الاستعمال الصحفي لمصطلح المقال:
أما الاستعمال الصحفي "مقال صحفي" فالأرجح أنه ناجم عن تقليد حديث في الأدبيات الأولى لفن الكتابة الصحفية أو علم الصحافة كما تمثلت في كتابات محمود عزمي، عبد اللطيف حمزة، جلال الدين الحمامصي. ولما كانت الصحافة انعكاساً لنبض العصر وصورة عن طبيعة الحياة فيه ولما كان عصرنا يتسم بعدد من السمات الأساسية أهمها أنه عصر السرعة ومقتضياتها، وعصر القارئ العجل الذي لم يعد راغباً في التأمل لأن التأمل بداية يحتاج إلى وقت ومن البديهي أن قراءة النص الفني وتأمله يحتاجان إلى وقت غير متاح لإنسان هذا العصر لذا فإن قارئ اليوم يبحث عما يلبي حاجته بأسرع وقت ممكن ويأقل مجهود عقلي ممكن في وقت تتكالب فيه ظروف الحياة ومتطلباتها بحيث لا تجعل من وقته مادة ترف.
ولعل هذا ينقلنا إلى السمة الثانية لهذا العصر وقارئه وهي تلك السمة العملية التي تكاد تغلب المتطلبات المادية على ما سواها، فالمقالة التي تتحدث عن احتياجات الإنسان المباشرة أكثر قبولاً وأوسع انتشاراً من المقالة الأدبية التي تعبر عن نوازع أو مواقف شعورية لا فكرية وهكذا فإن الظروف الموضوعية لم تعد إلى جانب المقالة الأدبية مما أوجد تحدياً أمامها بحيث لم يعد يصمد في سوق النشر النماذج الإنشائية التقليدية حتى لو كانت جديدة المظهر، وبات على المقالة الأدبية إن أرادت أن تأخذ مكانها وسط الأجناس الأدبية أن تستجيب لتحديات العصر ومقتضيات القراءة وشروط النشر أي أن ينطوي النص على إضافة حقيقية تغني تجربة قارئها الوجدانية بحيث يرتاد بها فكراً وقلباً وروحاً معاً آفاقاً جديدة ويبلغ بها أو تبلغ معه آماداً جديدة في عالم من الفن المصفى والفكر الرائق العميق.
إن مثل هذا اللون من الكتابة المقالية من شأنه حقاً أن يحتل موقفاً مهماً في دائرة اهتمام قارئ اليوم وأن يلتزم جزءً من جهده ووقته الذي يتجه بشكل آلي نحو الكتابة الوظيفية المرتبطة باحتياجاته العملية.
فالمقال الصحفي يرتبط بوسائل الإعلام التي تحتوي على ثلاثة أنواع رئيسية من المضمون الإقناعي أولها الإعلان وثانيها الدعوة المقصودة كالمقالات الافتتاحية والرسوم الكاريكاتورية، والأعمدة والمقالات التفسيرية التي تؤدي بالقارئ إلى الوصول إلى استنتاج وثالثها ذلك المضمون الذي يراد به أساساً الترفيه أو الإعلام بحيث يكون الإقناع منتجاً فرعياً محتملاً.
ويذهب ريفيرس وزميلاه في كتاب "وسائل الإعلام والمجتمع الحديث" إلى أن المضمون الإخباري لوسائل الإعلام قد يكون له تأثير أكبر في الرأي العام من الإقناع الصريح بمعنى أن الأخبار قد تكون ذات قوة أكبر في تشكيل الاتجاهات العامة من المقالات والأعمدة السياسية وقد تغير الأحداث التي قد تقدمها الصحيفة عقولاً أكثر ما تغيره الدعاية.
ويقدم هودلي كانتزل في كتابه "قياس الرأي العام" قاعدة عامة تقول: إن الرأي يتحدد عموماً بالأحداث أكثر مما يتحدد بالكلمات ويضيف ريفيرس إلى ذلك أن الأحداث تنزع إلى ترسيخ تغيرات الرأي العام الناتجة عن الكلمات وقد يكون التغيير في الرأي قصير العمر ما لم تسانده بعض الأحداث.
ولكن هذه القواعد العامة كما يذهب إلى ذلك ببرنارد بيرليون تستدعي تعليقين: أولهما أنه من الصعب التمييز بين الأحداث والكلمات فهل الخطاب الهام الذي يقدمه رئيس الجمهورية حدث أم مجرد كلمات؟ وثانيهما أن كثيراً من الأحداث لا تحدث تأثيرها نتيجة حدوثها فحسب وإنما بمعاونة من الكلمات أيضاً أي أن أهمية الحدث في إقناع الجمهور قد تشحذ كثيراً من خلال التفسيرات التي يقدمها معلقواً التلفزيون وكتاب المقال الصحفي.