إنّ العلم بالسبب، بما هو سبب، علم بالمسبّب.
والعلم بالعلّة، بما هي علّة ، علم بوجود المعلول ، والمراد من العلم بالعلّة ، العلم بالحيثية التي صارت مبدأ لوجود المعلول وحدوثه.
ولتوضيح هذه القاعدة نمثل بالأمثلة التالية.
أ ـ إنّ المنجم العارف بالقوانين الفلكية والمحاسبات الكونية يقف على أنّ الخسوف أو الكسوف أو ما شاكل ذلك يتحقق في وقت أو وضع خاص. وليس علمه بهذه الطوارئ إلّا من جهة علمه بالعلة من حيث هي علّة لكذا وكذا.
ب ـ إنّ الطبيب العارف بحالات النّبض وأنواعه وأحوال القلب وأوضاعه يقدر على التنبؤ بما سيصيب المريض في مستقبل أيامه. وليس هذا العلم إلّا من جهة علمه بالعلّة من حيث هي علّة.
ج ـ إنّ الصيدلي العارف بخصوصية السّم إذا شربه الإنسان يخبر عن أنّه سيقضي على حياة الشارب في مدة معينة ، أيضا.
إذا عرفت هذه الأمثلة نقول : إنّ العالم بأجمعه معلول لوجوده سبحانه وليس له علّة إلّا ذاته سبحانه. فالعلم بالذات علم بالحيثية التي هي سبب لتحقق العالم وتكوّنه. وبعبارة أخرى : العلم بالذات ـ كما عرفت دلائله ـ علم بالحيثية التي صدر منها الكون بأجمعه ، والعلم بتلك الحيثية يلازم العلم بالمعلول. وهذا البرهان مبني على مقدمات مسلمة عند الإلهيين نشير إلى خلاصتها:
الأولى ـ إنّ العالم بجميع أجزائه مستند إليه سبحانه وهو مقتضى التوحيد في الخالقية ، وإنّه لا خالق إلّا هو.
الثانية ـ علّيّة شيء لشيء عبارة عن كونه مشتملا على خصوصية تقتضي صدور المعلول عنه وتوجب إيجابا قطعيا وجود المعلول في الخارج بحيث لو لا تلك الخصوصية لما تحقق المعلول. ولأجل ذلك تكون بين الخصوصية القائمة بالعلّة ووجود المعلول رابطة وصلة خاصة تقتضي وجود المعلول ، ولو لا تلك الخصوصية لكانت نسبة المعلول إلى العلّة ، وغيرها الفاقد لها ، متساوية ، مع أنه ضروري البطلان.
فالخصوصية الموجودة في النار الموجبة للحرارة غير الخصوصية الموجودة في الماء المقتضية للرطوبة.
الثالثة ـ إنّ فاعليته تعالى لما عداه ، بنفس ذاته لا بخصوصية طارئة ، وجهة زائدة عليها. فهو بنفس ذاته فاعل الكل ، كما هو مقتضى بساطة ذاته وغناه عن كل شيء (الخصوصية الزائدة) سواه.
فالواجب تبارك وتعالى فاعل بذاته لا بحيثيّة منضمة إليها.
الرابعة ـ إنّ العلم بالجهة المقتضية للشيء ، علم بذاك الشيء.
فيتحصل أنّ علمه تعالى بذاته ، علم بتلك الخصوصية والجهة. ويترتب عليه لازمه ، أعني علمه بالأشياء قضاء للملازمة.
وقد أشار إلى هذا البرهان أعاظم المتكلمين والفلاسفة. قال صدر المتألهين : «إنّ ذاته سبحانه لما كانت علّة للأشياء ـ بحسب وجودها ـ والعلم بالعلة يستلزم العلم بمعلولها ، فتعقّلها من هذه الجهة لا بدّ أن يكون على ترتيب صدورها واحدا بعد واحد» (1).
وإلى ذلك يشير الحكيم السبزواري في منظومته بقوله :
وعالم بغيره إذا استند
إليه وهو ذاته لقد شهد
بالسّبب العلم بما هو السّبب
علم بما مسبّب به وجب (2).
______________
(1) الأسفار ، ج 6 ، ص 275. وراجع في ذلك أيضا التجريد وشروحه.
(2) شرح المنظومة ، قسم الفلسفة ، ص 164.