[قسّم بعض المتكلمين صفاته سبحانه إلى ذاتية وخبرية ، والمراد من الأولى أوصافه المعروفة : من العلم والقدرة والحياة ، والمراد من الثانية ما أثبتته ظواهر الآيات والأحاديث له سبحانه، ومن هذه الصفات الخبرية] وجهه سبحانه.
قد عرفت أنّ الإمام الأشعري قال في كتابه (الإبانة) : «بأنّ لله وجها بلا كيف كما قال : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (1). وهو يريد بذلك إثبات الوجه لله سبحانه بمعناه الحرفي ولكن فرارا عن التشبيه يذيله بالبلكفة ويقول «بلا كيف».
والمؤوّلة يعتقدون بلزوم التأويل في الآية ويقولون تأويلها الذات ، ولكن ما قالت به المؤوّلة وإن كان صحيحا نتيجة ، إلّا أنّ الآية لا تحتاج إلى التأويل ، وإنما تحتاج إليه لو فرضنا أنّ الوجه ظاهر في العضو الخاص. وأما لو كان ظاهرا ـ بسبب القرينة التي سنذكرها ـ في ذات الشيء وشخصه ، فلا تحتاج إليه ، ويكون الظاهر المتبادر هو المتبع.
والدليل عليه هو أنّ الوجه ، كما يأتي بمعنى العضو الخاص ، يأتي بمعنى الذات. قال ابن فارس : «ربما عبر عن الذات بالوجه ، قال :
استغفر الله ذنبا لست محصيه
ربّ العباد إليه الوجه والعمل» (2).
ولعل وجه التعبير عن الذات بالوجه ، أنّ وجه الإنسان أو وجه كل شيء تمام حقيقته عند الناظر ، ولأجل ذلك إذا رأى شخص وجه إنسان آخر يقول رأيته ، كأنه رأى الذات كلها. وعلى ذلك فيحتاج حمل اللفظ على واحد من المعنيين الرائجين إلى قرينة ، لأن المعنى الثاني بلغ بكثرة الاستعمال إلى حد الحقيقة.
والقرينة تعين المعنى الثاني ، حيث وصف الوجه بقوله : (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) ومن المعلوم أنّها من صفات الرب ، أي ذاته سبحانه ، لا من صفات الوجه ، أعني الجزء من الكل. ولو كان الوجه هنا بمعنى العضو المخصوص ، لوجب أن يجعل «الجلال والاكرام» ، وصفا للربّ (المضاف إليه) ، ويقول «ذي الجلال والاكرام».
ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه جعله وصفا للمضاف إليه (الرب) لا المضاف ، في آية أخرى وقال سبحانه: (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) ، ومن المعلوم أنّ الاسم ليس صاحب هذا الوصف ، وإنما صاحبه هو نفس الرب ، وسيوافيك توضيح وافر عند البحث عن كونه سبحانه ليس بجسم في الصفات السلبية.
وهناك كلمة مروية عن الرسول الأعظم وهي : «إن الله خلق آدم على صورته» فاستدل به المشبهة على أنّ لله سبحانه صورة وخلق آدم على طبقها. ولكن القوم لو رجعوا إلى أئمة أهل البيت لوقفوا على أنّ الحديث نقل مبتورا ، فقد روى الصدوق بسنده عن علي (عليه السلام) قال : «سمع النبيّ رجلا يقول لرجل: قبح الله وجهك ووجه من يشبهك. فقال (صلى الله عليه وآله) : مه ، لا تقل هذا ، فإن الله خلق آدم على صورته» (3).
أي على صورة هذا الرجل الذي تسبه وتسب من يشبهه وهو آدم.
وروى أيضا عن الحسين بن خالد أنّه قال للرضا (عليه السلام) : «يا ابن رسول الله : إنّ الناس يروون أنّ رسول الله قال إنّ الله خلق آدم على صورته ، فقال : قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث : إنّ رسول الله مرّ برجلين يتسابان ، فسمع أحدهما يقول لصاحبه : قبح الله وجهك ، ووجه من يشبهك ، فقال (صلى الله عليه وآله) : يا عبد الله ، لا تقل هذا لأخيك ، فإنّ الله عزوجل خلق آدم على صورته» (4).
______________
(1) سورة الرحمن : الآية 27.
(2) المقاييس ، ج 6 ، ص 88 ، مادة «وجه».
(3) التوحيد للصدوق ، الباب 12 ، الحديث 10 ، ص 152.
(4) التوحيد للصدوق ، الباب 12 ، الحديث 11 ، ص 153.