استدلال واستشهاد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب مع معاوية بن أبي سفيان (صَخْر بن حَرْب بن امَيَّة بن عَبْد شمس) وعلى الرغم من أنّ المكان الذي كان فيه الاحتجاج لم يحدد في الرواية، بَيدَ أنّ القرائن تفيد أنّه لم يجر في المدينة المنوّرة عند سفر معاوية للحجّ، لأنّ معاوية حجّ مع ابنه يزيد في سنة 50 ه وكان ذلك بعد وفاة الإمام الحسن عليه السلام في سنة 49 ه. وسنرى في هذا الاحتجاج أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان موجوداً، ويبدو من غير المستبعد أنّه جرى في الكوفة أيّام صلح الإمام الحسن عليه السلام عند ما زارها معاوية، أو كان في الشام.
نقل سُلَيْم بن قَيْس الهِلَالى هذا الاحتجاج في كتابه النفيس، الحاوي على موضوعات رائعة. بيد أنّنا نذكر فيما يلي النصف الأوّل من الاحتجاج ممّا جاء فيه شاهدنا في الاحتجاج بحديث غدير خمّ، ونترك النصف الثاني منه مراعاة لعدم الإطناب.
روى أبَان بْنُ أبي عَيَّاش عَنْ سُلَيْم أنّه قال: حدّثني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: كنتُ عند معاوية ومعنا الحسن والحسين عليهما السلام، وعنده عبد الله بن عبّاس، فالتفت إلى معاوية وقال:يا عبد الله! ما أشدّ تعظيمك للحسن والحسين؟ وما هما بخير منك ولا أبوهما خير من أبيك. ولو لا أنّ فاطمة بنت رسول الله، لقلتُ: ما امّك أسماء بنت عميس بدونها.
فقلت لمعاوية: والله إنّك لقليل العلم بهما وبأبيهما وبامّهما. والله لهما خير مني، وأبوهما خير من أبي، وامّهما خير من امّي! يا معاوية! إنّك لغافل عمّا سمعته أنا من رسول الله صلّى الله عليه وآله، يقول فيهما وفي أبيهما وامّهما! قد حفظته ووعيته ورويته.
قال معاوية: هات يا بن جعفر! فو الله ما أنت كذّاب ولا متّهم!
فقلتُ: إنّه أعظم ممّا في نفسك!
قال معاوية: قل، وإن كان أعظم من احُد وحِراء جميعاً. فلستُ ابالى إذا قتل الله صاحبك،[1] وفرّق جمعكم، وصار أمر الولايةُ في أهله. فحدّثنا!
فما نبالى بما قلتم، ولا يضرّنا ما عدمتم!
قلت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقد سئل عن هذهالآية: {وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ والشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ}.[2] فقال: إنِّي رأيت اثني عشر رجلًا من أئمّة الضلالة يصعدون منبري وينزلون. يردّون امّتي على أدبارهم القهقرى، فيهم رجلان من حيّين من قريش مختلفين، وثلاثة من بني اميّة، وسبعة من ولد الحَكَم بن أبي العاص.[3] وسمعته يقول: إنّ بني أبي العاص إذا بلغوا خمسة عشر رجلًا، جعلوا كتاب الله دَخَلًا، وعباد الله خولًا، ومال الله دولًا.
يا معاوية! إنِّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول على المنبر، وأنا بين يديه، وعُمَرُ بنُ أبي سَلَمَة، واسَامَةُ بن زَيْد، وسَعْدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ، وسَلْمَانُ الفَارِسِيّ، وأبُو ذَرٍّ، والمِقْدَادُ، والزُّبَيْرُ بنُ العَوَّام: ألَستُ أوْلَى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟
فقلنا: بلى يا رسول الله. قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَولَاهُ أوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ وضرب بيديه على منكب على عليه السلام وقال: اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، أيُّهَا النَّاسُ! أنَا أوْلَى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مَعِي أمْرٌ!
وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معه أمر، ثمّ ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معه أمر.
ثمّ عاد فقال: أيّها الناس! إذا أنا استشهدت فعليّ أولى بكم من أنفسكم! فإذا استشهد عليّ، فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم! فإذا استشهد الحسن، فابنيّ الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم! فإذا استشهد الحسين، فابني علي بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، ليس لهم معه أمر. ثمّ التفت رسول الله إلى علي عليه السلام وقال: يا عليّ! إنّك ستدركه فاقرأه مني السلام. فإذا استشهد عليّ بن الحسين، فابني محمّد أوْلى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، وستدركه أنت يا حسين فاقرأه مني السلام. ثمّ يكون في عقب محمّد رجال واحد بعد واحد، وليس منهم أحد إلّا وهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، ليس لهم معه أمر. كلّهم هادون مهتدون.
فقام علي بن أبي طالب وهو يبكي، فقال: بأبي أنت وامّي يا نبيّ الله أتُقْتَل؟! قال: نعم! اهلك شهيداً بالسمّ! وتقتل أنت بالسيف، وتخضب لحيتك من دم رأسك! ويقتل ابني الحسن بالسمّ، ويقتل ابني الحسين بالسيف، يقتله طاغ بن طاغ، دعيّ بن دعيّ.
فقال معاوية: يا بن جعفر لقد تكلّمت بعظيم! ولئن كان ما تقول حقّاً لقد هلكت امّة محمّد من المهاجرين والأنصار غيركم أهل البيت وأوليائكم وأنصاركم!
فقلتُ: والله إنّ الذي قلتُ حقّاً سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.
قال معاوية: يا حَسَن ويا حُسَيْن ويا بن عبّاس! ما يقول ابن جعفر؟!
فقال ابن عبّاس: إن لا تؤمن بالذي قال، فأرسل إلى الذين سمّاهم فاسألهم عن ذلك!
فأرسل معاوية إلى عُمَر بن أبي سَلَمَة واسامة بن زَيد، فسألهما فشهدا أنّ الذي قال ابن جعفر قد سمعناه من رسول الله صلّى الله عليه وآله كما سمعه!
فقال معاوية كالمنكر والمستهزئ: يا ابن جعفر! قد سمعناه في الحسن والحسين وأبيهما، فما سمعت في امّهما؟!
فقلتُ: سمعت رسول الله يقول: ليس في جنّة عَدْن منزل أشرف ولا أفضل ولا أقرب إلى عرش ربّي من منزلي، ومعي ثلاثة عشر من أهل بيتي: أخي عليّ، وابنتي فاطمة، وابناي الحسن والحسين، وتسعة من ولد الحسين: الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. هداة مهتدون.و أنا المبلّغ عن الله، وهم المبلّغون عني. وهم حجج الله على خلقه، وشهداؤه في أرضه، وخزّانه على علمه، ومعادن حكمه؛ من أطاعهم، أطاع الله. ومن عصاهم، عصى الله.
لا تبقى الأرض طرفة عين إلّا ببقائهم، ولا تصلح إلّا بهم يخبرون الامّة بأمر دينهم حلالهم وحرامهم، يدلّونهم على رضا ربّهم، وينهونهم عن سخطه بأمر واحد ونهي واحد. ليس فيهم اختلاف ولا فرقة ولا تنازع.يأخذ آخرهم عن أوّلهم. إملائي، وخطّ أخي عليّ بيده، يتوارثونه إلى يوم القيامة.
أهل الأرض كلّهم في غمرة، وغفلة، وتيهة، وحيرة، غيرهم وغير شيعتهم وأوليائهم. لا يحتاجون إلى أحد من الامّة في شيء من أمر دينهم، والامّة تحتاج إليهم. هم الذين عني الله في كتابه وقرن طاعتهم بطاعته، وطاعة رسوله فقال:{أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}.[4]
فأقبل معاوية على الحسن والحسين وابن عبّاس والفضل بن عبّاس وعُمَر بن أبي سَلَمة واسَامة بن زيد، فقال: كلّكم على ما قال ابن جعفر؟قالوا: نعم!
قال: يا بني عبد المُطَّلب! إنّكم لتدّعون أمراً عظيماً، وتحتجّون بحجج قويّة، إن كانت حقّاً! وإنّكم لتضمرون على أمر تسرّونه والناس عنه في غفلة عمياء. ولئن كان ما يقولون حقّاً، لقد هلكت الامّة، وارتدّت عن دينها، وتركت عهد نبيّنا، غيركم أهل البيت، ومن قال بقولكم، فاولئك في الناس قليل.
فقلت: يا معاوية! إنّ الله تبارك وتعالى يقول: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ}.[5]
ويقول: {وَما أَكْثَرُ النَّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}.[6] ويقول: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ}.[7] ويقول في نوح: {وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}.[8]
يا معاوية! المؤمنون في الناس قليل.
ونقل عبد الله بن جعفر هنا قصّة موسى عليه السلام والسحرة، وهارون عليه السلام والسامريّ، إذ سار أكثر الناس خلف السامريّ وعجله، تاركين هارون وحده. ثمَّ قال:
ونبيّنا صلّى الله عليه وآله قد نصب لُامّته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم، بغدير خمّ، وفي غير موطن، واحتجّ عليهم به وأمرهم بطاعته، وأخبرهم أنّه منه بمنزلة هارون من موسى، وأنّه وليّ كلّ مؤمن بعده، وأنّه كلّ من كان وليّه، فعلى وليّه، ومن كان أولى به من نفسه فعلى أولى به، وأنّه خليفته فيهم ووصيّه، وأنّ من أطاعه، أطاع الله، ومن عصاه، عصي الله، ومن والاه، وإلى الله، ومن عاداه، عادي الله: فَأنْكُروهُ وجَهِلُوهُ وتَوَلَّوْا غيرهُ. إلى آخر ما احتجّ به عبد الله عند معاوية.[9]
[1] أي: أمير المؤمنين: على بن أبي طالب عليه السلام.
[2] الآية 60، من السورة 17: الإسراء.
و جاءت في «تفسير الميزان» ج 13، ص 157 و158 روايات نقلها العلّامة عن «تفسير الدرّ المنثور» عن ابن جرير، عن سهل بن سعد، وعن ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، ويعلى بن مرّة، وعن ابن مردويه، عن الحسين بن على عليهما السلام، وعن ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقيّ في «الدلائل»، وابن عساكر عن سعيد بن المسيّب. وكذلك جاءت روايات في تفسير «مجمع البيان» طبعة صيدا ج 3، ص 424 عن سهل بن سعد، والإمام الباقر، والإمام الصادق عليهما السلام وفيها أنّ رسول الله رأى في عالم المنام قردة ينزون على منبره، فساءته هذه الرؤيا، ولم يُرَ ضاحكاً حتّى مات. فأوحى إليه الله أنّ هذا لبلاء الناس، وهذه القردة بنو اميّة يغصبون الخلافة. فالمراد بالشجرة الملعونة في القرآن هم بنو اميّة الذين حكموا في البلاد لابتلاء الناس واختبارهم. وفي رواية عن المنهال بن عمرو، قال: دخلت على الإمام السجّاد عليه السلام وقلتُ: كيف أصبحت يا بن رسول الله؟ فقال: أصبحنا والله بمنزلة بني إسرائيل من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح خير البريّة بعد رسول الله يُلْعَن على المنابر، وأصبح مَن يُحبّنا منقوصاً حقّه بحبّه إيّانا. وعند ما قيل للحسن: يا أبا سعيد! قُتل الحسين؛ بكى حتّى ارتعدت فرائصه ثمّ قال: وا ذُلَّاهُ لإمَّةٍ قَتَل ابنُ دَعِيِّها ابنَ بِنْتِ نَبِيِّهَا.
[3] الحَكَم من أبناء أبي العاص عشرة هم: 1 مروان الحكم بن أبي العاص. 2 عبد الملك بن مروان. 3 الوليد بن عبد الملك. 4 سليمان بن عبد الملك. 5 عمر بن عبد العزيز بن مروان. 6 يزيد بن عبد الملك. 7 هشام بن عبد الملك. 8 الوليد بن يزيد بن عبد الملك. 9 إبراهيم بن يزيد بن عبد الملك. 10 مروان بن محمّد بن مروان. حكموا من سنة 64 ه عند ما خلع معاوية بن يزيد بن معاوية نفسه من الخلافة حتّى سنة 132 ه حينما قضى أبو العبّاس السفّاح على الدولة الأمويّة. ولعلّ المراد بالسبعة العادون الأشدّاء منهم، وهم غير عمر بن عبد العزيز. وإبراهيم، ومروان بن محمّد. علما أنّ بني مروان كلّهم من بني اميّة. ذلك أنّ أبا العاص جدّ مروان بن الحكم هو ابن اميّة بن عبد شمس. ولذلك عند ما جاء في الرواية: وثلاثة من بني اميّة، أي: من غير المروانيّين، وهؤلاء الثلاثة هم: عثمان، ومعاوية، ويزيد. وهم غير عمر بن عبد العزيز. وإبراهيم، ومروان بن محمّد. علما أنّ بني مروان كلّهم من بني اميّة. ذلك أنّ أبا العاص جدّ مروان بن الحكم هو ابن اميّة بن عبد شمس. ولذلك عند ما جاء في الرواية: وثلاثة من بني اميّة، أي: من غير المروانيّين، وهؤلاء الثلاثة هم: عثمان، ومعاوية، ويزيد.
[4] الآية 59، من السورة 4: النساء.
[5] الآية 13، من السورة 34: سبأ.
[6] الآية 103، من السورة 12: يوسف.
[7] الآية 24، من السورة 38: ص.
[8] الآية 40، من السورة 11: هود.
[9] كتاب سُليم بن قيس، ص 231 إلى 238.