والأفضل أن يُقال: خرائب قمران لا خربة قمران؛ لأن ما تبقَّى من بنيان فيها يعود إلى عصرين مختلفين؛ فالمداميك السفلى من الزاوية الشمالية الغربية من البناء الرئيسي تختلف في حجم حجارتها وسماكة بنائها عن سائر ما تبقَّى من جدران قائمة. وهذا الطراز من البناء هو طراز القرون الثامن إلى السادس قبل الميلاد، وهو يتفق وما تبقَّى من آثار هذه القرون في وادي البقيعة فوق قمران. وعُثر على هذا النوع من البناء أيضًا في الجناح الغربي حوالي الصهريج المستدير، ومما يُؤيِّد هذا الرأي أيضًا وجود قطع من الخزف تعود هي أيضًا إلى القرون الثامن إلى السادس قبل الميلاد.
ويجوز القول والحالة هذه أن القديم القديم من خرائب قمران هو بقية باقية من «مدينة الملح» التي يرد ذكرها في سفر يشوع (15 : 62)؛ فقد امتحن الأب ميليك والدكتور كروس، في صيف السنتين 1954 و1955، ما تبقَّى من آثار في سهل البقيعة إلى الشمال الغربي من قمران، فوجدا أن هذه الآثار تعود هي أيضًا إلى القرون الثامن إلى السادس قبل الميلاد، ورأيا فيها البقية الباقية من مدين وسَكاكة ونِبْشان المدن الثلاث الأخرى الواردة في الفصل نفسه من سِفر يشوع (15 : 61)، ورأيا أيضًا أن تكون هذه المدن هي الأبراج ومدن الخزن التي أمر يوشافاط بإنشائها في يهوذا عندما تقدَّم وعظم أمره، كما جاء في سِفر أخبار الأيام الثاني (17 : 2 1)، وأن تكون هي نفسها المُشار إليها في الفصل السادس والعشرين من هذا السِّفر نفسه «الأبراج التي بناها عُزيا في البرية؛ لأنه كان محبًّا لأعمال الأرض» (1). وقد ارتأى مرتينوس نوث أن يكون وادي البقيعة هو وادي عكور الذي رُجم فيه عاكان وبنوه وبناته وحميره وغنمه وأُحرقوا بالنار، (يشوع 7: 24) (2).
ويجدُّ العلماء المنقِّبون في التفتيش عن النقود في الآثار الباقية، لعلهم يهتدون بواسطتها إلى تحديد الزمن الذي تعود إليه هذه الآثار. وقد وجد المنقِّبون في خرائب قمران عددًا كبيرًا من النقود. وقد جاءَ في تقرير لهم عن أعمالهم، في أثناء السنة 1953، أنهم وجدوا ثلاث قطع من النقود الفضية التي سكَّها أنطيوخوس السابع في السنوات 136 و130 و129 قبل الميلاد، ووجدوا أيضًا أربع عشرة قطعة من مسكوكات يوحنا هيركانوس (135–104) قبل الميلاد، وثمانيًا وثلاثين قطعة من مسكوكات ألكسنذروس بن يوحانان (103–76) قبل الميلاد، وخمس عشرة قطعة حشمونية، واثنتين من إصدار أنتيغونوس متتياس (40–37) قبل الميلاد، وقطعة فضية واحدة من مسكوكات صور في السنة 29 قبل الميلاد، وست قطع من إصدار أرخيلاوس (4ق.م.–6ب.م.) وثلاثين قطعة رومانية من مسكوكات أوغوسطوس وطيباريوس وكلوديوس ونيرون (6–67) بعد الميلاد، وإحدى عشرة قطعة تعود إلى السنة الثانية من الثورة الأولى (67-68) بعد الميلاد، وقطعتين تعودان إلى السنوات (67–73) بعد الميلاد، وثلاثًا تعود إلى زمن الثورة الثانية (132–135) بعد الميلاد، وخمس قطع بيزنطية عربية وُجدت على وجه الأرض. ثم جاءت أعمال التنقيب في السنوات 1954 إلى 1956 تُؤيد هذه النسبة نفسها في القلة والكثرة من مسكوكات هذه العصور نفسها.

دير قمران كما يظهره الترميم.
وفُوجئ المنقِّبون والعمال والتعامرة، في مطلع السنة 1955، بكنزٍ مدفون حوى خمسمائة وخمسين قطعة من الفضة من مسكوكات مدينة صور الصادرة عنها في القرن الأول قبل الميلاد قبل السنة التاسعة، وكان قد دُفن في جرَّات ثلاث في أرض غرفة صغيرة من غرف أحد الأجنحة، فعُنيت به إدارة المتحف في بيت المقدس، ونُظِّفت القطع مما علاها من الصدأ، وعرضتها كما عُثر عليها، فضة برَّاقة تتدفق من جرَّات قديمة.
وهكذا فإن قطع الدراهم التي وُجدت في خرائب قمران عديدة ومتنوعة. ولولا كثرتها وتنوعها لما تمكنا من الاستعانة بها لتعيين الزمان الذي قامت فيه هذه الأخربة آهلة بالسكان؛ فمجرد العثور على ليرة ذهبية عثمانية في خربة ما في لبنان مثلًا لا يدل دلالة منطقية سليمة على أن الخربة قامت آهلة بالسكان في الزمان الذي سُكت فيه هذه الليرة؛ فإننا لا نزال في لبنان نتداول الليرات العثمانية الذهبية التي سُكت في عهد عبد الحميد ومحمد رشاد حتى ساعتنا هذه، وبعد مرور نصف قرن على صدورها وعلى خروج الأتراك من ربوعنا. ولكن العثور على كثرة من النقود الواحدة في خربة معينة تدل على أن سكان هذه الخربة عاشوا في العصر الذي كثُرت فيه هذه النقود وكثُر التداول بها.
ولما كانت النقود التي سُكت في عهد الإسكندر بن يوحانان Alexander Jannaeus الحشموني كثيرة في خرائب قمران، وكان هذا الإسكندر قد حكم من السنة 103 حتى السنة 76 قبل الميلاد، جاز القول: إن خرائب قمران كانت قائمة آهلة بالسكان في هذه الحقبة من تاريخ فلسطين.
وإذا استثنينا أمر الكنز الذي وُجد مدفونًا في إحدى الغرف، جاز لنا القول: إن الخرائب خلت من نقود تعود إلى عهد هيرودوس الكبير (37–4) قبل الميلاد. ولعلها خلت من السكان أيضًا؛ لأن الجدران والسلالم والصهاريج لا تزال تحمل آثار زلزال كبير حَلَّ بها في عهد هيرودوس نفسه في السنة 31 قبل الميلاد؛ فالدرجات التي تؤدي إلى أحد الصهاريج مشقوقة من أسفلها حتى أعلاها. وقد انخسف أحد شقيها مقدار ثلاثين سنتيمترًا عن الآخر. وجدران البرج الكبير مُشقَّقة أيضًا، وعتبة من أعتاب غرفه مكسورة، وكذلك جدران بعض الأبنية الأخرى. ونحن نعلم نقلًا عن يوسيفوس أن أرض فلسطين زُلزلت في عهد هيرودوس في السنة 31، وأنه كان، وقت الإرجاف، على رأس جيشه في أريحا بالقرب من قمران، وأن جنوده تطايروا فزعًا، ولكنه وُفِّق إلى جمعهم والسير بهم عبر الأردن لمقابلة عدوه (3).
ولا تتكاثر النقود قبل عهد الأباطرة الرومانيين الأولين (6–67) بعد الميلاد. وقد يكون السبب في ذلك أن سكان قمران لم يجرءوا على العودة إليها، ولم يذهب خوفهم من الزلزال إلا بعد مرور ربع قرن عليه. فإنهم لم يُرتقوا الشقوق ولم يدعموا الجدران، ولم يحفروا الصهاريج الجديدة إلا في النصف الأول من القرن الأول بعد الميلاد.
وجاءت الثورة الأولى في السنة 66 بعد الميلاد، فعمَّت فلسطين بكاملها، وشملت قمران، واضطرت رومة أن تقمعها، فأطل فيسباسيانوس بجنوده على أريحا وسهولها. ولعله لقي شيئًا من المقاومة في قمران فأحرقها؛ فإن رءوس النبال الرومانية لا تزال منثورة في طبقة من الرماد وغيره من آثار النار. ولمس الرومان أهمية قمران من الناحية الاستراتيجية لنشر الأمن في البلاد، فحوَّلوا برج قمران وبعض مبانيها القريبة من البرج إلى ثكنة عسكرية، وما فتئوا مقيمين فيها حتى نهاية القرن الأول، وعند خروجهم منها أمست خالية من السكان، ولم يعد أحد إليها قبل الثورة الثانية (132–135)، وما إن خمدت هذه حتى عادت قمران إلى سابق وحشتها، وما فتئت حتى يومنا هذا (4).
.......................................
1 Milik, J. T., et Cross, F. M: Rev. Bib, 1956, 74–76, Bull. Amer. Sch. Or. Res, 1956, 5–17; Burrows M.: More Light, 20-21.
2 Noth, M.: Der Alttestamentliche Name der Siedlung auf Khirbet Qumran, Zeit. Palest. Ver, 1955, 111–123.
3 Fritsch, C. T.: Herod the Great and the Qumran Community, Journ. Bib. Lit, 1955, 173–181.
4 Kelso, J. L.: The Archeology of Qumran, Journ. Bib. Lit, 1955, 141–146; North, R.: Qumran and Its Archeology, Cath. Bib. Quart, 1954, 426–437; Allegro, J. M.: Dead Sea Scrolls, 82–90; Ploeg, J. van der: The Excavations at Qumran, 66–69, 80–87; Fritsch, C. T., The Qumran Community, 1–25.