

التوحيد

النظر و المعرفة

اثبات وجود الله تعالى و وحدانيته


صفات الله تعالى


الصفات الثبوتية

القدرة و الاختيار

العلم و الحكمة

الحياة و الادراك

الارادة

السمع و البصر

التكلم و الصدق

الأزلية و الأبدية

الصفات الجلالية ( السلبية )

الصفات - مواضيع عامة

معنى التوحيد و مراتبه


العدل

البداء

التكليف

الجبر و التفويض

الحسن و القبح

القضاء و القدر

اللطف الالهي

مواضيع عامة


النبوة

اثبات النبوة

الانبياء

العصمة

الغرض من بعثة الانبياء

المعجزة

صفات النبي

النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

مواضيع متفرقة

القرآن الكريم


الامامة

الامامة تعريفها ووجوبها وشرائطها

صفات الأئمة وفضائلهم ومودتهم

العصمة

امامة الامام علي عليه السلام

إمامة الأئمة الأثني عشر

الأمام المهدي عجل الله فرجه الشريف

الرجعة


المعاد

تعريف المعاد و الدليل عليه

المعاد الجسماني

الموت و القبر و البرزخ

القيامة

الثواب و العقاب

الجنة و النار

الشفاعة

التوبة


فرق و أديان

علم الملل و النحل ومصنفاته

علل تكون الفرق و المذاهب

الفرق بين الفرق

الشيعة الاثنا عشرية

أهل السنة و الجماعة

أهل الحديث و الحشوية

الخوارج

المعتزلة

الزيدية

الاشاعرة

الاسماعيلية

الاباضية

القدرية

المرجئة

الماتريدية

الظاهرية

الجبرية

المفوضة

المجسمة

الجهمية

الصوفية

الكرامية

الغلو

الدروز

القاديانيّة

الشيخية

النصيرية

الحنابلة

السلفية

الوهابية


شبهات و ردود

التوحيـــــــد

العـــــــدل

النبـــــــوة

الامامـــــــة

المعـــاد

القرآن الكريم

الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)

الزهراء (عليها السلام)

الامام الحسين (عليه السلام) و كربلاء

الامام المهدي (عليه السلام)

إمامة الائمـــــــة الاثني عشر

العصمـــــــة

الغلـــــــو

التقية

الشفاعة والدعاء والتوسل والاستغاثة

الاسلام والمسلمين

الشيعة والتشيع

اديان و مذاهب و فرق

الصحابة

ابو بكر و عمر و عثمان و مشروعية خلافتهم

نساء النبي (صلى الله عليه واله و سلم)

البكاء على الميت و احياء ذكرى الصاحين

التبرك و الزيارة و البناء على القبور

الفقه

سيرة و تاريخ

مواضيع عامة

مقالات عقائدية

مصطلحات عقائدية


أسئلة وأجوبة عقائدية


التوحيد

اثبات الصانع ونفي الشريك عنه

اسماء وصفات الباري تعالى

التجسيم والتشبيه

النظر والمعرفة

رؤية الله تعالى

مواضيع عامة

النبوة والأنبياء

الإمامة

العدل الإلهي

المعاد


القرآن الكريم

القرآن

آيات القرآن العقائدية

تحريف القرآن

النبي محمد صلى الله عليه وآله

فاطمة الزهراء عليها السلام

الاسلام والمسلمين

الصحابة


الأئمة الإثنا عشر

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

أدلة إمامة إمير المؤمنين

الإمام الحسن عليه السلام

الإمام الحسين عليه السلام

الإمام السجاد عليه السلام

الإمام الباقر عليه السلام

الإمام الصادق عليه السلام

الإمام الكاظم عليه السلام

الإمام الرضا عليه السلام

الإمام الجواد عليه السلام

الإمام الهادي عليه السلام

الإمام العسكري عليه السلام

الإمام المهدي عليه السلام

إمامة الأئمة الإثنا عشر

الشيعة والتشيع

العصمة

الموالات والتبري واللعن

أهل البيت عليهم السلام

علم المعصوم


أديان وفرق ومذاهب

الإسماعيلية

الأصولية والاخبارية والشيخية

الخوارج والأباضية

السبئية وعبد الله بن سبأ

الصوفية والتصوف

العلويين

الغلاة

النواصب

الفرقة الناجية

المعتزلة والاشاعرة

الوهابية ومحمد بن عبد الوهاب

أهل السنة

أهل الكتاب

زيد بن علي والزيدية

مواضيع عامة

البكاء والعزاء وإحياء المناسبات


احاديث وروايات

حديث اثنا عشر خليفة

حديث الغدير

حديث الثقلين

حديث الدار

حديث السفينة

حديث المنزلة

حديث المؤاخاة

حديث رد الشمس

حديث مدينة العلم

حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه

احاديث متنوعة

التوسل والاستغاثة بالاولياء

الجبر والاختيار والقضاء والقدر

الجنة والنار

الخلق والخليقة

الدعاء والذكر والاستخارة

الذنب والابتلاء والتوبة

الشفاعة

الفقه

القبور

المرأة

الملائكة


أولياء وخلفاء وشخصيات

أبو الفضل العباس عليه السلام

زينب الكبرى عليها السلام

مريم عليها السلام

ابو طالب

ابن عباس

المختار الثقفي

ابن تيمية

أبو هريرة

أبو بكر

عثمان بن عفان

عمر بن الخطاب

محمد بن الحنفية

خالد بن الوليد

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

عمر بن عبد العزيز

شخصيات متفرقة

زوجات النبي صلى الله عليه وآله

زيارة المعصوم

سيرة وتاريخ

علم الحديث والرجال

كتب ومؤلفات

مفاهيم ومصطلحات


اسئلة عامة

أصول الدين وفروعه

الاسراء والمعراج

الرجعة

الحوزة العلمية

الولاية التكوينية والتشريعية

تزويج عمر من ام كلثوم

الشيطان

فتوحات وثورات وغزوات

عالم الذر

البدعة

التقية

البيعة

رزية يوم الخميس

نهج البلاغة

مواضيع مختلفة


الحوار العقائدي

* التوحيد

* العدل

* النبوة

* الإمامة

* المعاد

* الرجعة

* القرآن الكريم

* النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

* أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)

* فضائل النبي وآله

* الإمام علي (عليه السلام)

* فاطمة الزهراء (عليها السلام)

* الإمام الحسين (عليه السلام) وكربلاء

* الإمام المهدي (عجل الله فرجه)

* زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)

* الخلفاء والملوك بعد الرسول ومشروعية سلطتهم

* العـصمة

* التقيــة

* الملائكة

* الأولياء والصالحين

* فرق وأديان

* الشيعة والتشيع

* التوسل وبناء القبور وزيارتها

* العلم والعلماء

* سيرة وتاريخ

* أحاديث وروايات

* طُرف الحوارات

* آداب وأخلاق

* الفقه والأصول والشرائع

* مواضيع عامة
الأدلة العقلية على المعاد
المؤلف:
آية الله السيد محسن الخرّازي
المصدر:
بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية
الجزء والصفحة:
ج2، ص 259 - 273
2026-03-18
44
لا يخفى أنّه لا حاجة إلى الاستدلال بالأدلّة العقليّة ، على وقوع المعاد بعد قيام الأدلّة السمعيّة القطعيّة وضرورة الإسلام بل ضرورة الدين ، على إثبات المعاد ، ولكن حيث أشير في الأدلّة السمعيّة إلى الوجوه العقليّة فلا بأس بذكر بعضها :
1 ـ دليل الحكمة :
إنّ الحدّ الوسط في هذا الدليل هو حكمته تعالى ، والشكل القياسي في هذا الدليل ، يكون هكذا : أنّ الله تعالى حكيم ، والحكيم لا يفعل عبثا وسفها ، فهو تعالى لا يفعل عبثا وسفها.
ثم ينضم إليه القياس الاستثنائي ، وهو أنّه لو لم يكن للإنسان معاد لكان خلقه عبثا وباطلا ، ولكنّ الله تعالى لا يفعل عبثا وسفها ، فالمعاد للإنسان ثابت ، فحكمته تعالى تقتضي أن يكون للإنسان حياة دائمية ومعاد في القيامة وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان مقدمات.
الأولى : أنّ الله تعالى حكيم ، والحكيم لا يفعل العبث والسفه ؛ لأنّه قبيح لرجوعه إلى ترجيح المرجوح ، أو لأنّه محال ، لأوّله إلى الترجح من غير مرجح ، وقد مرّ البحث عنه في العدل ، ولا ينافي ذلك ما عرفته في المباحث المتقدّمة من أنّ الله تعالى لا غاية له وراء ذاته ؛ لأنّ المقام يثبت الغاية للفعل لا للفاعل وكم من فرق بينهما.
الثانية : أنّ العبث والسفه هو ما لا يترتب عليه غاية عقلائيّة ، مثل ما إذا صرف ذو ثروة ماله فيما لا منفعة له ، أو فيما يكون منفعته أقلّ ممّا صرفه ، ولا يكون الصرف ذا حكمة ، إلّا إذا ترتب عليه المنفعة الزائدة عمّا صرف ، فالفعل لا يخرج عن العبثية والسفاهة ، إلّا إذا ترتب عليه فائدة وغاية عقلائية.
وعليه فخلقة الإنسان مع ابتلائه بأنواع المشكلات ، وكون نهايته الفناء من دون ترتب فائدة على ذلك بالنسبة إلى الله تعالى لكونه كمالا محضا وغنيا مطلقا ، ولا بالنسبة إلى المخلوق بعد فرض كونه سيصير فانيا عبث وسفاهة ؛ لأنّه بمنزلة ذي صنعة يصنع شيئا مهمّا ثم يخرّبه قبل أن يستفيد منه نفسه أو غيره ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وعبادة الإنسان وإطاعته لله عزوجل لا تنفع في حقّه تعالى ، لكونه غنيا مطلقا ، ولا في حقّ المطيع بعد كون المفروض أنّه سيصير فانيا ، والاستكمال بالطاعة والعبادة لا مطلوبية له إلّا إذا كان المطيع باقيا ، فإنّ العبادة والطاعة حينئذ توجبان رفعة نفس المطيع إلى مقام يتلذذ منه ، كالقرب والدنوّ من ساحة ربّه المتعال ، وكلياقته للمجالسة مع الأولياء الكرام ، في جنّات النعيم وغير ذلك.
قال الاستاذ الشهيد المطهري ـ قدس سره ـ : «إن كان خلف كلّ وجود عدم ، أو خلف كلّ عمران تخريب ، وإن كان كلّ نيل للتخلية فما يحكم على النظام العالمي إلّا التحرير والضلال ، وتكرار المكررات ، فيقوم وجود كلّ شيء على العدم والباطل» (1).
وقرّره الحكيم المتأله محمّد مهدي النراقي بوجه آخر ، وهو : «أنّا نرى في هذا العالم بعض الناس يطيعون ، وبعضا آخر يعصون ، وبعضهم يحسنون ، وبعضا آخر يسيئون ، وبعضهم يديمون في العبادة والطاعة ، وبعضا آخر يديمون المعاصي والسيئات ، ونرى جمعا في الخيرات والمبرّات ، وجمعا آخر في الظلم والخطيئات.
ونرى طائفة نالوا مقام رضاية الله تعالى ، وفرقة اخرى ذهبوا في الطغيان والضلال ، ونرى طبقة في الإحسان والنصح ، وزمرة في الملاهي والمناهي.
ونرى مع ذلك أنّ الموت يعرض على جميعهم ويفنيهم ، مع عدم نيل كلّ واحد منهم بجزاء عمله ، فلو لم يكن عالم آخر يجزى كلّ واحد بعمله ، لكان خلقة هذا النوع العظيم شأنه عبثا وسفها» (2) ونحوه كلام الفاضل الشعراني ـ قدس سره ـ في ترجمة وشرح تجريد الاعتقاد (3) فراجع.
وكيف كان فما يخرج خلقة الإنسان عن السفاهة والعبث ، هو وقوع المعاد ، لأن يصل الإنسان إلى نتيجة عمله الذي عمله في الدنيا ، من الاستكمال أو جزائه ، وإليه يؤول قوله تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (4).
فقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) إشارة إلى أنّ خلقة الإنسان بدون الرجوع والمعاد ليس إلّا عبثا وسفاهة وهي المقدمة الثانية.
وقوله تعالى : (فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) إشارة إلى عدم وقوع العبث منه تعالى لعلوّه عن ذلك وهو المقدمة الاولى ، ولعلّ قوله : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) إشارة إلى عدم حاجته إلى خلقة الإنسان ومعاده ؛ لأنّه مالك الملك ، والذي يكون كذلك ، لا حاجة إلى غيره ، فنيل الإنسان إلى غايته وعدمه لا يؤثران في مالكيته للملك ، وإنّما الخلقة ومعادها تنشأ من علوّه ، وكماله ، وغناه ، فلا مورد لاستكمال الكامل المطلق بالخلقة والمعاد.
الثالثة : أنّ المستفاد من دليل الحكمة هو معاد الإنسان كما تشير إليه الآية الكريمة ، وأمّا معاد عالم المادة والحيوانات فقد ذهب بعض أساتيذنا إلى الاستدلال له بدليل الحكمة ، ولكنّه محلّ تأمّل ؛ لإمكان أن يقال : إنّ خلقة المادة والحيوانات لانتفاع الإنسان ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (5) ، فمع وجود هذه الغاية في خلقة المادة والحيوانات ، وهي استفادة الإنسان منها بحيث يتمكن من الحياة الدنيويّة حتّى يعيش ويعمل ما يعمل ليست خلقتها عبثا وسفها ، ولو لم يكن لها معاد فإثبات المعاد لهما بهذا الدليل محلّ تأمّل ، بل منع ، نعم لو لم يكن للإنسان معاد فلا يكون خلقة كلّ ذلك إلّا عبثا وسفها وباطلا كما لا يخفى.
وكيف كان فإذا عرفت هذه المقدمات يكون خلقة الإنسان أحسن شاهد على وقوع المعاد ؛ إذ العبث لا يصدر منه تعالى ، فإذا كان الإنسان مخلوقا فلا يكون عبثا مع أنّه لا يخرج عن العبثية إلّا بوقوع المعاد ، فحكمته تعالى توجب البعث والمعاد ، كما صرّح به المحقّق الطوسي ـ قدس سره ـ في متن تجريد الاعتقاد (6).
وقال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ في ذيل قوله تعالى : «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ» (7) : «إنّ للناس رجوعا إلى الله وحسابا على أعمالهم ليجازوا عليها ثوابا وعقابا ، فمن الواجب أن يكون هناك نبوّة ودعوة ، ليدلوا بها إلى ما يجازون عليه من الاعتقاد والعمل ، فالمعاد هو الغرض من الخلفة الموجب للنبوّة ، ولو لم يكن معاد لم يكن للخلقة غرض وغاية ، فكانت الخلقة لعبا ولهوا منه تعالى ، وهو غير جائز ، ولو جاز عليه اتخاذ اللهو لوجب أن يكون بأمر غير خارج من نفسه لا بالخلق الذي هو فعل خارج من ذاته ؛ لأنّ من المحال أن يؤثر غيره فيه ويحتاج إلى غيره بوجه ، وإذ لم يكن الخلق لعبا فهناك غاية وهو المعاد ، ويستلزم ذلك النبوّة ، ومن لوازمه أيضا نكال بعض الظالمين إذا ما طغوا وأسرفوا وتوقف عليه إحياء الحقّ ، كما يشير إليه قوله بعد ، بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» (8).
وقال أيضا في ذيل قوله تعالى : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (9) : «وهو احتجاج من طريق الغايات ؛ إذ لو لم يكن خلق السماء والأرض وما بينهما ـ وهي امور مخلوقة مؤجلة توجد وتفنى ـ مؤديا إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجلة كان باطلا ، والباطل بمعنى ما لا غاية له ممتنع التحقّق في الأعيان ، على أنّه مستحيل من الحكيم ، ولا ريب في حكمته تعالى» (10).
وقرّب في كنز الفوائد في اصول العقائد دليل الحكمة بما حاصله : «أنّ بعد ثبوت حكمة الله تعالى في أفعاله نعلم بأنّ خلقة العالم ليست عبثا ، بل فيها حكمة ومصلحة ، ثم ننظر أنّ المصلحة ترجع إلى الله تعالى ، أو إلى خلقه وحيث علمنا أنّه تعالى غنيّ بالذات وكامل من جميع الجهات ، فالمصلحة والحكمة ترجع إلى الخلق لا محالة ، ولا تكون الخلقة بمصلحتهم إلّا إذا كانت نشأة اخرى عقيب هذه الدنيا ، وإلّا لزم عدم كون الخلقة بمصلحتهم ، وهو نقض للغرض ، والنقض من أقبح الامور ، ووجهه أنّ المنافع والمصالح الدنيويّة منقطعة لا دوام ولا ثبات لها ، ووجودها لقلّة دوامها كعدمها ، ولا يكون إعطاء هذه المنافع والمصالح لائقا بشأن الحكيم على الاطلاق.
هذا مضافا إلى اختلاطها وشوبها بأضعاف مضاعفة من الصعوبات والمشاكل ، والمصائب والمحن ، والأمراض والفتن ، والمنافرات ، وحصول هذه المنافع والمصالح لا تكون غرضا من الخلقة ، وإلّا لزم نقضا للغرض ؛ لأنّه خلاف الإحسان ، هذا نظير كريم يدعو جمعا كثيرا للضيافة ، وغرضه من الدعوة هو الإحسان إليهم لا غير ، فيدخلهم في مجلس الضيافة ، وحضر لهم أنواع الأطعمة والأشربة ، مع إدخال أنواع الموذيات من السباع والذئاب والكلاب والحيّات والعقارب ونحوها مما تمنعهم ، قبل الالتذاذ الكامل بالأطعمة والأشربة ، ولا يعدّ ذلك عند العقلاء إلّا من أقبح القبائح التي لا تصدر ممن لا يبالي ، فضلا عمّن يبالي ، فضلا عن الحكيم على الإطلاق ، هذا بخلاف ما إذا أمر المولى الكريم عباده بالمشقات الجزئية في زمان قليل لينال في النشأة الاخرى النعمة الدائمة ، والمناصب الجليلة ، والعطايا العظيمة ، فإنّ الخلقة حينئذ تصير مستحسنة وقابلة للمدح والثناء ، وهذا برهان قاطع أرشد إليه الحقّ سبحانه وتعالى في كلامه المجيد بقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) (11).
2 ـ دليل العدالة :
ويمكن تقريبه بأن الله تعالى عادل والعادل لا يسوّي بين الظالم والمظلوم كما لا يقدّمه ولا يقدّره عليه ، بل ينتقم من الظالم ، فهو تعالى ينتقم من الظالم ، ولا يسوّي بين الظالم والمظلوم ، ولا يقدّمه ولا يقدّره على المظلوم.
ثم ينضم إليه القياس الاستثنائي ، ويقال : لو لم يكن للإنسان معاد ، لزم التسوية بين الظالم والمظلوم ، ولزم إقدار الظالم على المظلوم ، ولزم الإخلال بالانتقام من الظالمين ، ولكنّه تعالى منزّه عن تلك الامور فالمعاد ثابت للإنسان حتّى يجزي كلّ إنسان بما يستحقّه.
وتوضيح ذلك أيضا يحتاج إلى بيان امور :
الأوّل : أنّ الله تعالى عادل ولا يظلم شيئا ؛ لأنّه كمال محض ومحض الكمال لا يكون ناقصا ، حتّى يظلم ، والظلم معلول النقص ؛ إذ سببه إمّا الجهل أو حاجة الظالم ، أو شقاوته وخبث ذاته ، أو حسادته ، وكلّ واحد نقص ، وهو منتف فيه تعالى ، وقد مرّ تفصيل ذلك في بحث العدل فراجع.
الثاني : أنّ التسوية بين الظالم والمظلوم في الجزاء ، كتقديم الظالم على المظلوم ، وإعداده وإعانته ، في كونه ظلما وقبيحا ، وتنافي العدل ؛ لأنّ العدل هو إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، والتسوية كالتقديم إبطال الحقّ وهو عين الظلم.
الثالث : أنّه لو لم يكن معاد لجزاء الإنسان لزم التسوية بين المجرمين والصالحين ، وتقديم الظالمين على المظلومين ، وإعداد الأشرار واقدارهم ؛ لأنّ أبناء البشر كانوا ويكونون على الصلاح والفساد ، وعلى الإصلاح والإفساد ، وعلى الهداية والضلالة ، وكثيرا ما تتغلّب الفئة الظالمة على المظلومة ، والأشرار على الصلحاء ، وعليه فإن اكتفى بهذه الدنيا ولا يكون ورائها الآخرة ، كان معناه هو عدم مكافاة الظالمين والمجرمين ، وعدم جزاء الصالحين والمتّقين ، بل معناه هو تقديم الطائفة الظالمة على الطائفة المظلومة ، لإعدادهم بأنواع النعمات دون الطائفة المغلوبة.
لا يقال : هذه الدنيا تكفي لجزاء الصالحين والطالحين فمن عمل صالحا أعطاه النعم الدنيويّة والعزّة ، ومن عمل سيئا سلب منه النعم ، وابتلاه بالخزي والذلّة ، ومع جزاء كلّ فرقة بما يناسبهم ، لا يلزم التسوية بين المجرمين وغيرهم ، كما لا يلزم تقديم إحدى الطائفتين على الاخرى.
لأنّا نقول : ليس كذلك إذ نرى عدم جزاء كثير من الظالمين والفاسدين والمفسدين بل هم يعيشون إلى آخر عمرهم في غاية العزّة الدنيويّة ، والقدرة ، بخلاف غيرهم فإنّهم في غاية المهانة والصعوبة ، وهو أمر محسوس لا سترة فيه ، هذا مضافا إلى أنّ أعمال المؤمنين والكافرين على درجات مختلفة وقد يكون بعضها ممّا لا يمكن جزاؤه في عالم الدنيا ، كمن يقتل ألف ألف نفس ببعض أنواع الصواريخ ، ومن المعلوم أنّ سلب نعمة الحياة ، أو إعدام هذا القاتل مرّة واحدة لا يكون جزاء إفساده ، كما أن من يحيى النفوس الكثيرة بالمعالجة أو الهداية ، لا يمكن أن يكون جزاؤه هو نعمة الدنيا مع محدوديتها فضلا عن الأنبياء والأولياء الذين لا يمكن تقويم عملهم ، ولا تصلح مثل الدنيا الدنيّة لجزائهم ، لا سيّما محمّدا وآله ، إذ قد فاق بعض دقائق عمرهم على جميع عمر الآخرين ، وقد اشتهر في جوامع الحديث ، أنّ ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين. على أنّ بعض الأعمال في حال الموت وبعده ، فلا يمكن جزاء العامل في الدنيا بعد موته ، كما إذا جاهد المؤمنون مع الكافرين فمن استشهد من المؤمنين لا يمكن جزاؤه ، كما أنّ من هلك من الكافرين لا يمكن جزاؤه ، وكما إذا أسّس سنّة حسنة أو سنّة سيئة ، فحمله بعد الموت يدوم بدوام ما أسّسه مع عدم إمكان جزاء العامل ، فطبع الدنيا لا يليق بكونها جزاء كاملا للعاملين.
لا يقال : هذا صحيح لو كان التناسخ محالا وإلّا يمكن العودة المتكرّرة حتّى يتكامل الجزاء ، فمن كان صالحا يعود بعد موته في بدن يعيش عيشا مباركا ، ومن كان طالحا يعود بعد موته في بدن يعيش عيش سوء ، وهذا أمر واسع ، ولا يكون محدودا ، وإنّما يتكرّر بحسب ما يستحقّه ، وعليه فيجزى كلّ عامل بجزاء عمله ومعه لا تسوية ولا تقديم للفرقة الظالمة على الفرقة المظلومة.
لأنّا نقول : إنّ التناسخ ممّا قامت ضرورة الأديان على خلافه ، فلا مجال لاحتماله ، فهو مفروض العدم ، هذا مضافا إلى عدم إمكانه لوجوه كثيرة ، منها : ان النفس بخروج البدن السابق من القوة الى الفعلية ، قد خرجت من القوة إلى الفعلية ، فلو تعلقت بعد خروجها عن البدن السابق إلى بدن آخر ، لكانت النفس في مرتبة الفعلية ، والبدن الذي تعلقت به كالجنين مثلا في مرتبة القوة ، فيلزم عدم تكافؤهما في مرتبة القوة والفعلية (12).
ومنها : أنّ انتقال النفس المستنسخة إلى نطفة مستعدة ، لا يمنع فيضان النفس الابتدائية ، فيلزم اجتماع النفسين في بدن واحد ، وهو مستحيل لامتناع كون الشيء ذا ذاتين ، أعني ذا نفسين ، وما من شخص إلّا وهو يشعر بنفس واحدة له (13).
ومنها : ما أشار إليه العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ في تفسيره حيث قال : «إنّ التناسخ وهو تعلّق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن ببدن آخر محال ، فإنّ هذا البدن إن كان ذا نفس استلزم التناسخ تعلق نفسين ببدن واحد ، وهو وحدة الكثير ، وكثرة الواحد ، وإن لم تكن ذا نفس استلزم رجوع ما بالفعل إلى القوة» (14).
ويمكن إيضاح امتناع رجوع ما بالفعل إلى القوّة بما في المبدأ والمعاد ، من أنّ النفس ما دامت تكون بالقوّة يمكن لها اكتساب أيّ مرتبة شاءت لمكان استعدادها قبل صيرورتها بالفعل شيئا من الأشياء المتحصلة ، وأمّا إذا صارت مصوّرة بصورة فعلية ، واستحكمت فعليّتها ورسوخها ، وقوي تعلّقها ، ولصوقها بالنفس ، فاستقرّت على تلك المرتبة ، وبطل عنها استعداد الانتقال من النقص إلى الكمال ، والعبور من حال إلى حال ، فإنّ الرجوع إلى الفطرة الاولى ، والعود إلى مرتبة التراب ، والهيولاني ، كما في قوله تعالى : (لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) مجرد تمنّي أمر مستحيل كما مرّ ، والمحال غير مقدور عليه (15).
هذا مضافا إلى احتفاف الدنيا بأنواع المصيبات والآلام التي لا تكون معها لائقة لجزاء الأولياء والأنبياء والصالحين ، بل المناسب لهم هو جزاؤهم بما لا يحتف بهذه المكاره والمصائب ، وهو لا يكون إلّا الآخرة ، على أنّ مجازاة الكفرة والعصاة بدون تنبههم بما فعلوا في الدورات السابقة ، ليست بمجازاة ، فالتناسخ لا يمكن أولا ، وعلى فرض إمكانه قامت الضرورة على خلافه ثانيا.
هذا مضافا إلى عدم مناسبتها للجزاء بالنسبة إلى الصالحين ، لاحتفافها بالمكاره ، وبالنسبة إلى الصالحين لغفلتهم عن المكافاة ، ومضافا إلى ما أفاد بعض أساتيذنا مدّ ظله ، من أنّ الجزاء هو النعمة المحضة التي لا يشوبها تكليف ، ومسئولية ، والنعم الدنيويّة ليست كذلك ؛ لعدم خلوّها عن التكليف ، والمسئولية كما لا يخفى.
فإذا عرفت هذه المقدمات ظهر لك أنّ عدالته تعالى ، تقتضي المعاد ، وهو أمر أرشد إليه القرآن الكريم في ضمن آيات عديدة ، منها : قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) (16).
قال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ في ذيل قوله تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (17) : «هذه هي الحجّة الثانية على المعاد ، وتقريرها : أنّ للإنسان كسائر الأنواع كمالا بالضرورة ، وكمال الإنسان هو خروجه في جانبي العلم والعمل من القوّة إلى الفعل ، بأن يعتقد الاعتقادات الحقّة ، ويعمل الأعمال الصالحة ، اللتين يهديه إليهما فطرته الصحيحة ، وهما الإيمان بالحقّ والعمل الصالح ، اللذين بهما يصلح المجتمع الانساني الذي في الارض ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المتقون الكاملون من الإنسان والمفسدون في الأرض بفساد اعتقادهم وعملهم ، وهم الفجّار هم الناقصون الخاسرون في إنسانيّتهم حقيقة ، ومقتضى هذا الكمال والنقص ، أن يكون بإزاء الكمال حياة سعيدة وعيش طيّب ، وبإزاء خلافه خلاف ذلك.
ومن المعلوم أنّ هذه الحياة الدنيا التي يشتركان فيها هي تحت سيطرة الأسباب والعوامل الماديّة ونسبتها إلى الكامل والناقص والمؤمن والكافر على السواء ، فمن أجاد العمل ووافقته الأسباب الماديّة فاز بطيب العيش ومن كان على خلاف ذلك لزمه الشقاء وضنك المعيشة. فلو كانت الحياة مقصورة على هذه الحياة الدنيويّة ، التي نسبتها إلى الفريقين على السواء ولم تكن حياة تختص بكلّ منهما ، وتناسب حاله ، كان ذلك منافيا للعناية الإلهيّة ، بإيصال كلّ ذي حقّ حقّه ، وإعطاء المقتضيات ما تقتضيه ، وإن شئت فقل تسوية بين الفريقين وإلغاء ما يقتضيه صلاح هذا وفساد ذلك خلاف عدله تعالى» (18).
ومن الآيات المذكورة قوله تعالى : «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» (19) ، وغير ذلك من الآيات.
ثم إنّ هذا الدليل لا يثبت إلّا المعاد للمكلّفين والعاملين ، فإنّ محدودة كلّ برهان تابع لحدّ وسطه ، والحدّ الوسط في هذا البرهان ، هو العدل ، وهو لا يكون إلّا في موارد استحقاق الجزاء بالطاعة أو المخالفة ، وهما من أفعال المكلفين ، فتسوية المطيع مع المسيء ، تنافي العدالة ، أو في موارد ظلم بعض العباد على بعض آخر ، فإنّ مقتضى العدل هو استيفاء حقّ المظلوم من الظالم ، فكلّ موارد العدل من موارد التكليف ، وعليه فلا يشمل هذا الدليل معاد غير المكلّفين.
3 ـ دليل الوعد :
هذا الدليل مركب من الدليل الشرعي والعقلي إذ الجزء الأوّل منه شرعي وهو الآيات الدالّة على الوعد بالثواب والعقاب ، وبالجنّة والنار ، منها : قوله تعالى : (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) (20) ، ولمّا كان الوعد بهما مكرّرا وشايعا صار عنوان اليوم الموعود من عناوين يوم القيامة كما صرّح به في قوله تعالى : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) (21).
والجزء الثاني منه عقلي وهو أنّ الله تعالى لا يخلف الوعد ؛ لأنّ الخلف ناش عن النقص ، وهو تعالى لا نقص فيه ، أو ناش عن الاضطرار والضرورة ، وهو أيضا لا مورد له في حقّه ؛ لأنّه سبحانه لا يضطره ضرورة ، ولذا قال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره : «وخلف الوعد وإن لم يكن قبيحا بالذات لأنّه ربّما يحسن عند الاضطرار لكنّه سبحانه لا يضطره ضرورة ، فلا يحسن منه خلف الوعد في حال» (22) وقد أرشد إليه بقوله عزوجل : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (23).
وعليه فصورة القياس هكذا : إنّ الله تعالى وعد بالثواب والعقاب الاخرويّين ، وبالجنّة والنار ، وكلّ ما وعده الله آت ولا يخلفه الله تعالى ، فالجنّة والنار والثواب والعقاب الاخرويّان حتميّان ، ولا خلف فيهما.
وإليه أشار المحقّق الطوسي في متن تجريد الاعتقاد حيث قال : «ووجوب إيفاء الوعد ... يقتضي وجوب البعث ، وقال الشارح العلّامة في شرحه : إنّ الله تعالى وعد بالثواب وتوعّد بالعقاب ، مع مشاهدة الموت للمكلّفين فوجب القول بعودهم ، ليحصل الوفاء بوعده ووعيده» (24).
وقال المحقّق اللاهيجي ـ قدس سره ـ : «وليعلم أنّ ... إيصال ثواب وعقاب جسمانيّين يتوقف لا محالة على إعادة البدن ؛ لأنّ اللّذة والألم الجسمانيّين ، لا يمكن بدون وجود البدن ، ثم لا ينافي ثبوت اللّذة والألم الجسمانيّين مع ثبوت اللّذة والألم الروحانيّين ، كما هو مذهب المحقّقين ، الذين قالوا بتجرّد النفس الناطقة ، فالحقّ هو ثبوت الثواب والعقاب الروحانيّين والجسمانيّين ، أمّا الروحاني : فهو بناء على تجرّد النفس الناطقة وبقائها بعد مفارقتها عن البدن ، والتذاذه بالكمالات الحاصلة له من ناحية العلم والعمل ، وتألمه عن ضد الكمالات المذكورة ، وأمّا الجسماني : فهو بناء على وجوب الإيفاء بالوعد والوعيد الموجبين لإيصال الثواب والعقاب الجسمانيّين» (25).
4- دليل حبّ البقاء والخلود :
ولا خفاء في كون الإنسان بالفطرة محبا للبقاء والخلود ، ولعلّه لذا تنافر الناس عن الموت لزعمهم أنّه فناء ومناف لمحبوبهم الفطري من البقاء ، ويشهد أيضا على فطرية هذا الحبّ ، أنّ الحبّ المذكور لا يزول عن النفس بالعلم بفناء الدنيا ، هذه صغرى القياس ، وينضمّ إلى هذه الكبرى ، وهي أنّ كلّ ما كان فطريا فهو مطابق لواقع الأمر ، لأنّ الفطرة أثر الحكيم المتعال ، ولا يكون فعله تعالى لغوا وعبثا ، فكما أنّ غريزة الأكل والشرب والنكاح حاكية عن وجود ما يصلح للأكل والشرب والنكاح ، كذلك تشهد هذه المحبّة الفطريّة على وجود عالم آخر يصلح للبقاء والخلود.
ولعلّ إليه يرجع ما ذكره شيخ مشايخنا آية الله الشيخ محمّد علي الشاه آبادي ـ قدس سره ـ في «الإنسان والفطرة» حيث قال : «ويدلّ عليه عشق اللقاء والبقاء مع القطع بعدم البقاء مثل هذا البقاء الملكي ، والحياة الدنيويّة مع عدم فتور العشق الكذائي ، فإنّه بحكم الفطرة المعصومة ، ينكشف أنّ هناك عالما غير داثر ، وتلاقي معشوقك في مقعد صدق عند مليك مقتدر» (26) كما حكى الاستدلال به عن الحكيم المتأله آية الله السيد أبو الحسن الرفيعي (27) وغيره من الأعلام والفحول ، وكيف كان فمحبّة البقاء آية وجود الآخرة ودليلها ، وإلّا لزم الخلف في حكمته تعالى ، هذا مضافا إلى أنّ رحمته تعالى تقتضي إيصال كلّ شيء إلى ما يستحقّه ، ورفع حاجة كلّ محتاج ، وعليه فهو تعالى يوصل كلّ محبّ للخلود والبقاء إلى محبوبه برحمته كما أفاده عز وجل بقوله : «قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ» (28).
وفي ما ذكر غنى وكفاية فمن شاء الزيادة فليراجع المطوّلات.
__________________
(1) زندگى جاويد.
(2) انيس الموحدين : ص 232 ، الطبع الجديد.
(3) ترجمة وشرح تجريد الاعتقاد : ص 564.
(4) المؤمنون : 115 ـ 116.
(5) الجاثية : 13.
(6) شرح تجريد الاعتقاد : ص 405 الطبع الجديد.
(7) الأنبياء : 16 ـ 17.
(8) تفسير الميزان : ج 14 ص 283 ـ 284.
(9) ص : 27.
(10) تفسير الميزان : ج 17 ص 206.
(11) كتاب كنز الفوائد في اصول العقائد : ص 358
(12) راجع در الفوائد : ج 2 ص 393 ـ 394.
(13) المبدأ والمعاد : ص 238.
(14) تفسير الميزان : ج 1 ص 211.
(15) المبدأ والمعاد : ص 253 ـ 254.
(16) إبراهيم : 42.
(17) ص : 28.
(18) تفسير الميزان : ج 17 ص 206 ـ 207.
(19) الجاثية : 21.
(20) يونس : 4.
(21) البروج : 2.
(22) تفسير الميزان : ج 16 ص 163.
(23) الحج : 47.
(24) شرح تجريد الاعتقاد : ص 405 الطبع الجديد.
(25) سرمايه ايمان : ص 160 الطبع الجديد.
(26) كتاب رشحات البحار ، كتاب الانسان والفطرة : ص 262 الطبع الجديد.
(27) راجع تقريرات بحث شريف معاد : ص 5 ـ 8.
(28) الأنعام : 12.
الاكثر قراءة في تعريف المعاد و الدليل عليه
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)