إن العقيدة هي التي تشكل أساس حياة الانسان فإذا كانت عقيدته حقة أصلحت ما كان ارتكبه سابقا من أعمال سيئة وإذا كانت باطلة ما قام به من أعمال الخير وإذا أسلم المشرك أوالملحد الذي كان يعبد الاصنام ويرتكب كبائر الذنوب غفر الله له كل ما ارتكبه من السيئات التي أهمها شركه بالله: إن الاسلام يجب ما كان قبله[1].
وإذا ارتد المسلم عن الدين فارتداده هذا يكون سببا لحبط وبطلان كل ما قام به من أعمال الخير سابقا: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). والحقيقة أن مثل هذا المسلم قد أتلف كل أعماله بيده ومثاله مثال ذلك الشخص الذي عمل في السنين الطوال غرس الاشجار وسقيها ثم يقوم بعد كل ما تحمله من المشاق بحرقها بيده.
إن العقيدة والعمل يرتبطان برباط وثيق وحبط الاعمال يحصل نتيجة قطع العلاقة بين هذين العنصرين وكل ما يقوم به المؤمن مخلصا من أعمال يسجل في صحيفة أعماله لكنه اذا كفر بالله انقطعت علاقته بذلك العمل كالغيبة التي تكون سببا في انفصال العمل من عامله حيث تفيد الروايات[2] أن ما يقوم به المغتاب من أعمال الخير لا تسجل في صحيفة أعماله بل تذهب الى صحيفة أعمال من اغتابه وهذه الروايات حاكمة على آية (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[3])، فقطع العلاقة يؤدي الى ألا تكون عائديه العمل للمغتاب كي يراه في القيامة اذن فربما تحبط جميع الاعمال الحسنة بسبب الارتداد أو الكفر في بعض الاحيان وربما شمل ذلك بعض الاعمال حينا آخر كما يحدث بعد أن يغتاب الانسان انسانا آخر حيث يؤخذ من أعماله بنفس مقدار اساءته لمن اغتابه ويسجل في ميزان ذلك الانسان الاخر.
توضيح ذلك أن حبط الاعمال يكون على قسمين: حبط محض وغير محض لأن أعمال الانسان هي الاخرى على قسمين أيضا: فبعضها كالكفر والشرك والارتداد بمثابة الموت الذي يفقد الانسان على أثره كل وجوده وبعضها كالمعاصي بمثابة المرض.
والآية التي هي مورد البحث التي تتحدث عن حبط جميع الاعمال بسبب الارتداد تعد مثالا للحبط المحض أي زوال جميع الاعمال نتيجة الكفر والشرك والارتداد وهكذا طبقا لأية اخرى ايضا نفهم أن الاشخاص الذين يكفرون بالله ويضعون العوائق في سبيله ويتعمدون مخالفة الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم ومعارضته لن يحالفهم النجاح أبدا وسيكون نصيبهم هو بطلان جميع أفعالهم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ[4]).
ومن أمثلة الحبط غير المحض - أي زوال بعض الأعمال نتيجة ارتكاب بعض الذنوب - هي الآية التي تخاطب المؤمنين وتدعوهم إلى طاعة الله ورسوله كي يجتنبوا بطلان أعمالهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ[5])؛ لأن المخاطب في الآية هم المؤمنون، والمؤمن لا تبطل كلّ أعماله بمجرد ارتكاب الذنب، فلو بطلت جميع أعماله لم يعد مؤمناً.
والمقارنة بين الآيتين تفيدنا ملاحظتين:
1. إن كفر الكافرين يؤدّي إلى السلب الكلّي، بينما تؤدي معصية المؤمنين إلى السلب الجزئي؛ لأنّ الذنب الكبير - كالشرك - يمحو جميع الحسنات، بينما الذنوب الجزئية تذهب ببعض الحسنات. أما أسباب حبط الأعمال كلياً أو جزئياً، فهي: الكفر[6]، الشرك[7]، الارتداد[8]، رفع الصوت فوق صوت النبي[9]، تکذیب آيات الله[10]، قتل الأنبياء والآمرين بالمعروف[11]، كره ما أنزل الله ورضوانه[12]، الصدّ عن سبيل الله، شقاق الرسول[13]، والنفاق[14].
2. إن الحبط هو بطلان الأعمال. وجاء في بعض الأدعية: «وأعوذ بك... من الذنب المحيط للأعمال»، وقد فسر هذا الذنب بالعُجب[15].
[1] تفسير القمي ج2 ص27 مستدرك الوسائل ج2 ص27 مستدرك الوسائل ج7 ص449 وقاعدة الجب: إن الاسلام ما كان قبله من جهة بحثها الكلامي مأخوذة من هذه الايات: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ). ولا بد من الاشارة الى أن اسلام المرء يجب تلك الافعال التي جاء بها الاسلام كأصل العبادة وقضاءها والكفارات والديات لا الاحكام المتعارفة طبقا لبناء العقلاء وأمضاها الاسلام كالديون الناتجة من معاملة السلف أو القروض حيث يجب أداؤها سواء كان المديون مسلما أم كافرا.
[2] راجع بحار الانوار ج72ص259
[3] سورة الزلزلة الايتان 7و8
[5] سورة محمد ﷺ، الآية 33
[6] سورة.المائدة الآية 5 سورة الكهف الآية 105 .
[7] سورة الأنعام، الآية 88؛ سورة الزمر، الآية 65
[8] سورة البقرة، الآية 217
[9] سورة الحجرات، الآية 2.
[10] سورة الأعراف الآية 147 .
[11] سورة آل عمران الآيتان 21 و 22.
[12] سورة محمد ﷺ، الآيتان 9 و 28
[13] سورة محمد ﷺ، الآية 32
[14] سورة المائدة، الآيتان 52 و 53 .
[15] الكافي، ج5، ص 46؛ مجمع البحرين، ج1، ص448، ح ب ط .