كانت مناشدته مع أبي هُرَيْرة قد وقعت في ذلك المجلس سنة37 ه. وكان أبو هريرة من الصحابة الذين باعوا دينهم بدنياهم. وأصبح من الدناة المتلقّين[1] لمعاوية، المقتاتين على فُتات موائده. وصار في عداد وعّاظ السلاطين المحسوبين على بلاطه من خلال وضع الأحاديث المفتراة.
ونحن نلفت نظر القرّاء الكرام إلى مطالعة كتابين من الكتب المهمّة فحسب، ونرشدهم إليهما من أجل تنويز أذهانهم بالحقائق. وهذان الكتابان هما:
1 «أبُو هُرَيْرَة» تأليف العلّامة آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين تغمّدة الله برضوانه.
2 «أبُو هُرَيْرَة شَيْخ المَضِيرَة» تأليف العالم والفقيه المستبصر الشيخ مَحْمُود أبُو رَيَّة. كتب أمير المؤمنين عليه السلام أيّام صفّين كتاباً إلى معاوية بن أبي سفيان وأرسله إليه بيد الأصبغ بن نُباتَة.
قال الأصبغ: دخلت على معاوية وهو جالس على نطع من الادم، متّكئاً على وسادتين خضراوين ومن يمينه عمرو بن العاص، وحوشب، وذو الكلاع، وعن شماله أخوه عتبة بن أبي سفيان، وابن عامر بن كريز، والوليد بن عقبة، وعبد الرحمن بن خالد، وشر حبيل بن السمط، وبين يديه أبو هريرة، وأبو الدرداء، والنعمان بن بشير، وأبو أمامة الباهلي.
فدفعت إليه الكتاب، لما قرأه، قال: إنّ عليّاً لا يدفع إلينا قتلة عثمان!
قال الأصبغ: فقلتُ له: يا معاوية! لا تعتلّ بدم عثمان! فإنّك تطلب الملك والسلطان! ولو كنت أردت نصره حيّاً، لنصرته! ولكنّك تربّصت به، لتجعل ذلك سبباً إلى وصول الملك! فغضب معاوية من كلامي. فأردت أن يزيد غضبه، فقلتُ لأبي هريرة: يا صاحب رسول الله! إنِّي احلّفك بالذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة، وبحقّ حبيبه المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم إلّا أخبرتني: أشهدت يوم غدير خمّ قال: بلى! شهدته.
قلت: فما سمعت رسول الله يقول في عليّ؟!
قال: سمعته يقول: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ! وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ! واخْذُل مَنْ خَذَلَهُ!
فقلتُ له: فإذاً أنت يا أبا هريرة! واليت عدوّه، وعاديتَ وليّه! فتنفّس أبو هريرة الصعداء، وقال: {إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ}.[2]
[1] اللقى: الملاقى فى خير وشر، واكثر استعماله فى الشر يقال: «هو شقى لقى»
[2] الآية 156، من السورة 2: البقرة.