مما قدمنا تقف على عظمة الجملة القائلة «إنّ الله بكلّ شيء عليم» فهي تعني أنّه تعالى عالم بما مضى وما يأتى وما هو كائن وما في الكون من الأسرار والرموز. يقول سبحانه: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (1).
ويقول سبحانه : (قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) (2).
ويقول سبحانه : (اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) (3).
وقال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (4).
وقال عزّ من قائل : (عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (5).
إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على علمه تعالى بالجزئيات.
رفعة التّعبير القرآني عن سعة علمه:
إنّ من المفاهيم المعضلة هو تصور مفهوم اللامتناهي بحقيقته وواقعيته ، فإنّ الإنسان لم يزل يتعامل في حياته مع الأمور المحدودة ولذلك أصبح تصور اللامتناهي أمرا مشكلا في غاية الصعوبة عليه. فهذه المنظومة بما فيها من السّيّارات جزء من مجرّتنا الواسعة ومع ذلك فالجزء والكلّ متناهيان من حيث الذرّات والمركبات. وإنّ أكبر عدد تعارف الإنسان العادي على استخدامه في حياته هو رقم المليارد الذي يتألف من رقم واحد أمامه تسعة أصفار.
ثم إنّ الحضارة البشرية بسبب تكاملها في العلوم الرياضية توصلت إلى ما يسمى بالأرقام النجومية ومع ذلك فإنّ كل ما توصل إليه الإنسان من الأرقام حتى النجومية لا يتجاوز كونه عددا متناهيا ، والقرآن الكريم عند ما يريد بيان علمه سبحانه من حيث كونه لا متناهيا ، لا يستخدم الأرقام والأعداد الرياضية وحتى النجومية لانتهائها إلى حدّ ما ، بل يأتي بمثال رائع يبين سعة علمه ويقول : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (6).
أنظر إلى هذا التعبير الرائع الذي يفوق كل التعابير فلا تجد أيّ رقم رياضي يصوّر سعة علمه سبحانه يعادل قوله : (ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ). ولو قال أحد إنّ مقدار علمه هو العدد الواحد أمامه مئات الأصفار لما أفاد أيضا ما يفيده قوله : (ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) وبذلك تقف على حقيقة قوله سبحانه : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (7) ، فإنه يعبر عن محدوديّة المقاييس والمعايير البشرية كما يعبّر عن قلّة علم الإنسان وضآلة معارفه.
______________
(1) سورة الأنعام : الآية 59.
(2) سورة آل عمران : الآية 29.
(3) سورة الرعد : الآية 8.
(4) سورة ق : الآية 16.
(5) سورة سبأ : الآية 3.
(6) سورة لقمان : الآية 27.
(7) سورة الإسراء : الآية 85.