مراحل إنتاج الدراما الاذاعية:
ليس من السهولة تقرير مراحل متسلسلة قاطعة يمر بها إنتاج العمل الدرامي، فهذه المراحل من الناحية العملية كثيرا ما تتداخل مع بعضها البعض، وكثيرا أيضا - إن لم يكن غالبا - ما يتم بعضها أو أجزاء منها في وقت واحد، ولكن بهدف التبسيط - ومن الوجهة النظرية - يمكن تحديد الملامح الرئيسية لخطوات إنتاج العمل الدرامي بالإذاعة في الآتي:
(أ) كتابة النص الدرامي.
(ب) كتابة السيناريو.
(ج) الاستعداد للإنتاج.
(د) مرحلة التنفيذ (تسجيل العمل الدرامي).
(هـ) مرحلة ما بعد الإنتاج.
وفيما يلي نبذة موجزة عن هذه الخطوات:
(أ) كتابة النص الدرامي:
فبصرف النظر عن الإجراءات القانونية والإدارية التي تتبع قبل تحويل العمل الأدبي إلى شكل درامي نجد أن البداية تتمثل في تحويل الرواية أو القصة إلى نص مكتوب في صورة حوار بين الشخصيات، وقد يتضمن النص عناصر أخرى حسب متطلبات الإنتاج، ويحال النص إلى قسم المراجعة وكتابة النصوص، أو ما يماثله من أقسام مختصة في الخدمة الإذاعية، حيث تتم مراجعة النص مراجعة شاملة من حيث مدى ملاءمته للسياسة الإعلامية للإذاعة، وبموجب هذه المراجعة يتم اتخاذ قرارات ثلاثة بشأن النص المعروض، إما بالقبول أو بطلب تعديلات على النص أو بالرفض، وسواء تم قبول النص كما هو أو بعد إجراء التعديلات عليه، يبدأ المخرج ومساعدوه في كتابة السيناريو ويتطلب ذلك التعاون الكامل بين كل من: المخرج ومساعدوه، كاتب السيناريو، المؤلف الأصلي، وغير ذلك من الشخصيات التي يرى المخرج أنها قد تفيد العمل الدرامي ككل، وغني عن البيان أن الشخص الواحـد قـد يقوم بأكثر من جانب، فالمخرج مثلا قد يكون كاتب الحوار والسنياريو في نفس الوقت، والمؤلف قد يكون هو المخرج .. إلخ.
(ب) كتابة السيناريو:
يقصد بذلك كتابة وتحديد العمل الدرامي بكل مشتملاته: الحوار، الموسيقى، والمؤثرات الصوتية، التوقيت، أسلوب الأداء، الخدع الفنية، وبوجه عام فإن السيناريو يشمل العمل الدرامي كاملا وفق ما سيكون عليـه عندما يقدم في الإذاعة، ويعتمد ذلك على الحس الفني وقوة التخيل لدى المخرج بالتعاون مع فريق الإنتاج، وهناك أسس تقييم مفيدة يمكن أن تساعد في تجويد سيناريو العمل الدرامي، تلك الأسس التي تبلورها الإجابة علـى التساؤلات التالية: هل الحوار بين الشخصيات مقنع ومتكامل؟ وهل هو جيـد بما يجعل المستمع يدرك من الذي يتحدث، ومع من يتحدث، وفي أي وقت ومكان؟ وهل علاقة الحركة بالميكروفون على النحو الصحيح الذي يعطي الدلالة المطلوبة؟ وهل المؤثرات الصوتية مناسبة من حيث النوع والموضوع، وتؤدي وظيفة لا يمكن الاستغناء عنها في العمل الدرامي وتجعل المستمع يدرك الأحداث ويتخيلها دون أن يراها؟ وهل الجو العام للأحداث - كما عنه يعبر السيناريو - دقيق ويؤدي الغرض منه؟ وهل الموسيقى مناسبة من حيث الكم والكيف؟ وهل تتابع الأحداث منطقي ويؤدي إلى خلق الإحساس الدرامي المطلوب؟ وهل المسامع الدرامية متكاملة تجعل المستمع يدرك الترابط بين الأحداث؟ وهل الصراع والحبكة بوجه عام تتوافر فيهما الخصائص الفنية المطلوبة للعمل الدرامي؟ ذلك تتم كتابة السيناريو كاملا، ويطبع على الآلة الكاتبة مع بموجب أخطاء ترك مسافة مناسبة بين السطور، ويراجع لتصحيح ما قد يكون به من لغوية أو فنية، مع ترقيم الصفحات والمسامع الدرامية، وتحديد الموسيقى والمؤثرات من حيث المدة والموضع والنوعية والأسلوب الفني، وكذلك يتم تحديد المقاطع والعبارات ذات الأداء الملون سواء كان ذلك بالإشارة (لغويا) إلى طبيعة الأداء أو بكتابتها بأبناط كبيرة، أو وضعها بين قوسين أو أي علامات أخرى مميزة.. بكل هذه الإجراءات وغيرها کاملا، السيناريو الدرامي يصبح ويتم تصوير عدد كاف من النسخ Copies، بعضها للحفاظ كإيداع بالجهة المختصة، والبعض الآخر للتوزيع على الفنانين والفنيين بواقع نسخة لكل مشارك في العمل الدرامي، بالإضافة إلى عدة نسخ احتياطية مع الاحتفاظ بالنسخة الأصلية للتصوير منها إذا لزم الأمر.
(ج) الاستعداد للإنتاج (تجهيز الإمكانات):
لاشك أن المخرج - أثناء كتابة السيناريو - يكون لديه إدراك لإمكانيات التسجيل سواء فيما يتعلق باستديو أو بالفنانين على سبيل المثال، يكون لدى المخرج معرفة بإمكانات الاستديو على المستوى التكنولوجي والبشري، ويكون لديه تصور - إن لم يكن قرار اتخذه بالفعل - بشأن الشخصيات التي ستؤدي الأدوار الرئيسية والثانوية للعمل الدرامي، وكذلك يكون لدى المخرج معرفة كافية بأصول الإنتاج سواء من حيث الاعتبارات السياسية أو الأخلاقية أو الفنية بطبيعية الحال في هذا الإطار يتحرك المخرج، ومساعدوه، فيتم الاتصال بالفنانين وتوزع عليهم نسخ السيناريو، وتتخذ الإجراءات الخاصة بحجز الاستديو في أوقات معينة والتأكد من صلاحيته وإتاحة الإمكانات ويعتبر الفنيون أي القائمون على تشغيل الأجهزة والمعدات لإنتاج العمل الدرامي، من أهم العناصر التي تعتمد عليـهـا جودة هذا العمل في مراحله المختلفة، وبالتالي في صورته النهائية، ولذلك فإن أهمية إدراكهم لماهية العمل الدرامي لا تقل عن أهمية إدراك المخرج نفسه، فمدير الاستديو ومهندس الصوت والتسجيل والفنيين المساعدين وغيرهم هم الذين يطوعون الاستديو وتسهيلاته لإنتاج العمل الدرامي. ولتحقيق ذلك يتم الاجتماع بين المخرج وهؤلاء بهدف التأكد من فهمهم لما سيتم عمله. سواء أثناء البروفات أو أثناء التسجيل النهائي، وكذلك التأكد من مدى تلبية التسهيلات الفنية لمتطلبات العمل الدرامي والتجهيز المسبق للمؤثرات الصوتية اللازمة، وكذلك الموسيقى.
(د) مرحلة التنفيذ:
يتم التنفيذ بموجب جدول زمني ثابت قدر الإمكان، ويتحدد ذلك في ضوء وقت الاستديو، فالمخرج من خلال هذا الجدول الزمني يعرف جيدا كيف سيتصرف في الوقت المتاح، ولنفترض مثلا أن الوقت المتاح للتسجيل في الاستديو سيكون من العاشرة صباحا وحتى الخامسة والنصف مساء، فإن الجدول الزمني يمكن أن يكون على النحو التالي:


وأثناء البروفات فإن علاقة المخرج بالممثلين يجب أن تتسم بالكياسة واللباقة والمودة وعدم إحراجهم بالتوجيهات الزائدة أو الانتقادات خاصة الممثلين المحترفين وتسفر البروفات الأولية عن التوصل إلى الوضع السليم الذي يتيح إنتاج العمل الدرامي وفق الخطة والأساليب الموضوعة، سواء من حيث الأداء، أو من حيث متطلبات الجودة الفنية، أو من حيث التوقيت لكل مشهد.. إلخ، كما أن هذه البروفات تتيح ميزة هامة وهي أن المثـالب والمعوقات تظهر على الطبيعة، بحيث يلمسها كل المشاركين في الإنتاج وبالتالي يمكن تلافيها عندئذ يمكن تسجيل العمل الدرامي من خلال عملية نسج أداء الممثلين بالموسيقى، بالمؤثرات الصوتية، في نسيج درامي متلاحم أي عمل درامي متكامل، وهناك طريقتان لتسجيل العمل الدرامي:
الأولى تتمثل في التسجيل الكامل، أي تسجيل العمل الدرامي على دفعة واحدة، حيث يتم تسجيل الموسيقى والحوار والمؤثرات الصوتية التي تتضمنها المسامع الدرامية واحدا تلو الآخر، ومن أهم مميزات هذه الطريقة أنها تتيح تكامل واندماج مكونات العمل الدرامي ككل، والتفاعل الخلاق بينها كما تساعد على اندماج الممثل في الدور، غير أنها تكثر فيها الأخطاء الفنية.
الثانية تتمثل في التسجيل على مراحل وفيها يتم تسجيل الحوار أولا، أي تسجيل أداء الممثلين فقط، ثم تسجيل الموسيقى والمؤثرات الصوتية وتتم عملية الدبلجة بالتعاون بين المخرج والفنيين مع إجراء ما يلزم من مونتاج وتقديم أو تأخير بعض المكونات، وتمتاز هذه الطريقة بأنها لا ترهق المخرج والممثلين، وتتيح من لوقت ما يساعد على جودة المزج الفني ليخرج العمل الدرامي جيدا، ولكن يعاب على هذه الطريقة أنها تتيح أحيانا تحقيق الانسجام بين أداء الحوار والمكونات الأخرى للعمل الدرامي.
(هـ) مرحلة ما بعد الإنتاج Post Production:
بعد أن يتم تسجيل العمل الدرامي في صورة نهائية متكاملة، تبقى مسألة جوهرية أخرى هي التحرير Editing، ويكون ذلك من خلال سماع العمل الدرامي كله للتعرف على ما قد يكون قد وقع به من أخطاء فنية، من ذلك مثلا تباعد الفواصل الزمنية بين الحوار أو الموسيقى والمؤثرات، أو بين المسامع بعضها وبعض، أو أن يكون الظهور والاختفاء التدريجي غير متقن، أو غير ذلك من الأخطاء الفنية. هذه الأخطاء تعالج من خلال ما يعرف بالمونتاج، أو ما اصطلح على تسميته بالتحرير بأساليبه المعروفة، بحيث تظهر النسخة النهائية من الشريط وقد سجل عليها العمل الدرامي خاليا من الأخطاء الفنية، ليقدم بالإذاعة، ويستفيد المخرج من هذه العملية ليس فقط في التجويد الفني للعمل الدرامي المعني، ولكن أيضا في الأعمال الدرامية القادمة.
نختتم هذا الفصل الموجز عن الدراما الإذاعية بإشارة موجزة عن الممثل Actor باعتباره المجسد للشخصية الدرامية، فالعمل الدرامي بوجه عام يمكن ان يصبح جهدا ضائعا إذا أخطأ المخرج اختيار الممثل الكفء للقيام بالدور أو الأدوار الدرامية، ومما يتعين وجوده في الممثل من صفات وخصائص لا حد له، ولكننا نجمل تلك الخصائص على النحو التالي:
بالنظر إلى قدرة الممثل في إنجاح أو إخفاق العمل الدرامي، يجب أن يكون الممثل ذا شخصية قوية وإحساس دائم بالمسؤولية والالتزام، ولديـه مـن القدرات ما يمكنه من التكيف السريع مع فريق العمل، إذ يتوقف الإنتاج الجيد للدراما على نوع العلاقات القائمة بين الممثلين وشتان ما بين فريق عمل يوجد انسجام في العلاقة بين أفراده، وفريق عمل متكامل يعي كل فرد فيـه لا جزء من بناء متكامل يشد بعضها بعضا، ومن ألزم صفات الممثل قدرته أنه على التقمص والتعايش مع الجو العام للعمل الدرامي وتصور دوره مع أدوار الآخرين. وكذلك تمتعه بذاكرة قوية تمكنه من حفظ مادة الحوار، وأن يكون ذا إحساس مرهف بالنسبة للموسيقى وغيرها من المؤثرات الصوتية، وأن تكون لغته من القوة والسلامة بحيث تمكنه من التلوين ووضع الوقفات والأداء الجمالي للغة، إذ لا يكفي في ذلك تعليمات المخرج، كما أن من أهم صفات الممثل الكف المرونة والقدرة على تغيير الوضع والاستجابة للتعليمات دون حساسية. وأن يألف التعامل مع الميكروفون، وأن يكون قادرا على التنسيق بين إلقائه وإلقاء بقية الفريق والتنسيق بين الإلقاء والمؤثرات المستخدمة في العمل الدرامي، فضلا عن سلامة جهاز النطق وتميز الصوت والإلقاء، ولا حاجة لأن نؤكد على ضرورة التزام الممثل بأداء البروفات والالتزام بكـل مـا يطلب منه، فالالتزام كل لا يتجزأ، وكذلك فإن التلقائية والبساطة تعد من أهم مداخل الممثل إلى قلوب الجمهور، ولا تتأتى كل هذه الصفات دفعة واحدة، وإنما هي تراكم خبرات الممثل ومعايشته المستمرة لفن التمثيل وثقافته المسرحية ومخالطته لنوعيات مختلفة من الجمهور.