أشرنا قبل هذا إلى أنّ الآية الشريفة المفسرة تندرج في لائحة الآيات القرآنية المحكمة وتدخل ضمن إطار باب الوصية حيث تحيط بهذا الموضوع الكثير من البحوث الفقهية والتفسيرية[1]. وسنورد فيما يلي بعضاً من تلك البحوث:
1. حقيقة الوصية وأنواعها: الوصية إما أن تكون عهدية أو تمليكية؛ فالوصية العهدية هي إيقاع يوصي به الميت الآخرين فيما يخص تجهيزه من غسل وتكفين وصلاة ودفن، وأما الوصية التمليكية فهي عقد يتم بموجبه تمليك فرد آخر - حقيقي أو حقوقي - مالاً معيناً على ألا يزيد على الثلث المسموح له بعد وفاته[2]. وقد اشتهر بين الفقهاء حاجة ذلك إلى الإيجاب والقبول، وهي (أي الوصية) من العقود الجائزة.
2. إيقاع الوصية: الظاهر أن الوصية تُعتبر من الإيقاعات ولهذا يكفي أن يُوصى للموصى لــه بالتمليك ليصبح مالكاً لذلك المال، ولكن إذا اعتبرناها بمثابة عقد، وهـو المعروف لدى الفقهاء، فإنّ امتلاك الموصى به لا يصح إلا بعد موافقة الموصى له[3].
وقال بعضهم بعدم اشتراط قبول الموصى له لصحة الوصية إلا أن له أن يردّ ذلك ويمتنع عنه[4]. وتختلف الوصية عن الإرث في كون الأخير ملكاً مستقلاً ولا يشترط فيه القبول أو الردّ، أمّا في الوصيّة (وخاصة التمليكية) إذا لم يكن القبول شرطاً لصحتها فإنّ الردّ يكون مانعاً لها، فإذا ردّها الموصى له تبطل الوصية بالنسبة له. وتظهر ثمرة ونتائج هذا البحث في موضوع النماءات[5].[6]
والدليل على إيقاع الوصية وأن القبول فيها ليس شرطاً وأن الرد هو المانع الوحيد لها، الظهور القرآني والدليل الروائي: أ. ذكر الله سبحانه الوصية والميراث في سياق واحد: (فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ[7])، فالإرث إذا يكون بعد العمل بالوصية وأداء الدين (أو الديون) ويدل ذلك على أن القبول ليس شرطاً في الإرث وهو ليس كذلك في الوصبة أيضاً؛ لأن سياقها وصيغتهما متشابهتين، لكن الظهور السياقي ليس ظهوراً قوياً كما هو واضح وخاصة في هذا المورد الضعيف.
ب. توجد روايات تحمل هذا المضمون وهو: إذا أوصى أحدهم بمال لآخر فتوفّي الموصى له قبل استلامه لذلك المال، فإنّ ذلك المال (الموصى به) ينتقل إلى ورثته (أي ورثة الموصى لــه)، وعلى هذا فإنّ المال المذكور يصبح ملكاً للموصى لــه بمجرد الإيصاء به، حيث ينتقل إلى ورثته إذا ما تُوفي هو[8].
تذكير: يمكن الرجوع إلى فنّ الفقه الشريف للمزيد من المعلومات حول كون الوصية من الإيقاعات لا العقود[9].
3. تنفيذ الوصية: (إن لكل من أقرباء الميت ووالديه سهماً معيناً وحصة مُحدّدة مما يترك من الإرث، لكن لا مانع من أن يقوم الشخص الموصي) إذا ما ظهرت عليـه علامات الموت، بالإيصاء لبعض الورثة من حقه الشخصي الذي هو الثلث بشيء يزيد على سهم الآخرين؛ وأما أية تعليمات أو أوامر يضعها الموصي في وصيته تتعلق بكيفية توزيع الميراث فهي باطلة؛ لأن علاقته بماله تنقطع بمجرد موته وسيؤول ذلك المال إلى الورثة ليقوموا بعد ذلك بتقسيمه وفقاً لكتاب الله تعالى. ومع هذا، فلا مانع من أن يقوم الورثة بتقسيم المال بحسب ما ورد في وصية الميت (الموصي) عن طيب أنفسهم ورضاهم القلبي، وفي غير هذه الحالة، فإن الوصية لن تكون ملزمة شرعاً إذا ما زادت عن الثلث المقرر له[10].
4. عدم كفاية الوصية وحدها: تجدر الاشارة الى أن مجرد ايصاء المتوفى المديون لا يعني انتقال الدين والحقوق الالهية من ذمته الى ذمة الوصي وأما ما جاء في بعض الروايات من أنه في حال قبول ولي المتوفى فإن الذمة تنتقل اليه[11]، فإن ذلك يتعلق بمسألة الضمان الا الوصية كأن يقول الوصي أو الولي للدائن ضمن عقد الضمان هذا: سأقوم بأداء دينك بنفسي فيقبل الدائن ذلك وعليه فلو كانت هناك ديون أو حقوق في ذمة شخص ما ولم يكن لديه عذر في أدائها أو الوفاء بها واكتفى بالوصية ثم لم يعمل بوصيته بعد موته فإنه سيؤاخذ على ذلك ولكن إذا كان معذورا في أداء الدين أو الحق الموجود في ذمته وأوصى بأدائها بعد موته فذمته مشغولة من الناحية الوضعية أما من الناحية التكليفية فهو غير معرض للمعاقبة فإذا لم يوصي بذلك الدين أو الحق فلن يسقط عنه لا الحكم التكليفي ولا الحكم الوضعي.
ومن المستحب تبرئة ذمة الميت المديون بواسطة زكاة الاموال أو الفطرة باعتبار أن أحد نفقات الزكاة تخص المدينين: (...وَالْغَارِمِينَ[12]).
[1] راجع زبدة البيان: 468 / 278
[2] نواعد الأحكام: 401؛ سلسلة الينابيع الفقهية: 12 / 306. قال الإمام الخميني تقلق. والوصية إما تمليكية، كأن يوصي بشيء من تركته لزيد ويلحق بها الإيصاء بالتسليط على حق، وإما عهدية، كأن يُوصي بما يتعلق بتجهيزه أو باستئجار الحج أو الصلاة أو نحو هما له، وإما فكية تتعلق بفك ملك كالإيصاء بالتحرير تحرير الوسيلة: (كتاب الوصية).
[3] راجع جواهر الکلام: 28 / 242
[4] العروة الوثقى: 654/5 ، كتاب الوصية. قال العلامة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (طيب الله رمسه): المسألة 1: الوصية المهدية لا تحتاج إلى القبول وكذا الوصية بالفك كالعتق، وأما التمليكية فالمشهور على أنه يعتبر فيها القبول جزءاً، وعليه نكون من العقود أو شرطاً على وجه الكشف أو النقل فيكون من الإيقاعات، ويُحتمل قوياً عدم اعتبار القبول فيها، بل يكون الرد مانعاً، وعليه تكون من الإيقاع الصريح ودعوى أنه يستلزم الملك الفهري وهو باطل في غير مثل الإرث مدفوعة بأنه لا مانع منه عقلاً، ومقتضى عمومات الوصية ذلك مع أن الملك الفهري موجود في مثل الوقف المسألة 2: بناء على اعتبار القبول في الوصية يصح إيقاعه بعد رواة الموصي بلا إشكال وقبل وفاته على الأقوى، ولا وجه لما عن جماعة من عدم صحته حال الحياة؛ لأنها تمليك بعد الموت، فالقبول قبله كالقبول قبل الوصية فلا محل له.
[5] النماء: النمو والزيادة النماء المحكمي: زيادة القيمة السوقية للشي، كأن تكون قيمته (100) درهماً وتصبح (150 درهماً، النماء المتصل الزيادة الداخلة في الشيء، كالزيادة في السمن، أو في الحجم، أو في الطول أو في العرض النماء المنفصل: الزيادة الخارجة (المستقلة) عن الشيء، كالبيض الذي يعطيه الدجاج، والثمر من الشجرة والصوف والشعر والوبر من الأنعام. (معجم ألفاظ الفقه الجعفري، الدكتور أحمد فتح الله: 1 / 430) .
[6] راجع: تحرير الوسيلة: 2 / 83، كتاب الوصية.
[8] وسائل الشيعة: 19 / 333 - 334، الحديث 1. محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عــن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام علة في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب، فتو في الموصى له ـ الذي أوصي لــه ـ قبل الموصي، قال: الوصية لوارث الذي أوصي له، قال: ومن أوصى لأحد شاهداً كان أو غائباً فتوفي الموصى له قبل الموصي فالوصية لوارث الذي أوصى له، إلا أن يرجع في وصيته قبل موته.
[9] راجع مثلاً: كنز العرفان: 2 / 93 - 94؛ تحرير الوسيلة: 2 / 82 - 83.
[10] راجع: سلسلة الينابيع الفقهية: 12 / 67 - 68 .
[11] وسائل الشيعة: 18 / 346 الحديث 1.محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء فقال: إذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمة الميت .