ظروف الحياة صعبة تعيد علاقة الأحفاد والأجداد إلى تألقها!
ليس بعيداً عن مستنقع المشاكل البشرية والفراغ الروحي، ليس بعيداً عن الفساد السياسي والتفكك الاجتماعي والتدهور في الأوضاع الاقتصادية، نطل على حقيقة من حقائق الحياة المتعلقة بالإنسان، إما كفرد أو ضمن مؤسسته الأسرية.
وتواجه هذه الأخيرة اليوم العديد من الضغوط والتحديات التي تؤثر في اسلوبها المعيشي. فلم يعد عمل الرجل يقتصر على توفير مسلتزمات الحياة الاساسية واتخاذ القرارات المهمة، كذلك خرجت المرأة من الإطار المنزلي أي القيام بالأعمال المنزلية وتربية الأولاد لتواكب الرجل في الكثير من اعماله وذلك بغية تأمين حماية العائلة.
ومما لا شك فيه، أنه تحت هذا الضغط، يفشل بعض الأهل في الإعراب عن المحبة التي يحتاجها أولادهم، ومن الصعب على هؤلاء حتماً، أن يستوعبوا كل هذه الصعوبات التي يواجهها الأهل والتي تؤثر سلبا في دورهم.
أشعر بأن اهلي لا يرغبان بوجودي، فهما يعاملانني كما لو كنت غريبا عنهما، فلا اذكر أن أحدا منهما قد عانقني في يوم أو قال لي شيئاً مثل (انا أحبك). هذا ما يقوله احمد 29 سنة.
هذه الاساءة أو الإهمال العاطفي - كما يعتبره الأولاد - يؤذيهم فعلاً.
في ظل هذه الأجواء المعقدة، يندفع الأولاد غالباً للبحث عما يعوض عليهم غياب الاهتمام الأبوي الحبي ويمنحهم رجاء قوياً بأنهم: مرغوب بهم أو أن لهم قيمة.
غالبا يكون الأجداد هم الذين يأخذون على عاتقهم هذه المسؤولية وهم الأقرب إلى الطفل من بعد والديه، وهما يتمعتان بالخبرة والحكمة اللتين تزدادان بتقدم العمر وبالصبر والقدرة على التعامل الصحيح مع أحفادهم مما يزيد العلاقة بينهما ثباتاً وتوطيداً.
وتقول ماغي 62 سنة: جدتي كانت الشخص الأهم في طفولتي، فهي من اعتنى بي في حين كان والداي غارقين في العمل وقد تعلمت منها أهم الأمور عن نفسي وعن العالم من حولي، وتعلمت منها أيضاً كيف أتفهم والدي ولا أحقد عليهما. كذلك تقول السيدة ليلى 36 سنة: كنت أحاول مساعدة ابنتي وذلك باعتنائي بحفيدتي لحين عودتها وزوجها من العمل وقد أمنت لها كل ما تحتاجه من أمور مادية ومعنوية، وقد نشأت بينها وبيني علاقة مميزة أكثر عمقاً من علاقتي بابنتي.
علاوة على ذلك، يلعب الأجداد دوراً في نقل التاريخ العائلي والإرث الى الأولاد، باعتبارهم مرشدين موثوق بهم والوقت الذي يترافق خلاله الأجداد والأحفاد كاف لهذا الاختلاط العميق بينهما.
عندما تكون والدتي في العمل، أقضي الوقت مع جدتي، استمع الى ما تقصه علي من روايات تخص العائلة ثم تقرأ بعض الآيات القرآنية وتحثني على أن أستعين بها متى كنت في ضيقة، تقول ربى 14 سنة.
غالباً ما كانت العلاقة بين الأجداد والأحفاد تتخذ طابع المسؤولية دون متعة. إلا أن ذلك تغير الآن، وتحول الجد أو الجدة من مرب الى صديق مقرب. فهناك العديد من الأمور التي يخجل أو لا يشعر الأولاد بالراحة بالتحدث عنها الى الوالدين، ويكون الأجداد هم الملجأ الوحيد.
وتشير بعض الدراسات بأن 80 % من المراهقين يعتبرون أجدادهم مؤتمنين على أسرارهم.
إذن، فإن هذا التواصل الموثق بين الأحفاد والأجداد تسوده المتعة وحرية المشاعر وغياب التوتر، إلا أن هذه العلاقة المميزة تقوم أساساً على مشاعر معينة قبل أن تتخذ طابع تأدية الأدوار وتأمين الحلول للأوضاع الصعبة.
يعبّر الطبيب كورنهانر عن ذلك في كتابه بين الوالدين والأجداد بقوله: يمكن للأجداد أن يحبوا أحفادهم لمجرد أنهم يتنفسون.
فهذه المشاعر تكون بالفطرة أي مشاعر طبيعية تولد بولادة الإنسان بدافع ذاتي داخلي، بغض النظر عن العوامل والظروف الخارجية.
كذلك يقول كورنهانر: إن العلاقة الجيدة التي تسودها المحبة بين الأجداد والأحفاد ضرورية من أجل الصحة العاطفية والسعادة لكل من الأجيال الثلاثة وهذه العلاقة هي حق طبيعي للأولاد مكتسب بالولادة.
هذه العلاقة الصادقة وغير الأنانية هي بمثابة بركة من الله بالنسبة إلى الأجداد وأفضل الهدايا من هؤلاء بالنسبة إلى أحفادهم، فيكون لكل من الطرفين بالنسبة إلى الآخر أهمية خاصة.
يقول أنيس 67 عاماً وهو جد لتسعة أحفاد، لشخص لم يختبر هذه المشاعر، أعتبر حيازة أحفاد هي بمثابة مكافأة نلتها مقابل تربيتي لأولادي.
هذه المحبة التي يصفها الكتاب المقدس: طويلة الأناة ونظيفة.. تحمل لك شيئاً ولا تطلب مصلحتها الخاصة. قلما تتحول الى علاقة وطيدة ما لم تقترن بظروف معينة مثلاً: الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تبعد المسافة بين الأولاد والأهل وتقربهم أكثر من الاجداد الذين تولوا مسؤولية روابط مقدسة تستحق أعظم تقدير. وبالنسبة إلى الأجداد فهم يشعرون بهذا التقدير متى رأوا أحفادهم اشخاصاً ناجحين، لهم قيمة محبين لأهلهم، لأجدادهم وللرب خالقهم. أما بالنسبة إلى الأحفاد فمطالبهم غالبا معنوية تتمثل بالمحبة ثم المحبة ثم المحبة ...