لقد منع عمر الناس من السؤال عن معاني القرآن ومفاهيمه، وكان يقول: على الناس أن يقرأوا ظاهر القرآن. وكذلك حظر عليهم ذكر الأحاديث وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته. وأمر ولاته وعمّاله في الأمصار أن ينهوا الناس عن الخوض في الأحاديث النبويّة. وكلّ من كان ينقل حديثاً عن رسول الله، لم يسلم منه. وكانت درّته قويّة، وسريعة في ضربتها بحيث لم تدع لأحد مجالًا للسؤال، ذلك لأنّها لم تعرف من تقع عليه، ولا تشخّص الرأس، والوجه، والعنق، والجذع. ومسكين هو السائل، فما إن يسأل عن مسألة، حتى يضرب بالدرّة فيتورَّمَ رأسُه، وينزف الدم من أنفه وفمه.
وقال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة»: دِرَّةُ عُمَرَ أهْيَبُ مِنْ سَيْفِ الحَجَّاجِ.[1]
وقد علمنا أنّ عبد الله بن عبّاس كان يريد سؤال عمر عن معنى الآية الآتية ومصداقها: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما، ولم يزل حريصاً على ذلك، بَيدَ أنّه لم يجرأ حتى رافقه في سفر. فأخذ منه الإبريق في الطريق ليسكب على يده الماء فيتوضّأ. فاغتنم الفرصة، فقال: يا أمير المؤمنين! من هما المرأتان المقصودتان في هذه الآية: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ؟ قال ابن عبّاس: فتأمّل عمر -كأنّه كره ما سألته عنه- ثمّ رفع رأسه وقال: حفصة وعائشة.[2]
وكذلك علمنا في مسألة العول أنّ ابن عبّاس لمّا بيّن هذه المسألة لزُفَر وأوضح له أنّ العول باطل وخطأ، قال له زُفر: هلّا قلتَ هذا وعمر حيّ؟ قال: إنَّما كُنْتُ أهِيبُهُ.[3]
واستغرق منع بيان الأحاديث النبويّة قرناً من الزمان. وكان نقلها محظوراً يومئذٍ. لماذا...؟ وما أعظم المصيبة التي ألمّت بالامّة الإسلاميّة من جرّاء ذلك!
إن كتاب الله (القرآن الكريم) نزل للتلاوة والتدبّر وفهم معانيه ومفاهيمه. وما أكثر الآيات التي أمرتنا بالتدبّر في القرآن، وحذّرتنا بشدّة من عدم فهمه! فإذا فقد الإنسان الحقّ في فهم القرآن وحُظر عليه السؤال عن مدلوله ومراده، فما ذا يغنيه هذا الكتاب؟ وهذا الكتاب كتاب عمل، والعمل بدون علم محال، فكيف يتيسّر العمل بالقرآن والتصرّف في ضوء تعالى مه بدون فهمه واستيعابه؟
إن الآيات المتشابهات جمّة في القرآن الكريم، ولكنّها للناس أيضاً. ولم يرد في القرآن لغو وعبث وخطأ. وكلّ ما في الأمر أنّنا ينبغي أن نُرجع الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة. وعندئذٍ نظفر بمعناها ومفهومها منها. ونُصِّب الراسخون في العلم من قِبَل الشارع الأقدس لهذا الأمر. وهم يعرفون معاني المتشابهات، ويبيّنون للناس الحقيقة من خلال إرجاعها إلى المحكمات.
ولو قُدّر أنّ الآيات المتشابهات لا يفهمها أحد إلّا الله، وأنّ أهل العلم والراسخين في المعارف قد حُرموا فهمها، فانّ جميع محتوى القرآن سيصبح خالياً من هذه الآيات المتشابهة حقّاً، بينما نحن نعلم أنّ القرآن هو مجموعة الآيات المحكمة والآيات المتشابهة.
ومن الطبيعيّ أنّ عمر لم يفهم معاني الآيات المتشابهة، بل لم يفهم بعض الآيات المحكمة، ولا ينتظر أحد منه أن يفهم ذلك. وكلّ امرئٍ له شاكلته. وله استيعابه وقابليّته الخاصّة. ولكن يا حسرتا هنا على جلوس هذا الشخص في مجلس النبيّ الأعظم وتربّعه على أريكة الوحي والإلهام والولاية والكتاب وهذه الامور الباطنيّة؟ وهو الذي لا علم له بظواهر القرآن، ولا جواب عنده يجيب به مراجعيه، وقد جلس مكان اللسان المعبّر الفصيح البليغ، أعني صاحب الولاية أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو الأهل هذا المنصب، والمتربّي في هذه المدرسة، والراضع من ثدي الوحي والفهم والدراية والعلم، والقائل: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، والمترنّم بكلامه: لَوْ ثُنِيَت لِيَ الوِسَادَةُ. وكان جواب عمر للناس إسكاتهم وإخراسهم بدرّته، ونهرهم عن السؤال والكلام والبحث والرواية.
وكان لا يعرف معنى قوله تعالى: والذَّارِياتِ ذَرْواً، فَالْحامِلاتِ وِقْراً، فعجز عن جواب صُبَيغ وخجل وافتضح، فلهذا انهال عليه بدرّته. ولم يرد في الروايات المأثورة في هذا المجال أنّ عمر قال إنّ معنى الذَّارِياتِ الرياح، ومعنى فَالْحامِلاتِ السُّحُب، أو أنّه قال: لو لم يقله رسول الله ما قلته. وما جاء من عبارات -في حديث السيوطيّ وابن كثير منقولًا عن سعيد بن المسيّب- موضوعٌ من قبل الراوي الذي أراد أن يغطّي على جهل الخليفة وينتحل له عذراً يسوّغ فيه ضربات درّته المنهالة على صبيغ.
ونصّ ابن كثير في بيان هذا الحديث على أنّه حديث مرفوع. ثمّ قال: قال أبا بكر البزّاز: فأبو بكر بن أبي سُبَرَة ليّن، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث ثمّ قال: قلتُ: فهذا الحديث ضعيف رفعه.[4]
ولا يعرف كتاب الله إلّا من جاء به وخليفته الذي حمله إلى المسجد ملفوفاً بقطعة من القماش، وقال لتلك الجماعة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي. فهذا كتاب الله، وأنا عترة رسول الله.
فقام عمر وقال: إذا كان عندك كتاب الله، فعندنا مثله، فلهذا لا حاجة بنا إليكما (الكتاب والعترة). فأرجع أمير المؤمنين عليه السلام الكتاب معه وقال: سوف لن تراه إلى يوم القيامة.[5]
[1] «شرح نهج البلاغة» ج 1، ص 181، طبعة مصر، دار الإحياء؛ قال: كان يقال. .. وذكر ابن أبي الحديد هنا أيضاً أنّه روى في الصحيح أنّ نسوة كنّ عند رسول الله صلى الله عليه وآله قد كثر لغطهنّ، فجاء عمر فهربن هيبة له، فقال لهنّ: يا عُدَيّات أنفسهنّ! أتهبنني ولا تهبن رسول الله! قلن: نعم، أنت أغلظ وأفظّ.
[2] تفسير «الكشّاف» للزمخشريّ، في ذيل البحث حول هذه الآية المباركة من سورة التحريم.
[3] «معرفة الإمام» ج 11، الدرس 161 إلى 165. ونقلت هذه العبارة هناك عن ابن أبي الحديد.
[4] «تفسير ابن كثير» ج 6، ص 414.
[5] من الجدير بالذكر أنّ هذا المصحف الذي بين أيدينا لا يزيد ولا ينقص آية أو حرفاً واحداً عن مصحف أمير المؤمنين عليه السلام، كما لم يُحرَّف ولم يُصَحَّف. وإنّما تميّز مصحفه عليه السلام لأسباب هي: 1- أنّه جُمعت فيه الآيات والسور حسب ترتيب نزوله. 2- ذُكر فيه شأن النزول، وهذا أمر مهمّ وعظيم جدّاً كان القوم يخشونه. 3- كان معجماً ولذلك كان يُتلى دون احتمال معنى آخر، أمّا المصاحف الاخرى فكانت غير معجمة، وإنّما اعجمت أيّام الحجّاج بن يوسف الثقفيّ.