روى أبو جعفر الطبريّ في تاريخه أنّ رجلًا قال لعليّ عليه السلام: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! بِمَ وَرِثْتَ ابْنَ عَمِّكَ دُونَ عَمِّكَ؟!
فقال عليّ عليه السلام: هاؤُم! ثلاث مرّات حتّى اشرأبَّ الناس، ونشروا آذانهم، ثمّ قال: جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله بني عبد المطّلب بمكّة، وهم رهطه، كلّهم يأكل الجَذَعَة، ويشرب الفِرْق[1]، فصنع مُدّاً من طعام، حتّى أكلوا وشبعوا، وبقي الطعام كما هو، كأنّه لم يمسّ. ثمّ دعا بغُمَر[2]، فشربوا ورووا، وبقي الشراب كأنّه لم يشرب؛ ثمّ قال: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! إنِّي بُعِثْتُ إلَيكُمْ خَاصَّةً؛ وإلى النَّاسِ عَامَّةً، فأيُّكُمْ يُبَايِعُنِي على أنْ يَكُونَ أخِي وصَاحِبِي ووَارِثِي؟! فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه، وكنت من أصغر القوم. فقال النبيّ: اجلس. ثمّ قال ذلك ثلاث مرّات؛ كلّ ذلك أقوم إليه، فيقول: اجلس، حتّى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي فعند ذلك ورثت ابن عمّي دون عمّي[3].
وروى الملّا عليّ المتّقي عن ابن مَرْدَوَيْه قصّة دعوة بني عبد المطّلب في تفسير آية الإنذار، إلى أن قال: ثُمَّ قَالَ لَهُمْ ومَدَّ يَدَهُ مَنْ يُبَايِعُنِي على أنْ يَكُونَ أخِي، وصَاحِبِي، ووَلِيَّكُمْ مِنْ بَعْدِي؟! وأنا يومئذ أصغر القوم، عظيم البطن ومددت يدي وقلت: أنَا ابَايِعُكَ! فبايعني رسول الله على ذلك. قال: وذلك الطعام أنا صنعته[4].
ونلاحظ في هذا الحديث أنّه وإن لم يرد فيه لفظ: خَلِيفَتِي، ولكن ورد لفظ: ووَلِيَّكُمْ مِنْ بَعْدِي. ولا شكّ أنّ المراد من الولاية هنا منصب الإمامة والخلافة لسببين: الأوّل: قرينة تشكيل ذلك المجلس، وحضور الأعمام وبني عبد المطّلب، ودعوة النبيّ تلك، إذ لا مناسبة لأيّ معنى آخر هنا غير هذا المعنى. الثاني: قرينة: مِنْ بَعْدِي، إذ إنّ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته كانت بعد رسول الله. وأمّا سائر أقسام الولاية ومعانيها منحصرة بما بعد وفاة الرسول الأعظم فليست له بزعم الخصم.
ونقل ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافيّ[5] أنّه قال: وقد روى في الخبر الصحيح أنّ النبيّ كلّف عليّاً في مبدأ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام وانتشارها بمكّة أن يصنع له طعاماً، وأن يدعو له بني عبد المطّلب. فصنع له الطعام، ودعاهم له. فخرجوا ذلك اليوم، ولم ينذرهم صلّى الله عليه وآله وسلّم لكلمة قالها عمّه أبو لهب؛ فكلّفه في اليوم الثاني أن يصنع مثل ذلك الطعام، وأن يدعوهم ثانية، فصنعه، ودعاهم فأكلوا.
ثمّ كلّمهم صلّى الله عليه وآله فدعاهم إلى الدين، ودعا عليّاً معهم لأنّه من بني عبد المطّلب؛ ثمّ ضمن لمن يؤازره منهم وينصره على قوله أن يجعله أخاه في الدين، ووصيّه بعد موته، وخليفته من بعده. فأمسكوا كلّهم وأجابه عليّ وحده، وقال: أنَا أنْصُرُكَ على مَا جِئْتَ بِهِ؛ واوازرُكَ وابَايِعُكَ.
فقال لهم [النبيّ] لمّا رأى منهم الخذلان، ومنه النصر؛ وشاهد منهم المعصية، ومنه الطاعة؛ وعاين منهم الإباء، ومنه الإجابة: هَذَا أخِي ووَصِيِّي وخَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي.
فقاموا يسخرون، ويضحكون، ويقولون لأبي طالب: أطِعِ ابْنَكَ! فَقَدْ أمَّرَهُ عَلَيْكَ[6].
وكم أرى من المناسب هنا أن أنقل حكايتين لطيفتين وظريفتين في هذا الموضوع. وهما في كتاب «المناقب» لابن شهرآشوب. قال: ذكر ذلك ابن عبد ربّه في «العقد الفريد» بل روته الامّة بأجمعها عن أبي رافع وغيره أنّ عليّاً نازع العبّاس إلى أبي بكر في بُرد النبيّ أو ردائه، وسيفه، وفرسه. فقال أبو بكر: أيْنَ كُنْتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ حِيْنَ جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وأنْتَ أحَدُهُمْ فَقَالَ: أيُّكُمْ يُوَازِرُنِي فَيَكُونَ وَصِيِّي وخَلِيفَتِي في أهْلِي ويُنْجِزَ مَوْعِدِي ويَقْضِي دَينِي؟
فقال له العبّاس: فَمَا أقْعَدَكَ مَجْلِسَكَ هَذَا؟ تَقَدَّمْتَهُ وتَأمَّرْتَ عَلَيهِ؟
فقال أبو بكر: أ غَدْرَاً يَا بنِي عَبْدِ المُطَّلِب؟
أمّا الحكاية الثانية فقد قال متكلّم لهارون الرشيد: اريد أن اقرّر هشام بن الحكم بأنّ عليّاً كان ظالماً. فقال له هارون: إن فعلت فلك كذا وكذا! وأمر به. فلمّا حضر، قال المتكلّم لهشام: يا أبا محمّد! روت الامّة بأجمعها أنّ عليّاً نازع العبّاس إلى أبي بكر في بُرد النبيّ أو ردائه وسيفه وفرسه. قال: نعم! قال المتكلّم: فأيّهما الظالم لصاحبه؟ فخاف هشام من الرشيد (لأنّ العبّاس جدّه) فقال: لم يكن فيهما ظالم. قال المتكلّم: فيختصم اثنان في أمر وهما محقّان؟ قال: نعم. اختصم الملكان إلى داود في النعاج وليس فيهما ظالم، وإنما أرادا أن ينبّهاه على الحكم؛ كذلك عليّ والعبّاس تحاكما إلى أبي بكر في ميراث رسول الله ليعرّفاه ظلمه[7].
[1] الجَذَعَة: الحَمَل الذي مضى عليه ستّة أشهر. و الفِرق بكسر الفاء: مكيال كبير يكيل به أهل المدينة ألبانهم.
[2] غُمَر على وزن عُمَر: القدح الصغير. و المد عبارة عن ربع الصاع. و الصاع قريب من مَنّ.
[3] «شرح نهج البلاغة» من طبعة اوفسيت بيروت، ج 3، ص 254 و 255؛ و من طبعة دار إحياء الكتب العربيّة بمصر: ج 13، ص 210 إلى 212. و «تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 63 و 64، مطبعة الاستقامة. و ورد في «كنز العمّال» ج 15، ص 154 و 155، رقم 435، و قال: ذكره أحمد بن حنبل، و الطبريّ و الضياء في «المختارة».
[4] «كنز العمّال»، ج 15، ص 130، الحديث رقم 380، الطبعة الثانية؛ و نقله صاحب «دلائل الصدق» ج 2، ص 234 عن «كنز العمّال» لابن مردويه.
[5] أبو جعفر الإسكافيّ، محمّد بن عبد الله أبو جعفر المعروف بالإسكافيّ. ذكره الخطيب في «تاريخ بغداد» ج 5، ص 416 و قال: أحد المتكلّمين من معتزلة البغداديّين؛ و له تصانيف معروفة؛ بلغني أنّه مات في سنة 240 ه- انتهى. ألّف الإسكافيّ كتابه المعروف باسم «نقض العثمانيّة» ردّاً على كتاب «العثمانيّة» للجاحظ. و أغلب المطالب التي ينقلها عنه ابن أبي الحديد في كتابه «شرح نهج البلاغة»، إنّما ينقلها من هذا الكتاب.
[6] «شرح نهج البلاغة» من الطبعة ذات أربعة أجزاء، اوفسيت بيروت، ج 3، ص 267؛ و من طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، مصر: ج 14، ص 244 و 245. و أورد الشيخ محمّد حسن المظفّر في «دلائل الصدق» ج 2، ص 233 مختصر ذلك و هو الشامل كلام رسول الله و أمير المؤمنين عليهما السلام لا غير.
[7] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 544، الطبعة الحجريّة.