يمتاز الكتاب السماوي باحتوائه على الشريعة إضافة الى ما فيه من المبادئ العامة العقدية والحقية والقضائية والخلقية والاقتصادية والدولية ويمتاز ببعض المميزات التي يمكن استخلاصها من الاية التي هي مورد البحث وهي:
1. مصاحبة الحق: فالكتاب الالهي ينسجم مع الواقع اذ إنه نزل متلبسا بالحق أو مصاحبا له[1]: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ). ولما كان واردا من طرف الله الحكيم والعزيز فمضامينه وكل ما فيه منسجم ومتناغم أيضا ومن هنا فلا سبيل الى نفوذ (الخلاف) والباطل فيه من خارجه كما لا وجود ل (الاختلاف) والتعارض في مضامينه لان معيار (الخلاف) هو اختبار الكتاب بالحق والواقع ومعيار (الاختلاف) هو مقارنة مضامين الكتاب بعضها مع البعض الاخر فإذا كان الكتاب نازلا من لدن عزيز مقتدر واكن المنزل متكفلا بعصمة كتابه صار ذلك الكتاب كالقرآن مصانا ومعصوما من كل أشكال الزيادة أو النقصان.
وضمن دعوة الله سبحانه للناس بالتأمل في القرآن قال بعدم امكانية وجود أي (خلاف) أو (اختلاف) في حريمه الآمن إذ إن هذا الكتاب الالهي من أوله الى اخره محفوف ومصحوب بالحق: (بِالْحَقِّ)، (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ[2]) أولا وثانيا إن هذا الكتاب لو كان نازلا من غير الله لوجدنا فيه الكثير من الاختلافات إلا أنه من الله ولا اختلاف فيه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[3]).
وهكذا نقول بعبارة أخرى إنه لما لم نجد في هذا القرآن أي نوع من الاختلاف صار معلوما لدينا أنه نازل من عند الله.
2. الحكم بين الناس: لا يمكن تطرق الخلاف الى الكتاب والوحي الالهي مثلما لا يمكن وجود الاختلاف فيه ومن هنا كانت مناسبة كونه مرجعا لإحقاق الحق وإبطال الباطل من جهة وملجأ يلجأ اليه الناس في هذا العالم لرفع كافة اختلافاتهم النظرية والعملية من جهة ثانية سواء منها الاختلافات السابقة أو الحالية أم المستقبلية: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ).
وغالبا ما يكون الكتاب الالهي حكما في رفع الاختلافات العميقة والعويصة التي تعجز المساعي الفكرية للمفكرين عن ايجاد الحلول لها حيث ان الله أو كل إلى الناس رفع الاختلافات البسيطة التي ربما تنشب بينهم والتي يمكن حلها بجهودهم الفكرية الذاتية.
وقد اعتبر المفسرون أن مرجع ضمير الفاعل في (لِيَحْكُمَ) هو (الله) أو (الكتاب) أو (الحق[4]) ولما كانت الثلاثة تعود الى مطلب واحد شامل فلا محذور من ارجاع الضمير الى أي واحد منها كما أن القرآن الكريم اعتبر المرجع في رفع الاختلافات هو الله ورسوله (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ[5])، والرسول الأعظم ﷺ لا يأتي بأي حكم من نفسه، وتعدد المرجع في حل النزاعات إنما هو في حدود اللفظ فقط، وإلا فالمرجع الحقيقي واحد وهو حكم الله.
وكلمة (نبين) جمع، وقد جاءت في قبال جمع (الناس)؛ لكن لما كان ما يأتي به أحد الأنبياء منسجماً مع ما يدعو إليه جميع رسل الله، وتكذيب أحد الرسل معادلاً لتكذيب جميع الأنبياء: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ[6])، (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ[7])، فقبول دعوى ودعوة أحدهم يستلزم قبول دعوى ودعوة جميعهم. وعلى هذا فإنّ إفراد الفعل (لِيَحْكُمَ) لا يمكن الاستظهار منه عدم عودة الضمير إلى (النبيين) وعودته إلى الله أو إلى الكتاب؛ لأن مطلب كافة الأنبياء مطلب واحد.
ملاحظة: من باب الاحتياط عن الوقوع في الفهم الخاطئ تكرّر استعمال كلمة (النَّاس) في الآية التي هي مورد البحث، وجاء الاسم الظاهر في آية (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) بدلا من الضمير اذ لو استعمل الضمير فيها لأمكن أن يظن البعض رجوع الضمير الى (النَّبِيِّينَ).
ومن جهة اخرى فإن الكتاب السماوي هو المرجع في رفع الاختلافات بين جميع الناس لا فرق في ذلك بين الماضين أم القادمين فإذا استعملنا الضمير بدلا من الاسم الظاهر لأوهم ذلك أن الكتاب السماوي إنما يفيد في حل اختلافات تلك الامة الواحدة الماضية فقط.
3. معيار تشخيص الحق من الباطل: إن جميع الكتب السماوية خصوصا القرآن الكريم كانت ميزانا على مدى التاريخ ومن هنا كان لها رأي وموقف حول جميع العقائد وكافة أشكال التفكير في العالم فأثبتت ما كان من تلك الآراء حقا ورسخته وأبطلت ما كان باطلا من تلك الاراء.
إن الكتاب السماوي ميزان لا يتطرق العطل أو العجز اليه في عملية تشخيصه لما في العقائد والنظريات من الحق والباطل وذلك خوفا للموازين المحدودة التي تعجز عن توزين بعض السلع بسبب تناهيها في الصغر وخفة الوزن أو بسبب شدة زيادة وزنها.
وهكذا فالكتب السماوية تتميز بقابليتها على توزين كل أنواع الاراء والنظريات وتحليل جميع العقائد إلى يوم القيامة.
تنبيه: يجب الالتفات إلى أن الكتاب السماوي هو ميزان المعارف لا الأثقال حتى مع ورود الأمر برعاية العدل في التوزين. وعلى هذا، يكون الفرق بين الميزان السماوي والميزان الأرضي كامناً في أن الميزان الأرضي إنّما هو لمعرفة الوزن، لكنه عاجز أمام بعض الأوزان، في حين أنّ الكتاب السماوي هو للتمييز بين الحق والباطل، وبين صدق المعارف وكذبها، ولا يتطرق العجز إليه في أي مورد.
[1] الباء في (بِٱلۡحَقِّ) إما للمصاحبة أو الملابسة.
[4] مجمع البيان، ج 3 - 4، ص 543 - 544؛ التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 15 - 16؛ مواهب الرحمن، ج 3، ص 240 - 241؛ و... .
[5] سورة النساء، الآية 59.
[6] سورة الشعراء، الآية 105.
[7] سورة الحجر، الآية 80 .