مفهوم البروده عند الأحمد نكري (القرن 12ﻫ/18م)
المؤلف:
سائر بصمه جي
المصدر:
التبريد في التراث العلمي العربي
الجزء والصفحة:
ص51
2026-07-26
36
قد يكون القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (توفي في القرن 12ﻫ/18م) آخر من ناقش مفهوم البرودة من العلماء العرب والمسلمين، إلا أننا نجد في كتاباته بعض التكرار لأقوال السابقين؛ فهو يعرف البرودة بأنها: «كيفية من شأنها تفريق المتشاكلات وجمع المتخالفات.»
ويعرِّف التكاثف على أنه انخفاض في حجم الجسم المتكاثف دون أن تنفصل عنه أجزاؤه. ويمكن أن يحدث التكاثف عن اندماج بين أجزاء المادة بحيث يلفظ ما فيه من شوائب، ويمكن أن يطلق مصطلح التكاثف على المادة ذات القوام السميك.
قال الأحمد نكري: «ينقص مقدار الجسم من غير أن ينفصل عنه جزء. وقد يطلق على الاندماج، وهو أن تتقارب الأجزاء بحيث يخرج ما بينها من الجسم الغريب كالقطن الملفوف بعد نقشه الخارج عنه الهواء، وقد يطلق على غلظ القوام.»
وقد أثار الأحمد نكري مسألةَ معالجة مفهوم العلم ذهنيًّا، ويضرب على ذلك مثال الحرارة أو البرودة؛ فما قد نتصوره عن الأشياء في أذهاننا قد يختلف عن حقيقته؛ فلن يكون لقولنا إن الجسم بارد إلا إذا قمنا بلمسه وتأكَّدنا أنه بارد بالفعل؛ لذلك يجب ألا نعول على التصور أو الصورة الذهنية فقط في العلم. وهذه الفكرة كان يؤخذ بها في أوروبا جديًّا؛ فقد كانت الدراسات العلمية تسير جنبًا إلى جنب مع الدراسات التجريبية، وحتى يومنا هذا مهما بلغت النظرية الفيزيائية من القوة الرياضية فإن لم تؤكدها التجربة فإنها ستبقى مجرد حسابات على ورق.
قال الأحمد نكري في مدخل العلم: «والوجود العلمي يُسمى وجودًا ذهنيًّا وظليًّا وغير أصيل، أما تسميته بالوجود الظلي على المذهب الثاني فظاهر، وأما على المذهب الأول فلأن مُرادهم أنه وجود كوجود الظل في انتفاء الآثار الخارجية المختصة بالوجود الخارجي، كما أن الوجود فيما وراء الذهن يُسمى وجودًا عينيًّا وأصيليًّا وخارجيًّا؛ فإن قيل إن العلم بالأشياء بأعيانها ممتنع فإنه يستلزم كون الذهن حارًّا باردًا مستقيمًا معوجًّا عند تصور الحرارة والبرودة والاستقامة والاعوجاج؛ لأنه إذا تصوَّرت الحرارة تكون الحرارة حاصلةً في الذهن ولا معنى للحار إلا ما قامت به الحرارة، وقِس عليه البرودة وغيرها. وهذه الصفات منفية عن الذهن بالضرورة، وأيضًا فإن حصول حقيقة الجبل والسماء مع عِظمهما في الذهن مما لا يعقل جعلنا نقول إن الحاصل في الذهن صورة وماهية موجودة بوجود ظلي لا بهُوية عينية موجودة بوجود أصيل، والحار ما تقوم به هُوية الحرارة؛ أي ماهيتها الموجودة بوجود عيني لا ما تقوم به الحرارة الموجودة بوجود ظلي، فلا يلزم اتصاف الذهن بتلك الصفات المنفية عنه، والممتنع في الذهن حصول هوية الجبل والسماء وغيرهما من الأشياء؛ فإن ماهياتها موجودة بوجود خارجي يمتنع أن يحصل في أذهاننا، وأما مفهوماتها الكلية وماهياتها الموجودة بالموجودات الظلية فلا يمتنع حصولها في الذهن؛ إذ ليست موصوفةً بصفات تلك الهويات، لكن تلك الماهيات بحيث لو وُجدت في الخارج متشخصةً بتشخص جبل الطور وسماء القمر مثلًا لكانت بعينها جبل طور وسماء قمر، ولا نعني بعلم الأشياء بأعيانها إلا هذا.»
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريخ الفيزياء
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة