إنّ كلمة العيد من عَوَدَ بمعنى عاد. وقال في «أقرب الموارد»: العيد: الموسم، وكلّ يوم فيه جمع أو تذكار لذي فضل، وقيل: حادثة مهمّة. وقال ابن الأعرابي: لأنّه يعود كلّ سنة بفرح مجدّد.
وكان أصل كلمة عِيْد، عِوْد. قلبت الواو ياءً لسكونها بعد كسرة، فصارت عيداً، والجمع أعْياد، والتصغير عُيَيْد، وقد بنوه من معتلّ، إمّا لأنّ واحدهُ عيد، أو لوجود الفرق بينه، وبين العُود بمعنى الخشب، وجمعه أعوَاد وتصغيره عُوَيْد. وقال في أصل المادّة: عَادَ إلى كَذَا يَعُودُ عَوْداً وعَوْدَةً ومعاداً، وقيل: عاد بعد الإعراض والانصراف.
وورد هذا الكلام أيضاً في «صحاح اللُّغَة» و«المِصْباح المنير». وأضاف في «المصباح» قوله: عَيّدتُ تَعييداً، أي: شهدت العيد.
وبعد أن علمنا معنى العيد في اللغة، ننتقل إلى معناه المصطلَح عليه عند الناس والطوائف والمِلَل والنِّحَل. فبأيّ معنى يستعمل هؤلاء كلمة العيد؟ ونقول توضيحاً لهذا المطلب: إنّ هناك شيئاً خاصّاً له أهمّيّته عند كلّ طائفة وجماعة، وكلّ شعب، ومذهب مثل الذكرى السنويّة لواقعة وحادثة ما إذ تتجدّد في كلّ سنة من أجل تكريمها والإشادة بروحها ومعناها، ويعيشون الفرح والسرور في الاحتفال بتلك الواقعة. وعلى الرغم من أنّ الواقعة المذكورة قد مضت، بَيدَ أنّهم يقتربون إليها بأرواحهم من خلال تخليدها وإحياء ذكرياتها العالقة في الأذهان، ويمتّعون بذلك أنفسهم.
ولما كان طلّاب الدنيا لا يبتغون إلّا الوصول إلى المنافع الدنيويّة لا غير، لذلك يعيّدون عند ظهور ظاهرة دنيويّة، فالملوك يعيّدون ويبتهجون بعد تسيير الجيوش وإراقة الدماء والتمكّن من الخصم، والتسلّط على الشعوب التي خطّطوا للسيطرة عليها، ويشيّدون أقواس النصر، ويجدّدون ذكرى ذلك الانتصار في كلّ عام.
وكان الفرس القدماء يتّخذون النوروز عيداً لاعششاب الأرض، واخضرار الأشجار، وحلول فصلٍ تضحك فيه الأرض بعد انقضاء فصل الخريف والشتاء فإذا هي أنضر يوماً بعد آخر.
وهذا منطق يتشدقّ به من لا شغل له بالمعنويّات والروحانيّات، إذ يرى القيم الإنسانيّة في المادّة والخضرة فحسب. وفي الحقيقة ما هو الفرق بين هذا العيد وعيد البهائم التي تبتهج وتنتعش في فصل الربيع، وترعى في الحقول والمروج والمراتع، بعد أن كانت كئيبة ومتعبة في فصل الشتاء؟
فهي على ذلك النمط، والإنسان على هذا النمط. والحقيقة واحدة، لكنّها للبهائم بذلك الشكل، وللإنسان بهذا الشكل.