قال ابن شهرآشوب في «معالم العلماء» في ترجمة يحيى بن عليّ بن محمّد الحسينيّ الرقّيّ: يروي عن الصادق عليه السلام الدعاء المعروف بـ «إنجيل أهل البيت عليهم السلام».[1] وقال: دعاء الصحيفة ويُلقّب بـ «زبور آل محمّد عليهم السلام».[2] ووصفها بالكاملة لكمالها فيما الّفت له، أو لكمال مؤلّفها على حدّ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجَمِيلِ جَمِيلُ
(56) رَبِّ صَلِّ عَلَى أطَايِبِ أهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ اخْتَرْتَهُمْ لأمْرِكَ، وجَعَلْتَهُمْ خَزَنَةَ عِلْمِكَ، وحَفَظَةَ دِينِكَ، وخُلَفَاءَكَ في أرْضِكَ، وحُجَجَكَ عَلَى عِبَادِكَ، وطَهَّرْتَهُمْ مِنَ الرِّجْسِ والدَّنَسِ تَطْهِيراً بِإرادَتِك، وجَعَلْتَهُمُ الوَسِيلَةَ إلَيْكَ، والمَسْلَكَ إلَى جَنَّتِكَ.
(57) رَبِّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ صَلَاةً تُجْزِلُ لَهُمْ بِهَا مِنْ نِحَلِكَ وكَرَامَتِكَ، وتُكْمِلُ لَهُمُ الأشْيَاءَ مِنْ عَطَايَاكَ ونَوَافِلِكَ، وتُوَفِّرُ عَلَيْهِمُ الحَظَّ مِنْ عَوَائِدِكَ وفَوَائِدِكَ.
(58) رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ صَلَاةً لَا أمَدَ في أوَّلِهَا، ولَا غَايَةَ لأمَدِهَا، ولَا نِهَايَةَ لآخِرِهَا.
(59) رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِمْ زِنَةَ عَرْشِكَ ومَا دُونَهُ، ومِلء سَمَاوَاتِكَ ومَا «فَوْقَهُنَّ، وعَدَدَ أرَضِيكَ ومَا تَحْتَهُنَّ ومَا بَيْنَهُنَّ، صَلَاةً تُقَرِّبُهُمْ مِنْكَ زُلْفَى، وتَكُونُ لَكَ ولَهُمْ رِضى، ومُتَّصِلَةً بِنَظَائِرِهِنَّ أبَداً.
(60) اللَهُمَّ إنَّكَ أيَّدْتَ دِينَكَ في كُلِّ أوَانٍ بِإمَامٍ أقَمْتَهُ عَلَماً لِعِبَادِكَ، ومَنَاراً في بِلَادِكَ بَعْدَ أنْ وَصَلْتَ حَبْلَهُ بِحَبْلِكَ، وجَعَلْتَهُ الذَّرِيعَةَ إلَى رِضوَانِكَ، وافْتَرَضْتَ طَاعَتَهُ، وحَذَّرْتَ مَعْصِيَتَهُ، وأمَرْتَ بِامْتِثَالِ أوَامِرِهِ، والانْتِهَاءِ عِنْدَ نَهْيِهِ، وألَّا يَتَقَدَّمَهُ مُتَقَدِّمٌ، ولَا يَتَأخَّرَ عَنْهُ مُتَأخِّرٌ. فَهُوَ عِصْمَةُ اللَّائِذِينَ، وكَهْفُ المُؤْمِنِينَ، وعُرْوَةُ المُتَمَسِّكِينَ، وبَهَاءُ العَالَمِينَ.
(61) اللَهُمَّ فَأوْزِعْ لِوَلِيِّكَ شُكْرَ مَا أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْهِ، وأوْزِعْنَا مِثْلَهُ فِيهِ، وآتِهِ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً، وافْتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسِيراً، وأعِنْهُ بِرُكْنِكَ الأعَزِّ، واشْدُدْ أزْرَهُ، وقَوِّ عَضُدَهُ، ورَاعِهِ بِعَيْنِكَ، واحْمِهِ بِحِفْظِكَ، وانْصُرْهُ بِمَلَائِكَتِكَ، وامْدُدْهُ بِجُنْدِكَ الأغْلَبِ.
(62) وأقِمْ بِهِ كِتَابَكَ وحُدُودَكَ وشَرَائِعَكَ وسُنَنَ رَسُولِكَ صَلَوَاتُكَ اللَهُمَّ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ، وأحْي بِهِ مَا أمَاتَهُ الظَّالِمُونَ مِنْ مَعَالِمِ دِينِكَ، واجْلُ بِهِ صَدَاءَ الجَوْرِ عَنْ طَرِيقَتِكَ، وابْنِ بِهِ الضَّرَّاءَ مِنْ سَبِيلِكَ، وأزِلْ بِهِ النَّاكِبِينَ عَنْ صِرَاطِكَ، وامْحَقْ بِهِ بُغَاةَ قَصْدِكَ عِوَجاً.
(63) وألِنْ جَانِبَهُ لأوْلِيَائِكَ، وابْسُطْ يَدَهُ عَلَى أعْدَائِكَ، وهَبْ لَنَا رَأفَتَهُ ورَحْمَتَهُ وتَعَطُّفَهُ وتَحَنُّنَهُ، واجْعَلْنَا لَهُ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، وفي رِضَاهُ سَاعِينَ، وإلَى نُصْرَتِهِ والمُدَافَعَةِ عَنْهُ مُكْنِفِينَ، وإلَيكَ وإلَى رَسُولِكَ صَلَوَاتُكَ اللَهُمَّ عَلَيْهِ وآلِهِ بِذَلِكَ مُتَقَرِّبِينَ.
(64) اللَهُمَّ وصَلِّ عَلَى أوْلِيَائِهِمُ المُعْتَرِفِينَ بِمَقَامِهِمْ، المُتَّبِعِينَ مَنْهَجَهُمْ، المُقْتَفِينَ آثَارَهُمْ، المُسْتَمْسِكِينَ بِعُروَتِهِمْ، المُتَمَسِّكِينَ بِوِلَايَتِهِمْ، المُؤتَمِّين بِإمَامَتِهِمْ، المُسَلِّمِينَ لأمْرهِمْ، المُجْتَهِدِينَ في طَاعَتِهِمْ، المُنْتَظِرِينَ أيَّامَهُمْ، المَادِّينَ إلَيْهِمْ أعْيُنَهُمْ، صَّلَوَاتِ المُبَارِكَاتِ الزَّاكِيَاتِ النَّامِيَاتِ الغَادِيَاتِ الرَّائِحَات.
(65) وسَلِّمْ عَلَيْهِمْ وعَلَى أرْوَاحِهِمْ، واجْمَعْ عَلَى التَّقْوَى أمْرَهُمْ، وأصْلِحْ لَهُمْ شُئونَهُمْ، وتُبْ عَلَيْهِمْ إنَّكَ أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وخَيْرُ الغَافِرِينَ، واجْعَلْنَا مَعَهُمْ في دَارِ السَّلَامِ بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.[3]
أجل، لمّا كان كلامنا في هذه العُجالة يدور حول «الصحيفة السجّاديّة الإلهيّة الكاملة» التي أنشأها وأملاها إمامنا الهُمام سيّد العابدين وزين الساجدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم أفضل الصلاة وأتمّ التحيّة والإكرام.[4] فلم أجد كلاماً يأخذ بالأعناق ويملك القلوب.
[1] «معالم العلماء» في «فهرست كتب الشيعة وأسماء مصنّفيهم من القدماء والمتأخّرين» تأليف محمّد بن عليّ بن شهرآشوب المازندرانيّ المتوفّى سنة 588 هـ، ص 131، رقم 886، الطبعة الثانية، المطبعة الحيدريّة في النجف الأشرف، سنة 1380 هـ.
[2] «معالم العلماء» ص 125، رقم 847، ذكر في ترجمة المتوكّل بن عمير بن المتوكّل ما نصّه: روى عن يحيى بن زيد بن عليّ «دعاء الصحيفة» ويلقّب بـ «زبور آل محمّد». أقول: إنّ تداول لفظ إنجيل أهل البيت وزبور آل محمّد بالنسبة إلى «الصحيفة السجّاديّة الكاملة» بلغ مبلغاً أنّه أصبح عَلَماً لها، ويلحظ في كتب العلماء والأعلام كثيراً. فقد صرّح به الميرداماد في شرحه لها، ص 58 على ما حكاه ابن شهرآشوب، وأورده المحقّق الفيض في شرحه المطبوع مع «نور الأنوار» للجزائريّ، ص 249 أيضاً. وقال آية الله الميرزا محمّد عليّ المدرِّس الجهاردهيّ الجيلانيّ في ديباجة شرحه الفارسيّ للصحيفة، ص 3 ما تعريبه: اعلم أنّ صدور «الصحيفة» عن إمام الساجدين عليه الصلاة والسلام من الواضحات اللائحات التي لا غبار عليها. ولا قَدْح في سندها، حتى أنّ الغزّاليّ قال: تلك «الصحيفة» زبور آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم.
[3] «الصحيفة السجّاديّة الكاملة»، الدعاء السابع والأربعون: دعاء يوم عرفة، الفقرات 56 إلى 65.
[4] جاء في «رياض السالكين» في طبعة سنة 1334: ص 31، وفي طبعة جماعة المدرّسين: ج 1، ص 210 إلى 212: هو زين العابدين وسيّد الزاهدين وقدوة المقتدين وإمام المؤمنين، أبو الحسن، وأبو محمّد عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام. امّه شاه زنان ابنة يزد جرد بن شهريار بن كسرى. وقيل: كان اسمها شهر بانويه. وفيه يقول أبو الأسود الدئليّ:وَ إنَّ غُلاماً بَيْنَ كِسْرَى وهَاشِمٍ***لأكْرَمُ مَنْ نِيطَتْ عَلَيْهِ التَّمائِمُولد بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة قبل وفاة جدّه أمير المؤمنين عليه السلام بسنتين، فبقي مع جدّه سنتين، ومع عمّه الحسن عليه السلام اثنتي عشرة سنة، ومع أبيه الحسين عليه السلام ثلاثاً وعشرين سنةً، وبعد أبيه أربعاً وثلاثين سنةً. وتوفّي بالمدينة سنة خمس وتسعين للهجرة، وله يومئذٍ سبع وخمسون سنة. ودُفن بالبقيع في القبر الذي فيه عمّه الحسن عليه السلام، في القبّة التي فيها العبّاس بن عبد المطّلب رضي الله عنه. وكان يقال له: ذو الثَّفِنَاتِ، جمع ثَفِنَة (بكسر الفاء). وهي من الإنسان الركبة ومجتمع الساق والفخذ، لأنّ طول السجود أثّر في ثفناته. قال الزهريّ: ما رأيتُ هاشميّاً أفضل من عليّ بن الحسين. 1 وعن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام قال: كان عليّ بن الحسين عليه السلام يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكانت الريح تُميله بمنزلة السنبلة. 2 وكان إذا توضّأ للصلاة يصفرّ لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: تدرون بين يدي من اريد أن أقوم؟! 3و قال ابن عائشة: سمعتُ أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السرّ حتى مات عليّ بن الحسين عليهما السلام. 4 ولمّا مات عليه السلام وجرّدوه للغسل جعلوا ينظرون إلى آثار في ظهره فقالوا: ما هذا؟ قيل: كان يحمل جربان الدقيق على ظهره ليلًا ويوصلها إلى فقراء المدينة سرّاً. 5 وكان يقول: إنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ. 6 وعن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه قال: حجّ عليّ بن الحسين عليه السلام ماشياً، فسار من المدينة إلى مكّة عشرين يوماً وليلة. 7 وعن زرارة بن أعين قال: سمع سائل في جوف الليل وهو يقول: أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة؟ فهتف به هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه: ذاك عليّ بن الحسين. 8 وعن طاووس: إنّي لفي الحجر ليلة، إذ دخل عليّ بن الحسين فقلت: رجل صالح من أهل بيت النبوّة لأسمعنّ دعاءه، فسمعته يقول: عُبَيْدُكَ بِفِنَائِكَ، مِسْكِينُكَ بِفِنَائِكَ، فَقِيرُكَ بِفِنَائِكَ. قال: فما دعوتُ بهنّ في كربٍ إلّا فرّج عنّي. 9و حكى الزمخشريّ في «ربيع الأبرار» قال: لمّا وجّه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة لاستباحة أهل المدينة، ضمّ عليّ بن الحسين إلى نفسه أربعمائة منافية بحشمهنَّ، يعولهنّ إلى أن تقوّض جيش مسلم، فقالت امرأةٌ منهنّ: مَا عِشْتُ واللهِ بَيْنَ أبَوَيّ بِمِثْلِ ذَلِكَ الشَّرِيفِ. 10 وكان عليه السلام كثير البرّ بأمّه، فقيل له: إنّك أبرّ الناس بامّك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة؟ فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها. 11 وقيل له: كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحنا خائفين برسول الله، وأصبح جميع أهل الإسلام آمنين. 12------------------------------------------------------------ [1] «تذكرة الخواصّ» لابن الجوزيّ، ص 331؛ و«الإرشاد» للمفيد، ص 257. [2 و3] «الإرشاد» للمفيد، ص 256. [4] «البداية والنهاية» ج 9، ص 154. [5]«المناقب» لابن شهرآشوب، ج 4، ص 153. [6] «المناقب» ج 4، ص 154. [7] الى [8 و9] «الإرشاد»، ص 256. [10] «ربيع الأبرار»؛ و«كشف الغمّة» ج 2، ص 107. [11] «مكارم الأخلاق»، ص 221. [12] «كشف الغمّة» ج 2، ص 107.