

التوحيد

النظر و المعرفة

اثبات وجود الله تعالى و وحدانيته


صفات الله تعالى


الصفات الثبوتية

القدرة و الاختيار

العلم و الحكمة

الحياة و الادراك

الارادة

السمع و البصر

التكلم و الصدق

الأزلية و الأبدية

الصفات الجلالية ( السلبية )

الصفات - مواضيع عامة

معنى التوحيد و مراتبه


العدل

البداء

التكليف

الجبر و التفويض

الحسن و القبح

القضاء و القدر

اللطف الالهي

مواضيع عامة


النبوة

اثبات النبوة

الانبياء

العصمة

الغرض من بعثة الانبياء

المعجزة

صفات النبي

النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

مواضيع متفرقة

القرآن الكريم


الامامة

الامامة تعريفها ووجوبها وشرائطها

صفات الأئمة وفضائلهم ومودتهم

العصمة

امامة الامام علي عليه السلام

إمامة الأئمة الأثني عشر

الأمام المهدي عجل الله فرجه الشريف

الرجعة


المعاد

تعريف المعاد و الدليل عليه

المعاد الجسماني

الموت و القبر و البرزخ

القيامة

الثواب و العقاب

الجنة و النار

الشفاعة

التوبة


فرق و أديان

علم الملل و النحل ومصنفاته

علل تكون الفرق و المذاهب

الفرق بين الفرق

الشيعة الاثنا عشرية

أهل السنة و الجماعة

أهل الحديث و الحشوية

الخوارج

المعتزلة

الزيدية

الاشاعرة

الاسماعيلية

الاباضية

القدرية

المرجئة

الماتريدية

الظاهرية

الجبرية

المفوضة

المجسمة

الجهمية

الصوفية

الكرامية

الغلو

الدروز

القاديانيّة

الشيخية

النصيرية

الحنابلة

السلفية

الوهابية


شبهات و ردود

التوحيـــــــد

العـــــــدل

النبـــــــوة

الامامـــــــة

المعـــاد

القرآن الكريم

الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)

الزهراء (عليها السلام)

الامام الحسين (عليه السلام) و كربلاء

الامام المهدي (عليه السلام)

إمامة الائمـــــــة الاثني عشر

العصمـــــــة

الغلـــــــو

التقية

الشفاعة والدعاء والتوسل والاستغاثة

الاسلام والمسلمين

الشيعة والتشيع

اديان و مذاهب و فرق

الصحابة

ابو بكر و عمر و عثمان و مشروعية خلافتهم

نساء النبي (صلى الله عليه واله و سلم)

البكاء على الميت و احياء ذكرى الصاحين

التبرك و الزيارة و البناء على القبور

الفقه

سيرة و تاريخ

مواضيع عامة

مقالات عقائدية

مصطلحات عقائدية


أسئلة وأجوبة عقائدية


التوحيد

اثبات الصانع ونفي الشريك عنه

اسماء وصفات الباري تعالى

التجسيم والتشبيه

النظر والمعرفة

رؤية الله تعالى

مواضيع عامة

النبوة والأنبياء

الإمامة

العدل الإلهي

المعاد


القرآن الكريم

القرآن

آيات القرآن العقائدية

تحريف القرآن

النبي محمد صلى الله عليه وآله

فاطمة الزهراء عليها السلام

الاسلام والمسلمين

الصحابة


الأئمة الإثنا عشر

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

أدلة إمامة إمير المؤمنين

الإمام الحسن عليه السلام

الإمام الحسين عليه السلام

الإمام السجاد عليه السلام

الإمام الباقر عليه السلام

الإمام الصادق عليه السلام

الإمام الكاظم عليه السلام

الإمام الرضا عليه السلام

الإمام الجواد عليه السلام

الإمام الهادي عليه السلام

الإمام العسكري عليه السلام

الإمام المهدي عليه السلام

إمامة الأئمة الإثنا عشر

الشيعة والتشيع

العصمة

الموالات والتبري واللعن

أهل البيت عليهم السلام

علم المعصوم


أديان وفرق ومذاهب

الإسماعيلية

الأصولية والاخبارية والشيخية

الخوارج والأباضية

السبئية وعبد الله بن سبأ

الصوفية والتصوف

العلويين

الغلاة

النواصب

الفرقة الناجية

المعتزلة والاشاعرة

الوهابية ومحمد بن عبد الوهاب

أهل السنة

أهل الكتاب

زيد بن علي والزيدية

مواضيع عامة

البكاء والعزاء وإحياء المناسبات


احاديث وروايات

حديث اثنا عشر خليفة

حديث الغدير

حديث الثقلين

حديث الدار

حديث السفينة

حديث المنزلة

حديث المؤاخاة

حديث رد الشمس

حديث مدينة العلم

حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه

احاديث متنوعة

التوسل والاستغاثة بالاولياء

الجبر والاختيار والقضاء والقدر

الجنة والنار

الخلق والخليقة

الدعاء والذكر والاستخارة

الذنب والابتلاء والتوبة

الشفاعة

الفقه

القبور

المرأة

الملائكة


أولياء وخلفاء وشخصيات

أبو الفضل العباس عليه السلام

زينب الكبرى عليها السلام

مريم عليها السلام

ابو طالب

ابن عباس

المختار الثقفي

ابن تيمية

أبو هريرة

أبو بكر

عثمان بن عفان

عمر بن الخطاب

محمد بن الحنفية

خالد بن الوليد

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

عمر بن عبد العزيز

شخصيات متفرقة

زوجات النبي صلى الله عليه وآله

زيارة المعصوم

سيرة وتاريخ

علم الحديث والرجال

كتب ومؤلفات

مفاهيم ومصطلحات


اسئلة عامة

أصول الدين وفروعه

الاسراء والمعراج

الرجعة

الحوزة العلمية

الولاية التكوينية والتشريعية

تزويج عمر من ام كلثوم

الشيطان

فتوحات وثورات وغزوات

عالم الذر

البدعة

التقية

البيعة

رزية يوم الخميس

نهج البلاغة

مواضيع مختلفة


الحوار العقائدي

* التوحيد

* العدل

* النبوة

* الإمامة

* المعاد

* الرجعة

* القرآن الكريم

* النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

* أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)

* فضائل النبي وآله

* الإمام علي (عليه السلام)

* فاطمة الزهراء (عليها السلام)

* الإمام الحسين (عليه السلام) وكربلاء

* الإمام المهدي (عجل الله فرجه)

* زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)

* الخلفاء والملوك بعد الرسول ومشروعية سلطتهم

* العـصمة

* التقيــة

* الملائكة

* الأولياء والصالحين

* فرق وأديان

* الشيعة والتشيع

* التوسل وبناء القبور وزيارتها

* العلم والعلماء

* سيرة وتاريخ

* أحاديث وروايات

* طُرف الحوارات

* آداب وأخلاق

* الفقه والأصول والشرائع

* مواضيع عامة
عقيدتنا في المعاد الجسماني
المؤلف:
آية الله السيد محسن الخرّازي
المصدر:
بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية
الجزء والصفحة:
ج2، ص 240 - 277
2026-03-14
49
المعاد الجسماني بالخصوص ضرورة من ضروريات الدين الإسلامي ، دلّ صريح القرآن الكريم عليها : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) ، القيامة : 3 ، (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) ، الرعد : 5 ، (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) ، ق : 14.
وما المعاد الجسماني على إجماله إلّا إعادة الإنسان في يوم البعث والنشور ببدنه بعد الخراب ، وإرجاعه إلى هيئته الاولى بعد أن يصبح رميما. ولا يجب الاعتقاد في تفصيلات المعاد الجسماني أكثر من هذه العقيدة على بساطتها التي نادى بها القرآن، وأكثر مما يتبعها من الحساب والصراط والميزان والجنّة والنار والثواب والعقاب بمقدار ما جاءت به التفصيلات القرآنيّة.
«ولا تجب المعرفة على التحقيق التي لا يصلها إلّا صاحب النظر الدقيق ، كالعلم بأنّ الأبدان هل تعود بذواتها أو إنّما يعود ما يماثلها بهيئاتها ، وأنّ الأرواح هل تعدم كالأجساد أو تبقى مستمرّة حتّى تتصل بالأبدان عند المعاد ، وأنّ المعاد هل يختصّ بالإنسان أو يجري على كافّة ضروب الحيوان ، وأن عودها بحكم الله دفعي أو تدريجي. وإذا لزم الاعتقاد بالجنّة والنار لا تلزم معرفة وجودهما الآن ، ولا العلم بأنّهما في السماء أو الأرض أو يختلفان ، وكذا إذا وجبت معرفة الميزان لا تجب معرفة أنّها ميزان معنوية ، أو لها كفّتان ، ولا تلزم معرفة أنّ الصراط جسم دقيق أو هو الاستقامة المعنويّة ، والغرض أنّه لا يشترط في تحقق الإسلام معرفة أنّها من الأجسام ...».
نعم ، إن تلك العقيدة في البعث والمعاد على بساطتها هي التي جاء بها الدين الإسلامي ، فإذا أراد الإنسان أن يتجاوزها إلى تفصيلها بأكثر ممّا جاء في القرآن ليقنع نفسه دفعا للشبه التي يثيرها الباحثون والمشكّكون بالتماس البرهان العقلي ، أو التجربة الحسيّة ، فإنّه إنّما يجني على نفسه ، ويقطع في مشكلات ومنازعات ، لا نهاية لها. وليس في الدين ما يدعو إلى مثل هذه التفصيلات التي حشدت بها كتب المتكلمين والمتفلسفين ، ولا ضرورة دينية ولا اجتماعية ولا سياسية تدعو إلى أمثال هاتيك المشاحنات والمقالات المشحونة بها الكتب عبثا والتي استنفدت كثيرا من جهود المجادلين وأوقاتهم وتفكيرهم بلا فائدة.
والشبه والشكوك التي تثار حول التفصيلات يكفي في ردّها قناعتنا بقصور الإنسان عن إدراك هذه الامور الغائبة عنّا ، والخارجة عن افقنا ، ومحيط وجودنا ، والمرتفعة فوق مستوانا الأرضي ، مع علمنا بأنّ الله تعالى العالم القادر أخبرنا عن تحقيق المعاد ووقوع البعث.
وعلوم الإنسان وتجربياته وأبحاثه يستحيل أن تتناول شيئا لا يعرفه ولا يقع تحت تجربته واختباره إلّا بعد موته وانتقاله من هذا العالم ـ عالم الحس والتجربة والبحث ـ فكيف ينتظر منه أن يحكم باستقلال تفكيره وتجربته بنفي هذا الشيء أو إثباته ، فضلا عن أن يتناول تفاصيله وخصوصيّاته إلّا إذا اعتمد على التكهن والتخمين أو على الاستبعاد والاستغراب ، كما هو من طبيعة خيال الإنسان أن يستغرب كلّ ما لم يألفه ولم يتناوله علمه وحسّه كالقائل المندفع بجهله لاستغراب البعث والمعاد (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ). ولا سند لهذا الاستغراب إلّا أنّه لم ير ميّتا رميما قد اعيدت له الحياة من جديد ، ولكنّه ينسى هذا المستغرب كيف خلقت ذاته لأوّل مرّة ، ولقد كان عدما ، وأجزاء بدنه رميما تألّفت من الأرض وما حملت ومن الفضاء وما حوى من هنا وهنا حتّى صار بشرا سويا ذا عقل وبيان (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ).
يقال لمثل هذا القائل الذي نسي خلقه ، (يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) يقال له : إنّك بعد أن تعترف بخالق الكائنات وقدرته ، وتعترف بالرسول وما أخبر به ، مع قصور علمك حتّى عن إدراك سرّ خلق ذاتك وسرّ تكوينك ، وكيف كان نموّك وانتقالك من نطفة لا شعور لها ولا إرادة ولا عقل إلى مراحل متصاعدة مؤتلفا من ذرات متباعدة ، لبلغ بشرا سويّا عاقلا مدبرا ذا شعور وإحساس. يقال له : بعد هذا كيف تستغرب أن تعود لك الحياة من جديد بعد أن تصبح رميما ، وأنت بذلك تحاول أن تتطاول إلى معرفة ما لا قبل لتجاربك وعلومك بكشفه؟ يقال له : لا سبيل حينئذ إلّا أن تذعن صاغرا للاعتراف بهذه الحقيقة التي أخبر عنها مدبّر الكائنات العالم القدير ، وخالقك من العدم والرميم.
وكلّ محاولة لكشف ما لا يمكن كشفه ، ولا يتناوله علمك ، فهي محاولة باطلة ، وضرب في التيه ، وفتح للعيون في الظلام الحالك أنّ الإنسان مع ما بلغ من معرفة في هذه السنين الأخيرة ، فاكتشف الكهرباء والرادار واستخدم الذرّة ، إلى أمثال هذه الاكتشافات التي لو حدّث عنها في السنين الخوالي ، لعدّها من أوّل المستحيلات ومن مواضع التندّر والسخريّة ، إنّه مع كلّ ذلك لم يستطع كشف حقيقة الكهرباء ولا سرّ الذرة ، بل حتّى حقيقة احدى خواصّها وأحد أوصافها ، فكيف يطمع أن يعرف سرّ الخلقة والتكوين ، ثم يترقّى فيريد أن يعرف سرّ المعاد والبعث.
نعم ينبغي للإنسان بعد الإيمان بالإسلام أن يجتنب عن متابعة الهوى ، وأن يشغل فيما يصلح أمر آخرته ودنياه وفيما يرفع قدره عند الله وأن يتفكر فيما يستعين به على نفسه ، وفيما يستقبله بعد الموت من شدائد القبر والحساب بعد الحضور بين يدي الملك العلّام ، وأن يتّقي (يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (أ).
__________________
(أ) ويقع البحث في مقامات:
الأوّل : في أنّ المعاد بفتح الميم في الاصطلاح هو زمان عود الروح إلى بدنه الذي تعلّق به في الحياة الدنيا ، فالمراد به هو يوم القيامة أو هو مكان عود الروح إلى بدنه المذكور ، فالمراد به حينئذ هو الآخرة ، وقد يستعمل المعاد بمعناه المصدري من عاد يعود عودا ومعادا ، فالمراد به هو عودة الأرواح إلى أبدانها هذا كلّه بناء على بقاء الروح وانفكاكه عن البدن بالموت كما هو المختار ، وأمّا بناء على اتحاده مع البدن وفنائه بالموت ، فالمراد من المعاد حينئذ هو الوجود الثاني للأجسام والأبدان وإعادتها بعد موتها وتفرّقها ، وكيف كان فقد استعمل المعاد في القرآن الكريم ، ولكن لم يعلم أنّ المقصود منه هو المعاني الاصطلاحية المذكورة لاحتمال أن يكون المقصود منه محل عود النبي إليه وهو مكّة (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) (1) وأمّا كلمة الميعاد فهي مستعملة في يوم القيامة ، ولكنّه ليست من العود بل هي من الوعد (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (2).
نعم شاع استعماله في كلمات المتشرعة ، بل في الآثار والأخبار ، ومنها ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «فاتقوا الله تقية من سمع فخشع ـ إلى أن قال ـ : وأطاب سريرة وعمّر معادا واستظهر زاد اليوم ليوم رحيله» (3).
ومنها ما جاء في بعض الأدعية : «اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد أهل الذكر الذين امرت بمسألتهم وذوي القربى الذين امرت بمودّتهم وفرضت حقّهم وجعلت الجنة معاد من اقتصّ آثارهم» (4).
الثاني : أنّ الإنسان الحي ليس بدنا محضا ولا روحا محضا ، بل هو مركب من الروح والبدن ، والروح وإن لم يعلم حقيقته ، ولكن يعلم أنّه غير البدن وقابل للارتباط مع ما وراء الطبيعة وللإرسال والإحضار وباق بعد موت البدن ، ويشهد لذلك ـ مضافا إلى ما نجده من الفرق بينهما بالعلم الحضوري بالروح دون البدن ورؤية بعض الأرواح في بعض المنافات الصادقة بعد موت الأشخاص وغير ذلك ـ قوله تعالى في القرآن الكريم : (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (5) ، ولا يختصّ ذلك بالشهداء ، لقوله تعالى في آل فرعون : (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (6) ، لصراحة الآية الكريمة على بقاء آل فرعون إلى يوم القيامة وعذابهم صباحا ومساء فالشهداء والكفّار لا يفنون بفناء أبدانهم ، بل كلّ من يموت لا يفنى ، بل هو باق بنصّ قوله تعالى : (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (7) ؛ لصراحة (ارْجِعُونِ) في أنّهم رحلوا عن الدنيا ودخلوا في النشأة الاخرى ، وهي البرزخ ، فمع موت الأبدان والرحلة عن الدنيا تكون الأرواح باقية في البرزخ ولهم مطلوبات وتمنّيات ومكالمات ومخاطبات ، وأيضا تبقى كلّ نفس بنصّ قوله تعالى أيضا : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (8) ؛ إذ المراد من التوفّي : هو الأخذ ، والمأخوذ هو شيء غير البدن أخذه الملك وحفظه وأرجعه إلى ربّه.
قال بعض المحققين : «هذه الآية دلّت على أنّ في الإنسان شيئا آخر غير البدن يأخذه ملك الموت وعلى أنّ الروح تبقى بعد الموت ، وعلى أنّ حقيقة الإنسان وشخصيته بذلك الروح الذي يكون عند ملك الموت» (9) والأصرح من هذه الآية قوله تعالى : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (10) ؛ إذ الإمساك والإرسال بعد الأخذ والتوفّي ممّا يصرّحان على وجود شيء آخر مع البدن وهو الروح ، وهو يبقى بعد الموت ويمسكه الله تعالى ، وغير ذلك من الأدلّة المتعددة المتظافرة القطعيّة (11).
الثالث : أنّ بين الحياة الدنيويّة والحياة الاخروية حياة اخرى ، وهي الحياة البرزخية ، والآيات الدالّة على تلك الحياة متعددة ، وقد مرّ شطر منها ، وبقيت الاخرى ، منها : قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ...) (12) ؛ لأنّ البشارة بالذين لم يلحقوا بهم بعد القتل في سبيل الله والشهادة لا تكون إلّا في الحياة البرزخية.
ومنها : قوله تعالى : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (13)؛ إذ التمنّي بعد القتل والدخول في الجنة بالنسبة إلى قومه الذين قتلوه ولم يسمعوا إرشاده وكانوا أحياء لا يكون إلّا في الحياة البرزخية ، قال بعض الأعلام ـ بعد نقل جملة من الآيات الدالّة على الحياة البرزخية ـ : ظاهر الآيات الكريمة أنّ الإنسان المؤمن بعد الموت يدخل الجنّة كما في قوله تعالى : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وقوله تعالى : (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ
وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) وقوله تعالى: (وَادْخُلِي جَنَّتِي) وقوله تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)؛ لأنّ الظاهر الأمر بدخول الجنّة بعد موتهم لا يوم القيامة، بل قوله تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) صريح في أنّه في البرزخ لقوله تعالى: (قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ).
كما أنّ بعض الآيات الكريمة ظاهرة في المطلب ، وإن لم يذكر فيها لفظ الجنّة من أجل أنّ الرزق بكرة وعشيا ليس من صفات الجنّة الاصليّة ؛ لأن النعم فيها دائميّة، ولا بكرة فيها، ولا عشي ، لعدم الشمس وقتئذ كما يأتي إن شاء الله تعالى أنّ (فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) و «أنّ أُكُلُها دائِمٌ» وأنّ فواكهها (لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) و «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ و يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ» و (يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ) انتهى موضع الحاجة (14).
أقول : وقد دلّ بعض الآيات على أنّ الكفار كآل فرعون أيضا لهم حياة برزخية ، ويعذّبون فيها بكرة وعشيا ، فلا تختصّ الحياة البرزخية بالمؤمنين ، هذا مضافا إلى تواتر الأخبار بوجود الحياة البرزخية ، كالروايات الدالّة على السؤال في القبر وضغطة القبر والروايات الدالّة على أنّ القبر ، أمّا روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران ، والروايات الدالّة على أنّ الأموات بعد قبض الروح يتلاقون ، ويتعارفون ويتساءلون ، كما عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : «إذا مات الميت اجتمعوا عنده فاسألوه عمّن مضى وعمّن بقي ، فإن كان مات ولم يرد عليهم ، قالوا : قد هوى هوى ، ويقول بعضهم : دعوه حتى يسكن ممّا مرّ عليه من الموت» (15).
والروايات الدالّة على أنّ الأموات يأنسون بمن زار قبورهم ، ويدّعون في حقّ الأحياء ، والروايات الدالّة على أنّ أرواح المؤمنين قبل قيام الساعة في حجرات في الجنّة يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويتزاورون فيها ، ويقولون : ربّنا أقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا ، والروايات الدالّة على أنّ أرواح الكفّار في حجرات النار يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويتزاورون فيها ، ويقولون : ربّنا لا تقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا.
والروايات الدالّة على أنّ أرواح المؤمنين حشرهم الله إلى وادي السلام في ظهر الكوفة ، وهم حلق حلق قعود يتحدثون.
والروايات الدالّة على مكالمة النبي أو الأئمة ـ عليهم صلوات الله ـ مع الأموات ، كما روي عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ : «أنّه وقف على قليب بدر فقال للمشركين الذين قتلوا يومئذ وقد ألقوا في القليب : لقد كنتم جيران سوء لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أخرجتموه من منزله وطردتموه ، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه ، فقد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فقال له عمر : يا رسول الله ما خطابك لهام قد صديت ، فقال له : مه يا ابن الخطاب فو الله ما أنت بأسمع منهم ، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع الحديد إلّا أن اعرض بوجهي هكذا عنهم» (16) وغير ذلك من طوائف الأخبار.
ثم إنّ الظاهر من الأخبار أنّ الأرواح في عالم البرزخ يعيشون في قالب مثالي كأبدانهم ، كما ورد عن أبي ولّاد عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : «قلت له : جعلت فداك يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش فقال : لا ، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير ، لكن في أبدان كأبدانهم» (17) وفي رواية اخرى : «فإذا قبضه الله عزوجل صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون ، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصور التي كانت في الدنيا» (18) فالحياة البرزخية مسلمة لا مجال للتشكيك فيها.
الرابع : أنّ حقيقة الموت ليست هي الانعدام والفناء ، بل هي انقطاع ارتباط الأرواح مع الأبدان ، والانتقال من الحياة الدنيويّة إلى الحياة البرزخية ، وقد عرفت قيام الأخبار المتواترة جدا على بقاء الأرواح بعد الموت ، ووجود الحياة البرزخية ، وإليه يشير ما عن مولانا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «أيّها الناس إنّا خلقنا وإيّاكم للبقاء لا للفناء ، ولكنكم من دار تنقلون ، فتزودوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه ، والسلام» (19).
وما عن الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ حيث سئل : «ما الموت الذي جهلوه؟ أنّه قال : أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد ، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا عن جنّتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد» (20).
وما عن علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ أنّه قال : «لما أشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب ، نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم ، لأنّهم كلّما اشتد الأمر تغيّرت ألوانهم ، وارتعدت فرائصهم ، ووجلت قلوبهم ، وكان الحسين ـ صلوات الله عليه ـ وبعض من معه من خصائصهم تشرق ألوانهم ، وتهدأ جوارحهم ، وتسكن نفوسهم ، فقال بعض لبعض : انظروا لا يبالي بالموت ، فقال لهم الحسين ـ عليه السلام ـ :
صبرا بني الكرام فما الموت إلّا قنطرة يعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسطة ، والنعيم الدائمة ، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟! وما هو لأعدائكم إلّا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب ، أنّ أبي حدّثني عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : أنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، وما كذبت ولا كذبت» (21) ، وقال أيضا في خطبته المعروفة : «خطّ الموت على ابن آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة» إلى آخرها ، مع أنّ الزينة بدون المتزين لا إمكان لها. وقيل لمحمّد بن علي ـ عليهما السلام ـ : «ما الموت قال : هو النوم الذي يأتيكم كلّ ليلة إلّا أنّه طويل مدته لا ينتبه منه إلّا يوم القيامة ، فمن رأى في نومه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره ومن أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره ، فكيف حال فرح في النوم ووجل فيه ، هذا هو الموت فاستعدوا له» (22).
فالموت ليس إعداما للإنسان فإطلاق الإعدام والإفناء على بعض أنواع الموت لا يكون على سبيل الحقيقة ؛ إذ الأرواح باقية وتشخص الأشخاص بالأرواح ، فزيد باق ما دام روحه باقيا ؛ إذ البدن كالثوب فكما أنّ نزع الثوب لا يوجب سلب الزيدية عن زيد ، فكذلك نزع البدن لا يوجب ذلك ، ولذا كثيرا ما رأينا آباءنا أو امهاتنا أو أقرباءنا أو أصدقاءنا في المنام بعد مماتهم ونقول : رأيناهم ولا يكون إسناد الرؤية إليهم إسنادا مجازيّا ، وربّما يخبرونا بالواقعيات ، وبما يختصّ بهم ، ممّا لم يعلم به إلّا بهم ، فهذه آية وجودهم في الواقع من دون ريب وارتياب.
بل الموت وسيلة انتقال للإنسان وارتقائه وتخليصه عن الأوساخ والأقذار ، وسبب نجاته عن سجن الدنيا وكدوراتها ، وموجب لاستراحة المؤمن وإراحة الناس عن الكفّار والأشرار ، وهو حقّ يأتي كلّ إنسان «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ».
الخامس: أنّ إعادة الأرواح إلى الأبدان في القيامة لا تكون إعادة المعدوم، لأنّ المفروض كما عرفت هو بقاء الأرواح في البرزخ، فالأرواح لا تكون معدومة حتّى تكون إعادتها إعادة المعدوم، كما لا يكون أيضا إعادة أجزاء البدن إعادة المعدوم، لأنّ الأجزاء المتفرقة موجودة معلومة عند الله تعالى، ولا يعزب شيء منها عن علمه تعالى مهما تبدّلت وتغيّرت.
هذا مضافا إلى عدم اشتراط بقاء أجزاء مادة البدن في عينية الإنسان المعاد واتحاده مع الإنسان الذي كان في الدنيا عقلا ؛ لما عرفت من أنّ تشخص الشخص بحقيقته ، وهي روحه ، ولذا لم يضر ببقائه تبدّل أجزائه في الحياة الدنيا بتمامها ، مع ما قيل من أنّ أجزاء الإنسان تتبدّل مرّات عديدة في طول سنوات عمره (23) ، ويشهد له حكم المحاكم بمجرمية من ارتكب جرما في أيام شبابه ، ثم هرب واخذ في أيام هرمه ، ولزوم عقوبته مع تبدّل أجزاء بدنه مرّات عديدة ، في طول حياته فلو خلق مثل بدن ميت في العقبى ، اعيد روحه إليه ، لكانت العينيّة محفوظة كما لا يخفى ، ولكن مقتضى الأدلّة الشرعيّة هو خلق البدن من الأجزاء المتفرّقة التي كانت بدنا له في أيام الدنيا ، كما يشهد له قوله تعالى : (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) (24) ، فإنّ الإخراج والخروج فرع بقائهم في الأرض ، ـ وإلّا فلا يصدق عنوان الإخراج والخروج وغير ذلك من الشواهد والأدلّة.
ولعلّ إليه يؤول ما ذكره المحقق اللاهيجي ـ قدس سره ـ : «من أنّ المحققين يقولون : إنّ البدن بعد مفارقة الروح ، وإن انعدم بحسب الصورة ، ولكن يبقى بحسب المادة ففي وقت الإعادة افيض عليها مثل الصورة الأوّلية ، وتتعلّق الروح الباقية بالبدن المعاد (وتتحد الهوهوية) لأنّ تشخّص الإنسان بتشخّص النفس الناطقة ، التي هي الروح ، ولا دخل في تشخص النفس الناطقة إلّا مادة البدن مع صورة ما ، فالصورة المعينة لا مدخلية لها ، ألا ترى أن شخص الطفل بعينه هو شخص الكهل ، أو الشيخ ، مع أنّ بدن الكهل أو الشيخ ، ليس بدن الطفل بعينه ، فإذا كانت روح المثاب روح المطيع الباقي بعينه ، ومادة بدنه مادة بدنه بعينها ، فلا يلزم أن يكون المثاب غير المطيع ، كما لا يلزم أن يكون الكهل غير الطفل» (25) ، ولا يخفى عليك أنّه إن أراد من قوله : ولا دخل في تشخّص النفس الناطقة» إلخ ، دخالة مادة ما في تشخّص النفس الناطقة عقلا ، ففيه منع ، لما عرفت آنفا.
وإن أراد دخالتها شرعا فهو ، وإليه يرجع أيضا ما في متن تجريد الاعتقاد حيث قال : «ويتأوّل (أي العدم يتأول) في المكلّف (بفتح اللام) بالتفريق كما في قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ» وقال الشارح العلّامة في شرح عبارة المحقق الطوسي ـ قدس سرهما ـ : «وأما المكلّف الذي يجب إعادته فقد أوّل المصنّف ـ رحمه الله ـ معنى إعدامه بتفريق أجزائه ولا امتناع في ذلك ـ إلى أن قال ـ : فإذا فرّق أجزاءه كان هو العدم ، فإذا أراد الله تعالى إعادته جمع تلك الأجزاء وألّفها كما كانت ، فذلك هو المعاد» إلى آخر عبارته فراجع (26).
ولا استغراب في هذا الجمع عن الحكيم القدير الخبير ، روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيّوب عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : «إنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ نظر إلى جيفة ، على ساحل البحر تأكلها سباع البر ، وسباع البحر ثم يثب السباع بعضها على بعض ، فيأكل بعضها بعضا ، فتعجب إبراهيم ـ عليه السلام ـ فقال : «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى» فقال الله له : (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فأخذ إبراهيم ـ صلوات الله عليه ـ الطاوس والديك والحمام والغراب ، قال الله عزوجل : (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي قطعهن ثم أخلط لحماتهن (لحمهن ـ خ ل) وفرّقها على كلّ عشرة جبال ، ثم خذ مناقيرهن وادعهن يأتينك سعيا ، ففعل إبراهيم ذلك وفرّقهن على عشرة جبال ثم دعاهن فقال : أجيبيني بإذن الله تعالى ، فكانت يجتمع ويتألف لحم كلّ واحد ، وعظمه إلى رأسه ، وطارت إلى إبراهيم ، فعند ذلك قال إبراهيم : (أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27) قال العلّامة المجلسي ـ قدس سره ـ : «تلك الأخبار تدلّ على أنّه تعالى يحفظ أجزاء المأكول في بدن الآكل ، ويعود في الحشر إلى بدن المأكول كما أخرج تلك الأجزاء المختلطة والأعضاء الممتزجة من تلك الطيور وميّز بينها» (28).
وروي عن هشام بن الحكم أنّه قال الزنديق للصادق ـ عليه السلام ـ : «أنّى للروح بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرّقت؟ فعضو في بلدة تأكلها سباعها ، وعضو باخرى تمزّقه هوامها ، وعضو قد صار ترابا ، بني به مع الطين حائط قال : إنّ الذي أنشأه من غير شيء وصوّره على غير مثال كان سبق إليه ، قادر أن يعيده كما بدأه ، قال : أوضح لي ذلك ، قال : إنّ الروح مقيمة في مكانها : روح المحسنين في ضياء وفسحة ، وروح المسيء في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا منه خلق (وفي المصدر : كما منه خلق) وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، فما أكلته ومزقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها ، وأنّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض فتربو الأرض ، ثم تمخض مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب ، إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كلّ قالب (وفي المصدر : كلّ قالب إلى قالبه فينتقل) فينتقل بإذن الله تعالى إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها ، وتلج الروح فيها فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا» (29).
وروي في الكافي عن عمّار بن موسى عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : «سئل عن الميّت يبلى جسده ، قال : نعم ، حتّى لا يبقى لحم ولا عظم إلّا طينته التي خلق منها ، فإنّها لا تبلى ، تبقي في القبر مستديرة حتّى يخلق منها كما خلق أوّل مرّة» (30).
قال العلّامة المجلسي ـ قدس سره ـ : توضيح : «مستديرة أي بهيئة الاستدارة أو متبدلة متغيرة في أحوال مختلفة ككونها رميما وترابا ، وغير ذلك ، فهي محفوظة في كلّ الأحوال» (31) انتهى موضع الحاجة.
وعليه فلا مانع من جمع المتفرّقات خصوصا إذا اكتفى بالطينة الأصلية كما هو مفاد بعض الأخبار.
السادس : في إمكان المعاد : ولا يخفى أنّ عود الأرواح إلى أبدانها ممكن ذاتا ولا استحالة فيه ، لما عرفت من أنّ عود الأرواح إلى أبدانها ليس إعادة المعدوم ، حتّى يقال باستحالتها ؛ لأنّ المعدوم لا شيئية له حتّى يعاد ، ففرض إعادة المعدوم لا يعقل إلّا إذا فرض المعدوم موجودا حتّى يكون قابلا للاعادة ، ومع هذا الفرض يجتمع العدم والوجود في شيء واحد وهو محال ، وأيضا عودة الأرواح ، وتجديد الحياة ، تكون بعد موت الأبدان ، لا في حال موت الأبدان حتّى يكون تناقضا ، فمع عودة الأرواح عادت الحياة ، ولا موت للأبدان ، فلا يجتمع موت الأبدان مع حياتها حتّى يناقضها ، وعليه فالمعاد ، هو إعادة الموجود إلى الموجود ، لبقاء الأرواح ولبقاء أجزاء الابدان ، أو مادتها ، وتجديد حياة الأبدان بعد موتها لا في حال موتها ، وهذا لا استحالة فيه ، بل أمر ممكن ذاتا هذا كلّه بالنسبة إلى الإمكان الذاتي.
وأمّا الإمكان الوقوعي فهو أيضا واضح ؛ إذ لا يستلزم المعاد محالا ، بل المقتضي لوجوده موجود ، ولا مانع منه ، أمّا المقتضى فهو لتماميّة شرط الفاعلية بسبب كونه موافقا للحكمة والعدالة ونحوهما كما سيأتي إن شاء الله بيانه ، وأمّا عدم المانع فلعدم وجه صحيح ليمتنع وقوعه ، بل أدلّ شيء على إمكان وقوعه ، هو وقوع مثل المعاد وهو الرجعة في الدنيا ؛ إذ الرجعة في الحقيقة عود الأرواح إلى أبدانها كالمعاد ، وإنّما الفرق بينهما في التوقيت وعدمه ، وقد عرفت آنفا إمكان الرجعة ، ووقوعها في الامّة السالفة بنصّ القرآن الكريم ، وعرفت أيضا قيام الأخبار المتواترة على وقوعها في الأمة الإسلامية بعد ظهور الإمام الثاني عشر ـ أرواحنا فداه ـ فما تخيل أنّه مانع ليس بمانع ، وإنّما هو حاك عن قصور المتخيل في درك الحقائق كما لا يخفى ، فلا يبقى إلّا استبعادات من الكفّار والملحدين ، وهذه الاستبعادات ناشئة عن قياس قدرة الخالق وعلمه بقدرة المخلوق وعلمه ، وإلّا فمن آمن بالله تعالى وأوصافه على ما اقتضته الأدلّة والبراهين القطعيّة ، لا يستبعد صدور شيء منه تعالى ، وقد أشار إلى بعضها في القرآن الكريم مع الجواب عنه كقوله تعالى : (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (32) ، والآية الكريمة أشارت إلى قدرته تعالى التي أوجبت إنشاء العظام وغيرها أوّل مرّة ، وإلى علمه الواسع الذي لا يعزب عنه شيء من المخلوقات حتّى يرفع استبعادهم في عودة حياة العظام البالية ، وفي جمع الأجزاء المتفرّقة في أقطار الأرض وأكّد ذلك في ضمن آيات عديدة اخرى أيضا ، منها قوله تعالى : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (33) ، ومنها قوله تعالى : «(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ) ـ إلى أن قال عزّ شأنه ـ : (وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)» (34).
فمن شك في صدور المعاد عن قدرته تعالى فلينظر إلى ما صدر وما يصدر عنه تعالى في خلقة الإنسان مع عجائب ما فيه ، وفي خلقة الأشجار والأثمار والنباتات ، فهل يمكن أن يقدر الله تعالى على مثل هذه الامور ولا يقدر على إحياء الموتى بعد تفرّق أجزائهم ، فالتأمل حول قدرته تعالى والعلم بأنّها مطلقة ، وهكذا التأمل حول علمه تعالى وأنّه لا يعزب شيء عن حيطة علمه ، يوجب رفع الاستبعادات والظنون الواهية ؛ إذ لا موجب لها ، بل هذه الظنون والدعاوى الباطلة لا توافق حكمة الله تعالى ، وقد أشار إليه في كتابه العزيز بقوله: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (35) ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عند الإشارة إلى الأدلّة العقليّة لوقوع المعاد ووجوبه.
ثم إنّ هذه الظنون سواء كانت عن الذين آمنوا بالله ، أو عن الذين لم يؤمنوا به ، التي لا دليل عليها تنشأ عن ضعفهم في المعرفة بالله تعالى وقدرته وعلمه ، مضافا إلى مطابقتها لأهوائهم وأميالهم الفاسدة ، لأنّ الاعتقاد بالمعاد يصلح للرادعية ، والدعوة إلى ترك اللذات والشهوات الفاسدة ، فبإنكار المعاد يرفع هذا الرادع عن أمامهم ولعلّ إليه يشير قوله تعالى : (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) (36) ، فإرادتهم للشهوات والأهواء من دون مانع تدعوهم إلى الإنكار ، كما يشهد قوله تعالى : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) (37).
على أنّ التجاوز والذنوب ألجأتهم إلى الإنكار. فينقدح ممّا ذكر أنّ المعاد الجسماني أمر ممكن ذاتا ووقوعا ، ولا دليل على خلافه.
السابع : في حتمية المعاد ، ولا ريب أنّ القرآن الكريم أخبر عن وقوع القيامة والمعاد أخبارا جزميّا قطعيّا مع التأكيدات المختلفة. وتعرّض لخصوصياته في ضمن آيات كثيرة التي تقرب من ألفين على ما ذكره بعض المحققين وإليك بعض الآيات : (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (38).
وفي هذه الآية أخبر عن وقوع القيامة والمعاد الجسماني بالجزم والقطع ، ونفى عنه مطلق الريب والشكّ مع التأكيدات وأكّد وقوعها في ضمن آيات اخر بالقسم كقوله عزّ شأنه :
(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (39) وفي هذه الآية ذكر أصناف التأكيدات من القسم ولام القسم ونون التأكيد ، وقرن هذه التأكيدات بمثل قوله : (وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) في ذيل الآية ، لبيان حتميّة البعث ، والنشر من القبور الذي أنكره الكفار ، وعبّر عن القيامة والبعث المذكور بالماضي ، لحتمية وقوعه كقوله عزّ شأنه : (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) (40) ، وقوله تعالى : (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) (41).
وجعل القيامة قريبة ممكنة خلافا لما تخيله الكفّار من كونها بعيدة ، وقال جلّ جلاله : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً) (42) ، وأرسل رسله للإنذار والتبشير بالآخرة والقيامة ، كما قال تعالى : (وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (43) ، وليس ذلك إلّا لحتمية وقوعها ، وأيضا جعل القيامة من ميعاده التي لا تخلف فيها ، لحتمية وقوعها ، كما قال تعالى : (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (44).
وغير ذلك من الآيات ، فإنّ كلّها تحكي عن حتميّة وقوع القيامة والبعث والنشور المذكور في القرآن بالمطابقة أو الملازمة ، فإنّ بيان أوصاف القيامة ، وبيان أوصاف المؤمنين والكافرين والمجرمين ، أو بيان أوصاف الجنّة والجحيم أو غير ذلك ، أيضا تدلّ على حتمية وقوع القيامة والبعث والنشور ، إذ البحث عن هذه الخصوصيّات يكون بعد الفراغ عن أصل وقوعها.
ثم إنّ مقتضى قوله : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (45) وغيره هو أنّ المعاد الذي آمن به إبراهيم وغيره في الأزمان السالفة قبل الإسلام هو المعاد الجسماني.
فالآيات القرآنية تدلّ بالصراحة على وقوع المعاد وحتميته ، وعلى كونه معادا جسمانيا ، وعلى كونه مما اعتقد وآمن به كلّ نبيّ وكلّ مرسل وكلّ مؤمن في كلّ عصر من الأعصار الماضية ، هذا مع قطع النظر عمن الأخبار والروايات المتواترات الواردة في المعاد الجسماني ، فلا مجال للريب في أصل وقوع المعاد ، وفي كونه جسمانيّا ، بمعنى عودة الأرواح إلى أبدانها ولا في أدلّة المعاد لصراحتها وتواترها.
ولقد أفاد وأجاد العلّامة الحلي ـ قدس سره ـ حيث قال : «المعاد الجسماني معلوم بالضرورة من دين محمّد ـ صلى الله عليه وآلهوسلم ـ والقرآن دلّ عليه في آيات كثيرة بالنصّ ، مع أنّه ممكن فيجب المصير إليه ، وإنّما قلنا بأنّه ممكن ؛ لأنّ المراد من الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة وذلك جائز بالضرورة» (46) فقول بعض الفلاسفة من أتباع المشّائين باختصاص المعاد بالمعاد الروحاني على المحكي مخالف للضرورة من الدين ، كما أنّ قول جمع من المتكلّمين بعدم بقاء الروح وفنائه بموت الأبدان يخالف الآيات والروايات المتواترة الدالّة على بقاء النفس ، ووجود الحياة البرزخية ، فالحقّ هو بقاء الأرواح وأنّ معادها هو عودتها إلى أبدانها.
الثامن : في الأدلّة العقليّة : ولا يخفى أنّه لا حاجة إلى الاستدلال بالأدلّة العقليّة ، على وقوع المعاد بعد قيام الأدلّة السمعيّة القطعيّة وضرورة الإسلام بل ضرورة الدين ، على إثبات المعاد ، ولكن حيث أشير في الأدلّة السمعيّة إلى الوجوه العقليّة فلا بأس بذكر بعضها :
إنّ الحدّ الوسط في هذا الدليل هو حكمته تعالى ، والشكل القياسي في هذا الدليل ، يكون هكذا : أنّ الله تعالى حكيم ، والحكيم لا يفعل عبثا وسفها ، فهو تعالى لا يفعل عبثا وسفها.
ثم ينضم إليه القياس الاستثنائي ، وهو أنّه لو لم يكن للإنسان معاد لكان خلقه عبثا وباطلا ، ولكنّ الله تعالى لا يفعل عبثا وسفها ، فالمعاد للإنسان ثابت ، فحكمته تعالى تقتضي أن يكون للإنسان حياة دائمية ومعاد في القيامة وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان مقدمات.
الأولى : أنّ الله تعالى حكيم ، والحكيم لا يفعل العبث والسفه ؛ لأنّه قبيح لرجوعه إلى ترجيح المرجوح ، أو لأنّه محال ، لأوّله إلى الترجح من غير مرجح ، وقد مرّ البحث عنه في العدل ، ولا ينافي ذلك ما عرفته في المباحث المتقدّمة من أنّ الله تعالى لا غاية له وراء ذاته ؛ لأنّ المقام يثبت الغاية للفعل لا للفاعل وكم من فرق بينهما.
الثانية : أنّ العبث والسفه هو ما لا يترتب عليه غاية عقلائيّة ، مثل ما إذا صرف ذو ثروة ماله فيما لا منفعة له ، أو فيما يكون منفعته أقلّ ممّا صرفه ، ولا يكون الصرف ذا حكمة ، إلّا إذا ترتب عليه المنفعة الزائدة عمّا صرف ، فالفعل لا يخرج عن العبثية والسفاهة ، إلّا إذا ترتب عليه فائدة وغاية عقلائية.
وعليه فخلقة الإنسان مع ابتلائه بأنواع المشكلات ، وكون نهايته الفناء من دون ترتب فائدة على ذلك بالنسبة إلى الله تعالى لكونه كمالا محضا وغنيا مطلقا ، ولا بالنسبة إلى المخلوق بعد فرض كونه سيصير فانيا عبث وسفاهة ؛ لأنّه بمنزلة ذي صنعة يصنع شيئا مهمّا ثم يخرّبه قبل أن يستفيد منه نفسه أو غيره ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وعبادة الإنسان وإطاعته لله عزوجل لا تنفع في حقّه تعالى ، لكونه غنيا مطلقا ، ولا في حقّ المطيع بعد كون المفروض أنّه سيصير فانيا ، والاستكمال بالطاعة والعبادة لا مطلوبية له إلّا إذا كان المطيع باقيا ، فإنّ العبادة والطاعة حينئذ توجبان رفعة نفس المطيع إلى مقام يتلذذ منه ، كالقرب والدنوّ من ساحة ربّه المتعال ، وكلياقته للمجالسة مع الأولياء الكرام ، في جنّات النعيم وغير ذلك.
قال الاستاذ الشهيد المطهري ـ قدس سره ـ : «إن كان خلف كلّ وجود عدم ، أو خلف كلّ عمران تخريب ، وإن كان كلّ نيل للتخلية فما يحكم على النظام العالمي إلّا التحرير والضلال ، وتكرار المكررات ، فيقوم وجود كلّ شيء على العدم والباطل» (47).
وقرّره الحكيم المتأله محمّد مهدي النراقي بوجه آخر ، وهو : «أنّا نرى في هذا العالم بعض الناس يطيعون ، وبعضا آخر يعصون ، وبعضهم يحسنون ، وبعضا آخر يسيئون ، وبعضهم يديمون في العبادة والطاعة ، وبعضا آخر يديمون المعاصي والسيئات ، ونرى جمعا في الخيرات والمبرّات ، وجمعا آخر في الظلم والخطيئات.
ونرى طائفة نالوا مقام رضاية الله تعالى ، وفرقة اخرى ذهبوا في الطغيان والضلال ، ونرى طبقة في الإحسان والنصح ، وزمرة في الملاهي والمناهي.
ونرى مع ذلك أنّ الموت يعرض على جميعهم ويفنيهم ، مع عدم نيل كلّ واحد منهم بجزاء عمله ، فلو لم يكن عالم آخر يجزى كلّ واحد بعمله ، لكان خلقة هذا النوع العظيم شأنه عبثا وسفها» (48) ونحوه كلام الفاضل الشعراني ـ قدس سره ـ في ترجمة وشرح تجريد الاعتقاد (49) فراجع.
وكيف كان فما يخرج خلقة الإنسان عن السفاهة والعبث ، هو وقوع المعاد ، لأن يصل الإنسان إلى نتيجة عمله الذي عمله في الدنيا ، من الاستكمال أو جزائه ، وإليه يؤول قوله تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (50).
فقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) إشارة إلى أنّ خلقة الإنسان بدون الرجوع والمعاد ليس إلّا عبثا وسفاهة وهي المقدمة الثانية.
وقوله تعالى : (فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) إشارة إلى عدم وقوع العبث منه تعالى لعلوّه عن ذلك وهو المقدمة الاولى ، ولعلّ قوله : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) إشارة إلى عدم حاجته إلى خلقة الإنسان ومعاده ؛ لأنّه مالك الملك ، والذي يكون كذلك ، لا حاجة إلى غيره ، فنيل الإنسان إلى غايته وعدمه لا يؤثران في مالكيته للملك ، وإنّما الخلقة ومعادها تنشأ من علوّه ، وكماله ، وغناه ، فلا مورد لاستكمال الكامل المطلق بالخلقة والمعاد.
الثالثة : أنّ المستفاد من دليل الحكمة هو معاد الإنسان كما تشير إليه الآية الكريمة ، وأمّا معاد عالم المادة والحيوانات فقد ذهب بعض أساتيذنا إلى الاستدلال له بدليل الحكمة ، ولكنّه محلّ تأمّل ؛ لإمكان أن يقال : إنّ خلقة المادة والحيوانات لانتفاع الإنسان ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (51) ، فمع وجود هذه الغاية في خلقة المادة والحيوانات ، وهي استفادة الإنسان منها بحيث يتمكن من الحياة الدنيويّة حتّى يعيش ويعمل ما يعمل ليست خلقتها عبثا وسفها ، ولو لم يكن لها معاد فإثبات المعاد لهما بهذا الدليل محلّ تأمّل ، بل منع ، نعم لو لم يكن للإنسان معاد فلا يكون خلقة كلّ ذلك إلّا عبثا وسفها وباطلا كما لا يخفى.
وكيف كان فإذا عرفت هذه المقدمات يكون خلقة الإنسان أحسن شاهد على وقوع المعاد ؛ إذ العبث لا يصدر منه تعالى ، فإذا كان الإنسان مخلوقا فلا يكون عبثا مع أنّه لا يخرج عن العبثية إلّا بوقوع المعاد ، فحكمته تعالى توجب البعث والمعاد ، كما صرّح به المحقّق الطوسي ـ قدس سره ـ في متن تجريد الاعتقاد (52).
وقال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ في ذيل قوله تعالى : «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ» (53) : «إنّ للناس رجوعا إلى الله وحسابا على أعمالهم ليجازوا عليها ثوابا وعقابا ، فمن الواجب أن يكون هناك نبوّة ودعوة ، ليدلوا بها إلى ما يجازون عليه من الاعتقاد والعمل ، فالمعاد هو الغرض من الخلفة الموجب للنبوّة ، ولو لم يكن معاد لم يكن للخلقة غرض وغاية ، فكانت الخلقة لعبا ولهوا منه تعالى ، وهو غير جائز ، ولو جاز عليه اتخاذ اللهو لوجب أن يكون بأمر غير خارج من نفسه لا بالخلق الذي هو فعل خارج من ذاته ؛ لأنّ من المحال أن يؤثر غيره فيه ويحتاج إلى غيره بوجه ، وإذ لم يكن الخلق لعبا فهناك غاية وهو المعاد ، ويستلزم ذلك النبوّة ، ومن لوازمه أيضا نكال بعض الظالمين إذا ما طغوا وأسرفوا وتوقف عليه إحياء الحقّ ، كما يشير إليه قوله بعد ، بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» (54).
وقال أيضا في ذيل قوله تعالى : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (55) : «وهو احتجاج من طريق الغايات ؛ إذ لو لم يكن خلق السماء والأرض وما بينهما ـ وهي امور مخلوقة مؤجلة توجد وتفنى ـ مؤديا إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجلة كان باطلا ، والباطل بمعنى ما لا غاية له ممتنع التحقّق في الأعيان ، على أنّه مستحيل من الحكيم ، ولا ريب في حكمته تعالى» (56).
وقرّب في كنز الفوائد في اصول العقائد دليل الحكمة بما حاصله : «أنّ بعد ثبوت حكمة الله تعالى في أفعاله نعلم بأنّ خلقة العالم ليست عبثا ، بل فيها حكمة ومصلحة ، ثم ننظر أنّ المصلحة ترجع إلى الله تعالى ، أو إلى خلقه وحيث علمنا أنّه تعالى غنيّ بالذات وكامل من جميع الجهات ، فالمصلحة والحكمة ترجع إلى الخلق لا محالة ، ولا تكون الخلقة بمصلحتهم إلّا إذا كانت نشأة اخرى عقيب هذه الدنيا ، وإلّا لزم عدم كون الخلقة بمصلحتهم ، وهو نقض للغرض ، والنقض من أقبح الامور ، ووجهه أنّ المنافع والمصالح الدنيويّة منقطعة لا دوام ولا ثبات لها ، ووجودها لقلّة دوامها كعدمها ، ولا يكون إعطاء هذه المنافع والمصالح لائقا بشأن الحكيم على الاطلاق.
هذا مضافا إلى اختلاطها وشوبها بأضعاف مضاعفة من الصعوبات والمشاكل ، والمصائب والمحن ، والأمراض والفتن ، والمنافرات ، وحصول هذه المنافع والمصالح لا تكون غرضا من الخلقة ، وإلّا لزم نقضا للغرض ؛ لأنّه خلاف الإحسان ، هذا نظير كريم يدعو جمعا كثيرا للضيافة ، وغرضه من الدعوة هو الإحسان إليهم لا غير ، فيدخلهم في مجلس الضيافة ، وحضر لهم أنواع الأطعمة والأشربة ، مع إدخال أنواع الموذيات من السباع والذئاب والكلاب والحيّات والعقارب ونحوها مما تمنعهم ، قبل الالتذاذ الكامل بالأطعمة والأشربة ، ولا يعدّ ذلك عند العقلاء إلّا من أقبح القبائح التي لا تصدر ممن لا يبالي ، فضلا عمّن يبالي ، فضلا عن الحكيم على الإطلاق ، هذا بخلاف ما إذا أمر المولى الكريم عباده بالمشقات الجزئية في زمان قليل لينال في النشأة الاخرى النعمة الدائمة ، والمناصب الجليلة ، والعطايا العظيمة ، فإنّ الخلقة حينئذ تصير مستحسنة وقابلة للمدح والثناء ، وهذا برهان قاطع أرشد إليه الحقّ سبحانه وتعالى في كلامه المجيد بقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) (57).
2 ـ دليل العدالة :
ويمكن تقريبه بأن الله تعالى عادل والعادل لا يسوّي بين الظالم والمظلوم كما لا يقدّمه ولا يقدّره عليه ، بل ينتقم من الظالم ، فهو تعالى ينتقم من الظالم ، ولا يسوّي بين الظالم والمظلوم ، ولا يقدّمه ولا يقدّره على المظلوم.
ثم ينضم إليه القياس الاستثنائي ، ويقال : لو لم يكن للإنسان معاد ، لزم التسوية بين الظالم والمظلوم ، ولزم إقدار الظالم على المظلوم ، ولزم الإخلال بالانتقام من الظالمين ، ولكنّه تعالى منزّه عن تلك الامور فالمعاد ثابت للإنسان حتّى يجزي كلّ إنسان بما يستحقّه.
وتوضيح ذلك أيضا يحتاج إلى بيان امور :
الأوّل : أنّ الله تعالى عادل ولا يظلم شيئا ؛ لأنّه كمال محض ومحض الكمال لا يكون ناقصا ، حتّى يظلم ، والظلم معلول النقص ؛ إذ سببه إمّا الجهل أو حاجة الظالم ، أو شقاوته وخبث ذاته ، أو حسادته ، وكلّ واحد نقص ، وهو منتف فيه تعالى ، وقد مرّ تفصيل ذلك في بحث العدل فراجع.
الثاني : أنّ التسوية بين الظالم والمظلوم في الجزاء ، كتقديم الظالم على المظلوم ، وإعداده وإعانته ، في كونه ظلما وقبيحا ، وتنافي العدل ؛ لأنّ العدل هو إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، والتسوية كالتقديم إبطال الحقّ وهو عين الظلم.
الثالث : أنّه لو لم يكن معاد لجزاء الإنسان لزم التسوية بين المجرمين والصالحين ، وتقديم الظالمين على المظلومين ، وإعداد الأشرار واقدارهم ؛ لأنّ أبناء البشر كانوا ويكونون على الصلاح والفساد ، وعلى الإصلاح والإفساد ، وعلى الهداية والضلالة ، وكثيرا ما تتغلّب الفئة الظالمة على المظلومة ، والأشرار على الصلحاء ، وعليه فإن اكتفى بهذه الدنيا ولا يكون ورائها الآخرة ، كان معناه هو عدم مكافاة الظالمين والمجرمين ، وعدم جزاء الصالحين والمتّقين ، بل معناه هو تقديم الطائفة الظالمة على الطائفة المظلومة ، لإعدادهم بأنواع النعمات دون الطائفة المغلوبة.
لا يقال : هذه الدنيا تكفي لجزاء الصالحين والطالحين فمن عمل صالحا أعطاه النعم الدنيويّة والعزّة ، ومن عمل سيئا سلب منه النعم ، وابتلاه بالخزي والذلّة ، ومع جزاء كلّ فرقة بما يناسبهم ، لا يلزم التسوية بين المجرمين وغيرهم ، كما لا يلزم تقديم إحدى الطائفتين على الاخرى.
لأنّا نقول : ليس كذلك إذ نرى عدم جزاء كثير من الظالمين والفاسدين والمفسدين بل هم يعيشون إلى آخر عمرهم في غاية العزّة الدنيويّة ، والقدرة ، بخلاف غيرهم فإنّهم في غاية المهانة والصعوبة ، وهو أمر محسوس لا سترة فيه ، هذا مضافا إلى أنّ أعمال المؤمنين والكافرين على درجات مختلفة وقد يكون بعضها ممّا لا يمكن جزاؤه في عالم الدنيا ، كمن يقتل ألف ألف نفس ببعض أنواع الصواريخ ، ومن المعلوم أنّ سلب نعمة الحياة ، أو إعدام هذا القاتل مرّة واحدة لا يكون جزاء إفساده ، كما أن من يحيى النفوس الكثيرة بالمعالجة أو الهداية ، لا يمكن أن يكون جزاؤه هو نعمة الدنيا مع محدوديتها فضلا عن الأنبياء والأولياء الذين لا يمكن تقويم عملهم ، ولا تصلح مثل الدنيا الدنيّة لجزائهم ، لا سيّما محمّدا وآله ، إذ قد فاق بعض دقائق عمرهم على جميع عمر الآخرين ، وقد اشتهر في جوامع الحديث ، أنّ ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين. على أنّ بعض الأعمال في حال الموت وبعده ، فلا يمكن جزاء العامل في الدنيا بعد موته ، كما إذا جاهد المؤمنون مع الكافرين فمن استشهد من المؤمنين لا يمكن جزاؤه ، كما أنّ من هلك من الكافرين لا يمكن جزاؤه ، وكما إذا أسّس سنّة حسنة أو سنّة سيئة ، فحمله بعد الموت يدوم بدوام ما أسّسه مع عدم إمكان جزاء العامل ، فطبع الدنيا لا يليق بكونها جزاء كاملا للعاملين.
لا يقال : هذا صحيح لو كان التناسخ محالا وإلّا يمكن العودة المتكرّرة حتّى يتكامل الجزاء ، فمن كان صالحا يعود بعد موته في بدن يعيش عيشا مباركا ، ومن كان طالحا يعود بعد موته في بدن يعيش عيش سوء ، وهذا أمر واسع ، ولا يكون محدودا ، وإنّما يتكرّر بحسب ما يستحقّه ، وعليه فيجزى كلّ عامل بجزاء عمله ومعه لا تسوية ولا تقديم للفرقة الظالمة على الفرقة المظلومة.
لأنّا نقول : إنّ التناسخ ممّا قامت ضرورة الأديان على خلافه ، فلا مجال لاحتماله ، فهو مفروض العدم ، هذا مضافا إلى عدم إمكانه لوجوه كثيرة ، منها : ان النفس بخروج البدن السابق من القوة الى الفعلية ، قد خرجت من القوة إلى الفعلية ، فلو تعلقت بعد خروجها عن البدن السابق إلى بدن آخر ، لكانت النفس في مرتبة الفعلية ، والبدن الذي تعلقت به كالجنين مثلا في مرتبة القوة ، فيلزم عدم تكافؤهما في مرتبة القوة والفعلية (58).
ومنها : أنّ انتقال النفس المستنسخة إلى نطفة مستعدة ، لا يمنع فيضان النفس الابتدائية ، فيلزم اجتماع النفسين في بدن واحد ، وهو مستحيل لامتناع كون الشيء ذا ذاتين ، أعني ذا نفسين ، وما من شخص إلّا وهو يشعر بنفس واحدة له (59).
ومنها : ما أشار إليه العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ في تفسيره حيث قال : «إنّ التناسخ وهو تعلّق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن ببدن آخر محال ، فإنّ هذا البدن إن كان ذا نفس استلزم التناسخ تعلق نفسين ببدن واحد ، وهو وحدة الكثير ، وكثرة الواحد ، وإن لم تكن ذا نفس استلزم رجوع ما بالفعل إلى القوة» (60).
ويمكن إيضاح امتناع رجوع ما بالفعل إلى القوّة بما في المبدأ والمعاد ، من أنّ النفس ما دامت تكون بالقوّة يمكن لها اكتساب أيّ مرتبة شاءت لمكان استعدادها قبل صيرورتها بالفعل شيئا من الأشياء المتحصلة ، وأمّا إذا صارت مصوّرة بصورة فعلية ، واستحكمت فعليّتها ورسوخها ، وقوي تعلّقها ، ولصوقها بالنفس ، فاستقرّت على تلك المرتبة ، وبطل عنها استعداد الانتقال من النقص إلى الكمال ، والعبور من حال إلى حال ، فإنّ الرجوع إلى الفطرة الاولى ، والعود إلى مرتبة التراب ، والهيولاني ، كما في قوله تعالى : (لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) مجرد تمنّي أمر مستحيل كما مرّ ، والمحال غير مقدور عليه (61).
هذا مضافا إلى احتفاف الدنيا بأنواع المصيبات والآلام التي لا تكون معها لائقة لجزاء الأولياء والأنبياء والصالحين ، بل المناسب لهم هو جزاؤهم بما لا يحتف بهذه المكاره والمصائب ، وهو لا يكون إلّا الآخرة ، على أنّ مجازاة الكفرة والعصاة بدون تنبههم بما فعلوا في الدورات السابقة ، ليست بمجازاة ، فالتناسخ لا يمكن أولا ، وعلى فرض إمكانه قامت الضرورة على خلافه ثانيا.
هذا مضافا إلى عدم مناسبتها للجزاء بالنسبة إلى الصالحين ، لاحتفافها بالمكاره ، وبالنسبة إلى الصالحين لغفلتهم عن المكافاة ، ومضافا إلى ما أفاد بعض أساتيذنا مدّ ظله ، من أنّ الجزاء هو النعمة المحضة التي لا يشوبها تكليف ، ومسئولية ، والنعم الدنيويّة ليست كذلك ؛ لعدم خلوّها عن التكليف ، والمسئولية كما لا يخفى.
فإذا عرفت هذه المقدمات ظهر لك أنّ عدالته تعالى ، تقتضي المعاد ، وهو أمر أرشد إليه القرآن الكريم في ضمن آيات عديدة ، منها : قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) (62).
قال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ في ذيل قوله تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (63) : «هذه هي الحجّة الثانية على المعاد ، وتقريرها : أنّ للإنسان كسائر الأنواع كمالا بالضرورة ، وكمال الإنسان هو خروجه في جانبي العلم والعمل من القوّة إلى الفعل ، بأن يعتقد الاعتقادات الحقّة ، ويعمل الأعمال الصالحة ، اللتين يهديه إليهما فطرته الصحيحة ، وهما الإيمان بالحقّ والعمل الصالح ، اللذين بهما يصلح المجتمع الانساني الذي في الارض ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المتقون الكاملون من الإنسان والمفسدون في الأرض بفساد اعتقادهم وعملهم ، وهم الفجّار هم الناقصون الخاسرون في إنسانيّتهم حقيقة ، ومقتضى هذا الكمال والنقص ، أن يكون بإزاء الكمال حياة سعيدة وعيش طيّب ، وبإزاء خلافه خلاف ذلك.
ومن المعلوم أنّ هذه الحياة الدنيا التي يشتركان فيها هي تحت سيطرة الأسباب والعوامل الماديّة ونسبتها إلى الكامل والناقص والمؤمن والكافر على السواء ، فمن أجاد العمل ووافقته الأسباب الماديّة فاز بطيب العيش ومن كان على خلاف ذلك لزمه الشقاء وضنك المعيشة. فلو كانت الحياة مقصورة على هذه الحياة الدنيويّة ، التي نسبتها إلى الفريقين على السواء ولم تكن حياة تختص بكلّ منهما ، وتناسب حاله ، كان ذلك منافيا للعناية الإلهيّة ، بإيصال كلّ ذي حقّ حقّه ، وإعطاء المقتضيات ما تقتضيه ، وإن شئت فقل تسوية بين الفريقين وإلغاء ما يقتضيه صلاح هذا وفساد ذلك خلاف عدله تعالى» (64).
ومن الآيات المذكورة قوله تعالى : «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» (65) ، وغير ذلك من الآيات.
ثم إنّ هذا الدليل لا يثبت إلّا المعاد للمكلّفين والعاملين ، فإنّ محدودة كلّ برهان تابع لحدّ وسطه ، والحدّ الوسط في هذا البرهان ، هو العدل ، وهو لا يكون إلّا في موارد استحقاق الجزاء بالطاعة أو المخالفة ، وهما من أفعال المكلفين ، فتسوية المطيع مع المسيء ، تنافي العدالة ، أو في موارد ظلم بعض العباد على بعض آخر ، فإنّ مقتضى العدل هو استيفاء حقّ المظلوم من الظالم ، فكلّ موارد العدل من موارد التكليف ، وعليه فلا يشمل هذا الدليل معاد غير المكلّفين.
هذا الدليل مركب من الدليل الشرعي والعقلي إذ الجزء الأوّل منه شرعي وهو الآيات الدالّة على الوعد بالثواب والعقاب ، وبالجنّة والنار ، منها : قوله تعالى : (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) (66) ، ولمّا كان الوعد بهما مكرّرا وشايعا صار عنوان اليوم الموعود من عناوين يوم القيامة كما صرّح به في قوله تعالى : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) (67).
والجزء الثاني منه عقلي وهو أنّ الله تعالى لا يخلف الوعد ؛ لأنّ الخلف ناش عن النقص ، وهو تعالى لا نقص فيه ، أو ناش عن الاضطرار والضرورة ، وهو أيضا لا مورد له في حقّه ؛ لأنّه سبحانه لا يضطره ضرورة ، ولذا قال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره : «وخلف الوعد وإن لم يكن قبيحا بالذات لأنّه ربّما يحسن عند الاضطرار لكنّه سبحانه لا يضطره ضرورة ، فلا يحسن منه خلف الوعد في حال» (68) وقد أرشد إليه بقوله عزوجل : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (69).
وعليه فصورة القياس هكذا : إنّ الله تعالى وعد بالثواب والعقاب الاخرويّين ، وبالجنّة والنار ، وكلّ ما وعده الله آت ولا يخلفه الله تعالى ، فالجنّة والنار والثواب والعقاب الاخرويّان حتميّان ، ولا خلف فيهما.
وإليه أشار المحقّق الطوسي في متن تجريد الاعتقاد حيث قال : «ووجوب إيفاء الوعد ... يقتضي وجوب البعث ، وقال الشارح العلّامة في شرحه : إنّ الله تعالى وعد بالثواب وتوعّد بالعقاب ، مع مشاهدة الموت للمكلّفين فوجب القول بعودهم ، ليحصل الوفاء بوعده ووعيده» (70).
وقال المحقّق اللاهيجي ـ قدس سره ـ : «وليعلم أنّ ... إيصال ثواب وعقاب جسمانيّين يتوقف لا محالة على إعادة البدن ؛ لأنّ اللّذة والألم الجسمانيّين ، لا يمكن بدون وجود البدن ، ثم لا ينافي ثبوت اللّذة والألم الجسمانيّين مع ثبوت اللّذة والألم الروحانيّين ، كما هو مذهب المحقّقين ، الذين قالوا بتجرّد النفس الناطقة ، فالحقّ هو ثبوت الثواب والعقاب الروحانيّين والجسمانيّين ، أمّا الروحاني : فهو بناء على تجرّد النفس الناطقة وبقائها بعد مفارقتها عن البدن ، والتذاذه بالكمالات الحاصلة له من ناحية العلم والعمل ، وتألمه عن ضد الكمالات المذكورة ، وأمّا الجسماني : فهو بناء على وجوب الإيفاء بالوعد والوعيد الموجبين لإيصال الثواب والعقاب الجسمانيّين» (71).
4 ـ دليل حبّ البقاء والخلود:
ولا خفاء في كون الإنسان بالفطرة محبا للبقاء والخلود ، ولعلّه لذا تنافر الناس عن الموت لزعمهم أنّه فناء ومناف لمحبوبهم الفطري من البقاء ، ويشهد أيضا على فطرية هذا الحبّ ، أنّ الحبّ المذكور لا يزول عن النفس بالعلم بفناء الدنيا ، هذه صغرى القياس ، وينضمّ إلى هذه الكبرى ، وهي أنّ كلّ ما كان فطريا فهو مطابق لواقع الأمر ، لأنّ الفطرة أثر الحكيم المتعال ، ولا يكون فعله تعالى لغوا وعبثا ، فكما أنّ غريزة الأكل والشرب والنكاح حاكية عن وجود ما يصلح للأكل والشرب والنكاح ، كذلك تشهد هذه المحبّة الفطريّة على وجود عالم آخر يصلح للبقاء والخلود.
ولعلّ إليه يرجع ما ذكره شيخ مشايخنا آية الله الشيخ محمّد علي الشاه آبادي ـ قدس سره ـ في «الإنسان والفطرة» حيث قال : «ويدلّ عليه عشق اللقاء والبقاء مع القطع بعدم البقاء مثل هذا البقاء الملكي ، والحياة الدنيويّة مع عدم فتور العشق الكذائي ، فإنّه بحكم الفطرة المعصومة ، ينكشف أنّ هناك عالما غير داثر ، وتلاقي معشوقك في مقعد صدق عند مليك مقتدر» (72) كما حكى الاستدلال به عن الحكيم المتأله آية الله السيد أبو الحسن الرفيعي (73) وغيره من الأعلام والفحول ، وكيف كان فمحبّة البقاء آية وجود الآخرة ودليلها ، وإلّا لزم الخلف في حكمته تعالى ، هذا مضافا إلى أنّ رحمته تعالى تقتضي إيصال كلّ شيء إلى ما يستحقّه ، ورفع حاجة كلّ محتاج ، وعليه فهو تعالى يوصل كلّ محبّ للخلود والبقاء إلى محبوبه برحمته كما أفاده عزوجل بقوله : «قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ» (74).
وفي ما ذكر غنى وكفاية فمن شاء الزيادة فليراجع المطوّلات.
التاسع : في حشر الحيوانات ، وقد يستدلّ له بقوله تعالى : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (75).
قال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ : «أمّا السؤال الأوّل : (هل للحيوان غير الإنسان حشر؟) فقوله تعالى في الآية : (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) يتكفّل الجواب عنه ، ويقرب منه قوله تعالى : (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) ، كورت : 5 (76).
وقال أيضا : «وببلوغ البحث هذا المبلغ ، ربّما لاح أنّ للحيوان حشرا ، كما أنّ للإنسان حشرا ، فإنّ الله سبحانه يعدّ انطباق العدل والظلم والتقوى والفجور على أعمال الإنسان ، ملاكا للحشر ، ويستدلّ به عليه كما في قوله تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) ، ص : 28» (77).
وقال أيضا : «وهذان الوصفان ، أعني الإحسان والظلم ، موجودان في أعمال الحيوانات في الجملة ، ويؤيده ظاهر قوله تعالى : (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) (78) ، فإنّ ظاهره أنّ ظلم الناس لو استوجب المؤاخذة الإلهية كان ذلك ؛ لأنه ظلم ، والظلم شايع بين كلّ ما يسمّى دابّة ، الإنسان وسائر الحيوانات ، فكان ذلك مستعقبا لأن يهلك الله تعالى كلّ دابّة على ظهرها، هذا.
وأن ذكر بعضهم أنّ المراد بالدابّة في الآية ، خصوص الإنسان ، ولا يلزم من شمول الأخذ والانتقام يوم القيامة لسائر الحيوان أن يساوي الإنسان في الشعور والإرادة ، ويرقى الحيوان العجم إلى درجة الإنسان في نفسيّاته وروحيّاته ، والضرورة تدفع ذلك ، والآثار البارزة منها ومن الإنسان تبطله ، وذلك أنّ مجرد الاشتراك في الأخذ والانتقام ، والحساب والأجر ، بين الإنسان وغيره لا يقتضي بالمعادلة والمساواة من جميع الجهات ، كما لا يقتضي الاشتراك في ما هو أقرب من ذلك ، بين أفراد الإنسان أنفسهم أن يجري حساب أعمالهم من حيث المداقّة والمناقشة مجرى واحدا ، فيوقف العاقل والسفيه والرشيد والمستضعف في موقف واحد» (79).
قال الفاضل المقداد ـ قدس سره ـ : «النقل الشريف دالّ على أنّه ما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلّا امم أمثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربّهم يحشرون ، فهؤلاء منهم من يحكم العقل بوجوب البعثة وهو كلّ من له حقّ أو عليه حقّ للإنصاف والانتصاف ، ومنهم من لم يحكم بوجوبه بل بجوازه كمن عدا هؤلاء» (80).
وروي عن أبي ذر قال : «بينا أنا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ إذ انتطحت عنزان فقال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ : أتدرون فيما انتطحا؟ فقالوا : لا ندري ، قال : لكن الله يدري وسيقضي بينهما» (81).
قال العلّامة المجلسي ـ قدس سره ـ : «وأمّا حشر الحيوانات فقد ذكره المتكلمون من الخاصّة والعامّة على اختلاف منهم في كيفيته ، إلى أن قال : أقول : الأخبار الدالّة على حشرها عموما وخصوصا ، وكون بعضها ممّا يكون في الجنّة كثيرة سيأتي بعضها في باب الجنّة ، وقد مرّ بعضها في باب الركبان يوم القيامة وغيره ، كقولهم ـ عليهم السلام ـ في مانع الزكاة : تنهشه كلّ ذات ناب بنابها ويطؤه كلّ ذات ظلف بظلفها ، وروى الصدوق في الفقيه بإسناده عن السكوني بإسناده أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ أبصر ناقة معقولة ، وعليها جهازها ، فقال أين صاحبها؟ مروه فليستعد غدا للخصومة ، وروي فيه عن الصادق ـ عليه السلام ـ أنّه قال : أيّ بعير حجّ عليه ثلاث سنين ، يجعل من نعم الجنّة ، وروي سبع سنين ، وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ : استفرهوا ضحاياكم فإنّها مطاياكم على الصراط ، وروي أنّ خيول الغزاة في الدنيا خيولهم في الجنة» (82).
العاشر : في تأثير الإيمان بالآخرة ، ولا يخفى أنّه إذا علمنا بوجود الآخرة بعد الدنيا ، وأنّ أعمالنا في هذه الدنيا مضبوطة للمحاسبة في الآخرة ، ولا يمكن إخفاؤها ، وإذا علمنا أنّ الجزاء متناسب للأعمال ، وآخرتنا رهينة أعمالنا ، ولا يعطى أحد فيها شيء من دون ملاحظة إيمانه ، وعمله في الدنيا ، وأنّه لا مجال لإعمال القدرة في الآخرة ، بل المحاسبة والجزاء جرت من دون خطأ وانحراف ، وإذا آمنّا بكلّ هذه الامور ، واطمأنا بها ظهر أثره في أعمالنا وعقائدنا ، وأفكارنا ، ونيّاتنا ، ولذا أكد الأنبياء والأولياء على الإيمان بالآخرة ، واختصّ ثلث القرآن تقريبا بالآخرة وأحوالها ، والجنّة والنار ، ومقامات الأولياء ، ودركات الجحيم ، والحساب والصراط وغيرها ، وأوصى النبيّ والائمة الطاهرة ـ عليهم الصلاة والسّلام ـ بذكر الموت والآخرة ، ومنه ورد عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ : «أكيس الناس من كان أشدّ ذكرا للموت» (83) ثم كلّما ازداد ذكر الموت والآخرة ازداد الصلاح والإصلاح ؛ ولذا عرف الله تعالى عباده الصالحين بهذه الخصيصة وقال عزوجل : (وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) (84).
وفي هذه الآية الكريمة أيضا دلالة على أنّ إخلاص العباد وجعلهم من المخلصين ـ بفتح اللام ـ بواسطة هذه الخصّيصة والصفة المباركة ، وكيف كان فيكفي في أهمية ذكر الآخرة أنّ الإنذار والتبشير كان من اصول دعوة الأنبياء والمرسلين ، فمن أراد إصلاح نفسه وغيره ، فعليه بذكر الموت والآخرة وأحوالها ، وعليه أن يقتفي بالقرآن الكريم وبالأنبياء العظام وبالأولياء الكرام في تربية الناس وإصلاحهم ، بأن ينذرهم ويبشّرهم كما كانت تلك سيرة العلماء الأبرار.
إذ علّة انحراف الجوامع البشريّة في يومنا هذا هي الغفلة عن الله وعن الآخرة ، ولا يرتفع الانحراف والسقوط إلّا بإزالة هذه العلّة ، ولا تزول هذه العلّة ، إلّا بذكر الآخرة ، والالتفات المستمر إليها ، كما قال الله تبارك وتعالى : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (85).
فمن طلب الجنّة ومقاماتها فعليه بالإيمان الخالص وبالأخلاق الحسنة وبالأعمال الصالحة ؛ لأنّ الجنّة ومقاماتها حصيلة هذه الامور والدنيا ـ كما اشتهر عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ مزرعة الآخرة ؛ لأنّ زاد الآخرة لا يمكن تحصيله إلّا في هذه الدنيا ، كما قال مولانا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار فخذوا من ممرّكم لمقرّكم» (86) وقال أيضا : «فتزوّدوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا» (87) ومن المعلوم أنّ رجاء الآخرة بدون الإيمان والعمل كرجاء الزارع بدون أن يحرث ويبذر ، ويسقي في أنّه لا ينتج إلّا الندامة والحسرة ، قال عزوجل : (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (88) ، وأنّ النفرة عن الجحيم والنار ودركاتها من دون ترك موجباتها ، كالنفرة عن السبع والعقارب والحيّات مع المشيّ نحوها ، خصوصا بناء على تجسّم الأعمال ، كما هو مفاد بعض الآيات كقوله عزوجل : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) (89) ، فعلى العاقل الخبير أن يفرّ عن المحرّمات كما يفرّ عن السبع والعقارب والحيّات ، ويبتعد عن المشتبهات ، ويستعدّ للآخرة ولا يغفل عنها طرفة عين أبدا.
__________________
(1) القصص : 85.
(2) آل عمران : 9.
(3) نهج البلاغة فيض الاسلام : ج 1 ص 178 ، الخطبة 82.
(4) مفاتيح الجنان : أعمال يوم الغدير.
(5) البقرة : 154.
(6) غافر : 46.
(7) المؤمنون : 99 ـ 100.
(8) السجدة : 11.
(9) راجع معارف القرآن : جلسة 50 ص 432.
(10) الزمر: 42.
(11) راجع الكتب التفسيرية ، والحديثية والفلسفية منها: درر الفوائد : ج 2 ص 355 ـ 375 ، ونامه رهبران: ص 444 ومعرفت نفس وگوهر مراد: ص 9 و 96 و 431.
(12) آل عمران: 169 ـ 170.
(13) يس: 25 ـ 27.
(14) رسالة في المعاد : ج 2 ص 2 للعلّامة الحاج الشيخ ميرزا علي الاحمدي مد ظله وهي مخطوطة.
(15) رسالة في المعاد : ج 1 ص 44 نقلا عن الوافي : ج 3 ص 98 أبواب ما بعد الموت باب 110.
(16) بحار الانوار : ج 6 ص 254
(17) بحار الانوار : ج 6 ص 268.
(18) بحار الأنوار : ج 6 ص 270.
(19) بحار الأنوار : ج 73 ص 96.
(20) بحار الأنوار : ج 6 ص 154.
(21) بحار الأنوار : ج 6 ص 154.
(22) بحار الأنوار : ج 6 ص 155.
(23) راجع معارف قرآن : جلسة 49 ص 414 ـ 421.
(24) الروم : 19.
(25) سرمايه الإيمان : ص 159 ـ 160.
(26) شرح تجريد الاعتقاد : ص 402 ، الطبع الجديد.
(27) بحار الأنوار : ج 7 ص 36 ـ 37.
(28) بحار الأنوار : ج 7 ص 37.
(29) بحار الأنوار : ج 7 ص 37 ـ 38.
(30) بحار الأنوار : ج 7 ص 43.
(31) بحار الأنوار : ج 7 ص 43.
(32) يس : 78.
(33) يس : 81.
(34) الحج : 5.
(35) ص : 27.
(36) القيامة : 1 ـ 5.
(37) المطففين : 10 ـ 12.
(38) الحج : 7.
(39) التغابن : 7.
(40) الواقعة : 1.
(41) الزلزال : 1.
(42) المعارج : 7.
(43) الأنعام : 48.
(44) آل عمران : 9.
(45) البقرة : 260.
(46) شرح تجريد الاعتقاد : ص 406 ، الطبع الجديد.
(47) زندگى جاويد
(48) انيس الموحدين : ص 232 ، الطبع الجديد.
(49) ترجمة وشرح تجريد الاعتقاد : ص 564.
(50) المؤمنون : 115 ـ 116.
(51) الجاثية : 13.
(52) شرح تجريد الاعتقاد : ص 405 الطبع الجديد.
(53) الأنبياء : 16 ـ 17.
(54) تفسير الميزان : ج 14 ص 283 ـ 284.
(55) ص : 27.
(56) تفسير الميزان : ج 17 ص 206.
(57) كتاب كنز الفوائد في اصول العقائد : ص 358
(58) راجع در الفوائد : ج 2 ص 393 ـ 394.
(59) المبدأ والمعاد : ص 238.
(60) تفسير الميزان : ج 1 ص 211.
(61) المبدأ والمعاد : ص 253 ـ 254.
(62) إبراهيم : 42.
(63) ص : 28.
(64) تفسير الميزان : ج 17 ص 206 ـ 207.
(65) الجاثية : 21.
(66) يونس : 4.
(67) البروج : 2.
(68) تفسير الميزان : ج 16 ص 163.
(69) الحج : 47.
(70) شرح تجريد الاعتقاد : ص 405 الطبع الجديد.
(71) سرمايه ايمان : ص 160 الطبع الجديد.
(72) كتاب رشحات البحار ، كتاب الانسان والفطرة : ص 262 الطبع الجديد.
(73) راجع تقريرات بحث شريف معاد : ص 5 ـ 8.
(74) الأنعام : 12.
(75) الانعام : 38
(76) (77) تفسير الميزان : ج 7 ص 74 ـ 75.
(78) فاطر : 45.
(79) تفسير الميزان : ج 7 ص 76 ـ 77.
(80) اللوامع الالهية : ص 377.
(81) بحار الانوار : ج 7 ص 256.
(82) بحار الانوار : ج 7 ص 276.
(83) بحار الأنوار : ج 6 ص 130.
(84) ص : 45 ـ 47.
(85) الذاريات : 55.
(86) بحار الأنوار : ج 73 ص 134.
(87) نهج البلاغة فيض الاسلام : ج 1 ص 144 ، الخطبة 63.
(88) الكهف : 110.
(89) آل عمران : 30.
الاكثر قراءة في المعاد الجسماني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)