ينكر ابن تيميّة الأحاديث المسلّمة المستفيضة بوقاحة تامّة، وبلا تحفّظ يذكر، غير آبهٍ بعلماء الإسلام، والمؤرّخين، وأرباب الحديث، والسير، والتفسير. إذ إنّ تلك الأحاديث لا تلائم مذهبه. ويتقوّل ويتخرّص بصراحة ويسمّي الشيعة رافضة، وملاحدة، وزنادقة، وكذّابين، وفجرة، وأهل باطل، ومجوساً، ويهوداً، ويفتري عليهم في كلّ صفحةٍ من كتابه مرّاة ومرّات، ويتّهمهم بشتّى التهم، ويأتي بآيات من القرآن أدلّة على ما يزعمه ويدّعيه.
ومَثَلُه كمثل الحجّاج بن يوسف الثقفيّ الذي كان حافظاً للقرآن، وكان يستدلّ به، ويفسّره وفقاً لهواه وهدفه، ويُحضِرُ شيعة أمير المؤمنين عليه السلام من الأطراف والأكناف، ويحاجّهم بالقرآن زاعماً أنّه هو وأمثاله أولو الأمر الذين عناهم القرآن بقوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وتسوّل له نفسه فيسفك دماء تلك النجوم المتألّقة واولئك الكرام البررة بسيفه البتّار الذي يقطر دماً، ويصنع تلالًا من أشلاء شهداء الشيعة. وقيل: إنّه قتل سبعين ألفاً منهم أو أكثر من ذلك.
وكان ابن تيميّة معاصراً للعالم الجليل، والفقيه النبيل، أفضل المتقدّمين والمتأخّرين، العالم، والمتكلم، والحكيم، والمفسّر، والمحدّث، والفقيه، وحامي الدين ومذهب التشيّع، العلّامة الحلي: الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الحلي، المولود لأحد عشر يوماً خلون أو بقين من شهر رمضان سنة 648 ه،[1] والمتوفي ليلة السبت وهي الليلة الحادية والعشرون من شهر محرّم الحرام سنة 726 ه.[2] أي: ولد بعد ولادة العلّامة بثلاث عشرة سنة، ومات بعده بعامين.
كان ابن تيميّة مخالفاً للعلوم العقليّة كالفلسفة والحكمة، وكذلك كان مناوئاً لأرباب الشهود والوجدان والعرفان والحقيقة. وهاجم هاتين الطائفتين في مواضع متكرّرة من كتابه.
أي: أنّه امرؤ ليس له حظّ من العلوم العقليّة وجولان الفكر، كما ليس له خلاق من العلوم الباطنيّة والسرّيّة والقلبيّة. فلهذا تشبّث بظواهر من الكتاب والسنّة واقتنع بها من غير أن يدرك محتواها. وهو كالخوارج المتعنّتين الفارغين، جعل نظرته إلى العالم، والخلق، والدنيا، والآخرة، والخالق، والشيطان، والسعادة، والشقاء على أساس فكره الخيالى المزيّف، وأجرى حكمه وفقاً لذلك.
إنّه ألّف كتابه «مِنْهَاج السُّنَّة في نَقْضِ كَلَامِ الشِّيعَةِ والقَدَريّة» ردّاً على كتاب العلّامة الحلّي «مِنْهَاج الكَرَامَة في مَعْرِفَةِ الإمَامَة».
[1] جاء في «روضات الجنّات» نقلًا عن خطّ العلّامة نفسه أنّ ولادته كانت في التاسع والعشرين من شهر رمضان.
[2] كانت وفاة العلّامة بمدينة الحلّة، وقد نقل نعشه إلى النجف الأشرف، ودفن إلى جوار أمير المؤمنين. «روضات الجنّات» ج 2، ص 282، الطبعة الحديثة.