من التعابير التي رويت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، قوله: أنَا مَدِينَةُ الفِقْهِ وعَلِيّ بَابُهَا. وقال سبط ابن الجوزيّ بعد أن روى حديث: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا عن أحمد بن حنبل في كتاب «الفضائل»: وورد في حديث: أنَا دَارُ الحِكْمَةِ وعَلِيّ بَابُهَا.[1] وفي حديث آخر: أنَا مَدِينَةُ الفِقْهِ وعَلِيّ بَابُهَا، فَمَن أرَادَ العِلْمَ فَلْيَأتِ البَابَ. وذكر عبد الرزّاق ذيل هذا الحديث بقوله: فَمَنْ أرَادَ الحِكَمَ فَلْيَأتِ البَابَ.[2]
وقال السيوطيّ: وبالسند المتقدّم حتى ابن بطّة، حدّثنا محمّد بن قاسم النحويّ، عن عبد الله بن ناجية، عن أبي منصور بن شجاع، عن عبد الحميد بن بحر البصريّ، عن شريك، عن سَلَمة بن كهيل، عن الصنابجيّ، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): أنَا مَدِينَةُ الفِقْهِ وعَلِيّ بَابُهَا. وجاء عن الحسن بن عليّ، عن أبيه مرفوعاً: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا، فَمَنْ أرَادَ العِلْمَ فَلْيَأتِ البَابَ. ورواه ابن مَرْدَوَيه.[3]
وقال السيوطيّ: قال الدَّيْلَميّ: أخبرني أبي عن المَيْدانيّ، عن أبي محمّد الحلّاج، عن أبي الفضل محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن عبيد الثقفيّ، عن محمّد بن عليّ بن خلف العطّار، عن موسى بن جعفر بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن عبد المهين بن عبّاس، عن أبيه، عن جدّه: سَهْل بن سعد، عن أبي ذرّ أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): عَلِيّ بَابُ عِلْمِي ومُبَيِّنٌ لُامَّتِي مَا ارْسِلْتُ بِهِ مِنْ بَعْدِي، حُبُّهُ إيمانٌ وبُغْضُهُ نِفَاقٌ والنّظَرُ إلَيْهِ رَأفَةٌ.[4]
أجل، لا شكّ ولا تردّد عند علماء الشيعة وكتبهم في هذا الحديث المأثور: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا، فقد رووه في كتبهم ومجاميعهم الموثّقة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وعدّوه من الأحاديث المستفيضة، ونسبوه إلى رسول الله وأرسلوه إرسال المسلّمات بلا أدنى شبهة.
وأمّا من طرق العامّة، فإنّ نسبة هذا الحديث إلى رسول الله قد بلغت حدّاً جعل العلّامة آية الله الأكبر، فخر الشيعة، وسليل آل الرسول، الصمصام القاطع على الملحدين والمنكرين في العصر القريب من عصرنا: المرحوم السيّد مير حامد حسين الموسويّ النيسابوريّ اللكْهَنُويّ الهنديّ المتوفّى سنة 1306 ه يخصّص الجزء الخامس من كتابه الشريف «عبقات الأنوار» في البحث حول هذا الحديث المبارك، والحديث عن طرق روايته وبيان مشايخ أهل السنّة وأعاظمهم الذين رووه، واعترفوا وأقرّوا بصحّته: فَشَكَرَ اللهُ مَسَاعِيَهُ الجَمِيلَةَ وجَزَاهُ اللهُ عَنِ الإسْلَام وأهْلِهِ خَيْرَ الجَزاءِ وجَعَلَنَا مِنَ المُقْتَبِسينَ مِنْ آثَارِهِ، ورَشَحَاتَ قَلَمِهِ، وخَالِصِ وَلَائِهِ والنّهْجِ عَلِى مَنْهِجِهِ القَوِيمِ.
وكذلك ألّف السيّد أحمد بن محمّد الحسنيّ في الفترة القريبة من عصرنا كتاباً مستقلّا في هذا الباب، سمّاه «فَتْحُ المَلِكِ العَلِيِّ» وتحدّث المرحوم العلّامة الشيخ عبد الحسين الأمينيّ عن هذا الحديث في ثلاثة مواضع من كتاب «الغدير».[5] وعلى الرغم من أنّ الذي ذكره هذان العلمان العظيمان في هذا المجال مبثوث في تضاعيف مباحث «عبقات الأنوار» وأنّ سعيهما مشكور، وخدمتها للشرع والشريعة والولاء والإمامة من خلال تدوين كتابيهما باللغة العربيّة، وباسلوب بديع لطيف محمودة من قبل صاحب الشريعة، وهي موضع ثنائه وشكره.
وتحدّث العلّامة الأمينيّ في كتاب «الغدير» حديثاً وافياً في سياق بحثه حول القصيدة الغديريّة لشمس الدين المالكيّ،[6] وقارن بين علم الإمام أمير المؤمنين وعلم عمر في موضوع عنوانه نَوادِرُ الأثَر في عِلْمِ عُمَرَ، وأبان أنّ مولى الموحّدين وأمير المؤمنين هو حامل لواء العلم، والبقيّة من عاليهم إلى دانيهم يعترفون بجهلهم، وبحاجتهم إليه في المعارف والأحكام والتفسير والحديث والتأريخ وغيرها.
[1] رواه «كنز العمّال» ج 15، ص 129، طبعة حيدرآباد، في مسند عليّ عن الترمذيّ، وابن جرير، وكلاهما رواه عن إسماعيل بن موسى، عن محمّد بن عمر الروميّ، عن شريك، عن سَلَمَة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابجيّ، عن عليّ عليه السلام.
[2] «تذكرة خواصّ الأُمّة» ص 29.
[3] «اللآلئ المصنوعة» ج 1، ص 329، طبعة بيروت.
[4] «اللآلئ المصنوعة» ج 1، ص 335؛ وأخرجه في «كنز العمّال» ج 6، ص 156، الطبعة الاولي، عن الديلميّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ؛ ورواه أيضاً مؤلّف «كشف الخفاء» ج 1، ص 204.
[5] «الغدير» ج 3، ص 92 إلي 101؛ وفي ج 6، ص 58 إلي 355؛ وفي ج 7، ص 197 إلي 199.
[6] أبو عبد الله شمس الدين محمّد بن أحمد بن عليّ الهواريّ المالكيّ الأندلسيّ النحويّ المعروف بابن جابر الأعمي، من أهل المريّة. ولد سنة 698، وتوفّي سنة 780. هو أحد رجالات الشعر والأدب والسيرة والتأريخ والنحو والحديث. جاءت ترجمته وتفصيل تعلّمه وكتبه المصنّفة في كتاب «الغدير» ج 6، ص 350 فما بعدها.