن....(42).
والقرار الإداري أعلاه يعطينا لمحة عن إمكانية المسؤول في الانتقام أو النكاية بحق الموظف الذي يتعاون ، مع الجهات المختصة في حماية الوظيفة وحمال المال العام، ومن ثم فإن المسؤول الإداري يستحق الجزاء الأوفى إذا ما انطبق على القرار أعلاه نص عقابي والمتمثل بنص المادة (329 / ثالثاً) عقوبات.
الخلاصة: بعد الانتهاء من الحديث عن صور السلوك الإجرامي التي من خلالها يتحقق التعسف في استعمال السلطة، نطرح التساؤل الاتي: هل ان الصور أعلاه قد وردت على سبيل المثال ام الحصر؟
نلاحظ ان نص المادة (329 / ثالثا) من قانون العقوبات العراقي ذكر عبارة (....بأي طريقة أخرى .. ) نعتقد ان الصور الجرمية السابق ذكرها قد وردت على سبيل الحصر لا المثال، كون ان العبارة ( ينتقم بأي طريقة أخرى ) مرتبطة بالانتقام وليس بصور الفعل الجرمي وهذا معناه أنها وردت على سبيل الحصر، فلم يقل المشرع العراقي أو بأي طريقة أخرى ، ويمكن أن نلاحظ ان الوسيلة المستخدمة في هذه الجريمة هي وسيلة مشروعة من حيث استعمال السلطة الممنوحة للموظف وهذا يدل على مدى خطورة هذا الموظف أو المسؤول في استغلال السلطة، كذلك من المناسب أن نشير إلى أن الافعال المحددة بموجب نص المادة (329/ثالثاً) عقوبات قسم منها لا يتصور أن تقع إلا على شخص يتمتع بصفة "الموظف" كما في افعال (التسريح، ينزل الدرجة النقل، ومسألة تحديد إن كان الفعل يعد تعسفياً من عدمه متروكاً للجهة القضائية المختصة، ولكن في ذات الوقت نرى أن الحماية الجنائية للموظف وللمواطن كانت حماية جزئية وليس كاملة كون أن النص جاء مقيداً من حيث التطبيق بحالة التعاون مع هيئة النزاهة في التحقيق وكشف الفساد وإساءة التصرف أو الابلاغ عن الجريمة، أما في حال وقعت الافعال التعسفية من قبل المسؤول الإداري على الشخص في غرض غير مما ذكر فإن فعله لا يكون جريمة، وما ينبغي أن أشير إليه هو عدم وجود قرارات صادرة من المحاكم الجزائية تتناول موضوع المادة (329/ ثالثاً) من قانون العقوبات العراقي، مما دعا بنا إلى تعزيز تلك الامثلة والسلوكيات بصور من القرارات القضائية العراقية الصادرة عن المحاكم الإدارية.
___________
1- للمزيد ينظر : د. محمد ماضي ، التحضير للجريمة في التشريع العراقي ،ط1 ، مكتبة السنهوري، بيروت، 2012، ص 35؛ د. مجيد خضر أحمد السبعاوي، نظرية السببية (دراسة تحليلية تطبيقية، ط 1 ، المركز القومي للإصدارات القانونية، مصر، 2014، ص 71.
2- د. محمد ماضي، المرجع ذاته اعلاه، ص 35.
تنص المادة (30) من قانون العقوبات العراقي النافذ ..... ولا يعد شروعا مجرد العزم على ارتكاب الجريمة ولا الاعمال التحضيرية لذلك ما لم ينص على خلاف ذلك".
3- المادة (19/4) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.
4- د. عادل يوسف الشكري، الأحكام العامة لإلغاء النص العقابي (دراسة مقارنة)، ط 1 ، منشورات زين الحقوقية، لبنان، 2017، ص 30-31
5- د. عادل يوسف الشكري، المرجع نفسه، ص 283.
6- عباس عبد الرزاق مجلي السعيدي، ضوابط استحداث النص الجزائي الخاص (دراسة مقارنة)، مرجع سابق، ص 201.
7- جدير بالذكر أن دائرة او مكاتب المفتشين العموميين تم الغاءها بموجب القانون الصادر رقم 24 لسنة 2019 المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4560 في تاريخ 28 / تشرين الأول / 2019 ، مما ينبغي اعادة صياغة المادة بما يتوافق والقوانين السائدة.
8- مسعودان فريدة تسريح العمال الأسباب اقتصادية في ظل القانون الجزائري، بحث قضائي، وزارة العدل المدرسة العليا للقضاء، الجزائر، 2008، ص8
9- زیاد عادل، تسريح الموظف العمومي وضماناته، أطروحة دكتوراه جامعة مولود معمري، كلية الحقوق والسياسة، 2016،ص 18.
10- مسعودان فريدة، تسريح العمال لأسباب اقتصادية في ظل القانون الجزائري، مرجع سابق، ص 8.
11- جدير بالذكر ان مصطلح التسريح كان قد ورد في قانون الخدمة العسكرية رقم 65 لسنة 1969 ضمن المادة (19) من الفصل الثالث، كذلك المادة (29) و و 34 و (35) من قانون الخدمة والتقاعد العسكري رقم 3 لسنة 2010 المعدل.
12- الاقصاء الوظيفي يطبق في حالة عدم توفر شرط من شروط التعيين وفي هذا ذهبت المحكمة الادارية العليا بالقول ان الاقصاء هو الاجراء الاداري الذي يترتب على فقدان المتقدم للتعيين لاحد شروط التعيين لأول مرة حسب مقتضى المادة 62 من قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960..." قرار المحكمة الادارية العليا رقم 40/ قضاء موظفين / تمييز / 2014 منشور على الموقع الالكتروني : www.moi.gov.iq تاريخ الزيارة 2024/2/22 الساعة 12:26 صباحا.
13- المادة 78 و 79 من نظام الموظفين اللبناني مرسوم اشتراعي رقم 112 لسنة 1959.
14- المادة (8 /سادساً) من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم 14 لسنة 1991.
15- هاني خلف مهوس حمد الجبوري، أثر العقوبة الانضباطية على الحقوق المالية للموظف العام ( دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير جامعة تكريت كلية الحقوق، العراق، 2023، ص 97-98
16 - قرار رقم 1201 / قضاء موظفين / تمييز / 2016 بتاريخ 2019/2/28 (غير منشور).
17- قرار محكمة قضاء الموظفين العراقية 674/ج/2023 (غير منشور).
18- قرار مجلس الدولة العراقي بالعدد 2009/36 المؤرخ في 2009/5/27 ، نقلاً عن : محمد يوسف مهدي واحمد اسماعيل ربيع، من أهم المبادئ القانونية لمجلس شورى الدولة ، ط1، مجلس النواب العراقي، بغداد، 2011، ص 65.
19- للمزيد حول عقوبة تنزيل الدرجة ينظر: ابراهيم مصطفى واحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد علي النجار، المعجم الوسيط، ج 2، مطبعة مصر، مصر، 1961، ص 957.
20- د. محمد الصيرفي الاحتراف الإداري الحكومي، ط1، دار الفجر للنشر، مصر، 2014،ص131.
21- قرار تمييزي لمجلس الدولة العراقي المرقم 247 / انضباط / تمييز / 2006 المؤرخ 2006/9/18 منشور في : قرارات وفتاوى مجلس شورى الدولة لعام 2006 ، وزارة العدل، دون صفحة.
22- فقد جاء في قرار قضاء موظفين / تمييز / 2019 بالعدد 1202 ( نقل الموظف من مكان الى اخر سلطة تقديرية للإدارة تستعملها بما يتفق مع مصلحة العمل).
23- نبيلة ، صديقي، نقل الموظف بين العقوبة التأديبية المقنعة والإجراء التنظيمي الداخلي، مجلة القانون والمجتمع، جامعة أدرار ، العدد 5، 2015، ص 055
24- 2/ انضباط/ تمييز / 2007 (غير منشور). يجدر الاشارة الى ان مجلس الانضباط العام قد تغيرت تسميته الى محكمة قضاء الموظفين بموجب التعديل الخامس لقانون مجلس الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل بقانون رقم 17 لسنة 2013.
25- 126 / انضباط تمييز / 2008 المؤرخ في 2008/5/19 (غير منشور ) وقرار 153 / انضباط تمييز / 2008 المؤرخ 2008/6/23 (غير منشور).
26- أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، ط1، الجزء الثالث، عالم الكتب للنشر، 2008، ص2332.
27- ساره محمد حنش المسؤولية الجزائية عن التهديد عبر الوسائل الإلكترونية (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، الاردن، 2020، ص 19.
28- تنص المادة 229 من قانون العقوبات العراقي النافذ على يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تزيد على مائتي دينار كل من اهان او هند موظفا أو أي شخص مكلف بخدمة عامة او مجلسا او هيئة رسمية اثناء تأدية واجباتهم او بسبب ذلك ، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين اذا وقعت الاهانة او التهديد على قاضي او محكمة قضائية او ادارية او مجلس يمارس عملا قضائيا اثناء تأدية واجباتهم او بسبب ذلك"
29- المادة 260 من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل.
30- تمييز عراقي رقم 3406/ جنايات / 1972/3/7/71 نقلاً عن د. قاسم تركي عواد جنابي الصفة الوظيفية في القانون الجنائي ( دراسة مقارنة)، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، 2018 ، ص 296.
31- محمد بن مكرم بن علي و أبو الفضل ، وجمال الدين ابن منظور الأنصاري ، لسان العرب، ط 3، دار صادر، بیروت، 1414 هـ ، ص 436 .
32- حيدر عبد الأمير رشيد و أنوار علي علوان الترغيب والترهيب وتجلياتهما في التصوير الفارسي، مجلة جامعة بابل للعلوم الانسانية، المجلد 27 ، العدد 5، 2019، ص333.
33- إبراهيم أنيس وعبد الحليم منتصر وعطية الصوالحي ومحمد خلف الله المعجم الوسيط ط4 ، مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، مصر، 2004، ص 893.
34- احمد مختار عمر معجم الصواب اللغوي، ط 1 ، الجزء الأول، عالكم الكتب، 2008، ص 743.
35- رعد طعمة، الأحكام الموضوعية لجريمة التمييز العنصري، رسالة ماجستير جامعة النهرين، كلية الحقوق، العراق، 2017، ص 5.
36- 2641 / قضاء موظفين / تمييز /2017 (غير منشور).
37- احمد مختار عمر ، معجم اللغة العربية المعاصر، الجزء الأول، ط 1 ، عالم الكتب، 2008، ص1378.
38- كذلك عرفت أي سلوك مسيء يكون بصورة ( إيماءة ، كلمة ، سلوك، موقف...) والذي يقوض بتكراره كرامة اي شخص او سلامته العقلية او الجسدية مما يعرض مستقبله الوظيفي للخطر أو يؤثر في مناخ العمل". للمزيد ينظر: د. ماجد شهاب الرمضان الحماية القانونية للموظف في مواجهة المضايقات الاخلاقية في الوظيفة العامة، مجلة كلية الاسراء، المجلد الثالث، العدد السادس، العراق ، 2021، ص 127.
39- ينظر: د. طارق أحمد ماهر زغلول جريمة التحرش المعنوي في محيط العمل الوظيفي (دراسة وصفية تحليلية )، المجلة القانونية كلية الحقوق جامعة القاهرة، العدد 7 ، المجلد 9، 2021، 2196.
40- قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية بالعدد /89/ اتحادية / تمييز/ 2013 غير منشور.
41- للمزيد ينظر : معجم الغني متاح على الموقع الالكتروني https://www.arabdict.com بتاريخ 28/10/2023 الساعة 1:33م.
42- قرار محكمة قضاء الموظفين / تمييز العراقية بالعدد 2263 لسنة 2023.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد