حديث الغدير يتمثّل في ما استشهد به أمير المؤمنين عليه السلام في حرب الجمل التي خاضها ضدّ طلحة والزبير. فلما نكث هذان البيعة، وتحرّكا تلقاء البصرة حبّاً للرئاسة، وآزرا عائشة زوجة النبيّ التي كانت تقود الجيش، واستجابا لتحريض ولديهما:محمّد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير اللذين كانت عائشة خالتهما، أعدّا عدّتهما وجهّزا جيشاً للقتال، وتحرّكا صوب البصرة ومعهما اثنا عشر ألفاً بذريعة المطالبة بدم عثمان. ودخلوا البصرة وقتلوا وذبحوا، وقبضوا على عثمان بن حنيف وإلى البصرة من قبل أمير المؤمنين عليه السلام ونتفوا لحيته، وعذّبوه كثيراً، وأرادوا قتله، بَيدَ أنّهم لم يفعلوا خوفاً من بطش أخيه سهل بن حُنَيف الذي كان في المدينة.
وعند ما تواجه الجيشان وهما يستعدّان للقتال، فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يبدأ القوم بقتال، بل استدعى في البداية طلحة والزبير كلّا على انفراد، واجتمع بكلّ منهما في وسط الميدان، وأتمّ عليهما الحجّة. وهذه القصّة مفصّلة وهي مشهورة للغاية. بَيدَ أنّا نجتزئ هنا بالاستشهاد بحديث الغدير في مقام الاحتجاج والمناشدة.
فقد أخرج الحافظ الكبير: أبو عبد الله محمّد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوريّ المتوفي سنة 405 ه في مستدركه بسنده عن رفاعة بنأياس الضبِّبيّ، عن أبيه، عن جدّه أنّه قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيّ يَوْمَ الجَمَلِ فَبَعَثَ إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أنِ الْقَنِي. فَأتَاهُ طَلَحَة، فَقَالَ: نَشَدْتُكَ اللهَ هَلْ سَمِعَتَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلِمَ تُقَاتِلُني؟! قَالَ:لَمْ أذْكُرْ. قَالَ: فَانْصَرَفَ طَلْحَةُ.[1]
وذكر هذه الرواية سنداً ومتناً أخطب خطباء خوارزم، موفّق بن أحمد بسنده عن الحاكم النيسابوريّ: الحافظ أبي عبد الله، وفي آخرها:فَانْصَرَفَ طَلْحَةُ ولَمْ يَرُدَّ جَوَابَاً.[2]
ونقلها سبط بن الجوزيّ بهذه العبارة: وفي رِوَايَةٍ أنَّ عَلِيَّاً عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِطَلْحَةَ: نَشَدْتُكَ اللهَ! ألَمْ تَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؟! فَقَالَ: بَلى واللهِ. ثمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ.[3]
ورواها الهَيْثَميّ عن طريق البزَّار،[4] وابن حجر العسقلانيّ عن طريق النسائيّ.[5]
وذكرها أبو الحسن عليّ بن الحسين المسعوديّ المتوفي سنة 346 ه بقوله: لما تمّ احتجاجه مع الزبير ورجع الأخير، نَادَى عَلِيّ رَضِيَاللهُ عَنْهُ طَلْحَةَ حِينَ رَجَعَ الزُّبَيْرُ: يَا أبَا مُحَمَّدٍ! مَا الذي أخْرَجَكَ؟! قَالَ: الطَّلَبُ بِدَمِ عُثْمَانَ!قَالَ عَلِيّ: قَتَلَ اللهُ أوْلَانَا بِدَمِ عُثْمَانَ. أمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ؟ وأنْتَ أوَّلُ مَنْ بَايَعَني ثمَّ نَكَثْتَ، وقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ}؟[6] فَقَالَ:أسْتَغْفِرُ اللهَ. ثمَّ رَجَعَ.[7]
وأمّا احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام ورجوع الزبير بنحو آخر.
فد قال فيه المسعوديّ: ولما استعدّ الصفّان للقتال، خرج عليّ عليه السلام بنفسه حاسراً على بغلة رسول الله صلّى الله عليه وآله لا سلاح عليه، فنادى: يا زبير! اخرج إليّ. فخرج إليه الزبير شاكاً في سلاحه.
فقيل ذلك لعائشة، فقالت: وَا ثَكْلُكِ يَا أسْمَاءُ.[8] فقيل لها: إنّ عليّاً حاسر لا سلاح معه، فاطمأنّت. واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه. فقال له عليّ عليه السلام: ويحك يا زبير! ما الذي أخرجك؟!
قال: دم عثمان! فقال الإمام: قتل الله أولانا بدم عثمان. أما تذكر يوم لقيت رسول الله صلّى الله عليه وآله في بني بياضة وهو راكب حماره، فضحك إلي رسول الله، وضحكتُ إليه، وأنت معه، فقلتَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا يَدَعُ عَلِيّ زَهْوَهُ، فقال لك: لَيْسَ بِهِ زَهْوٌ. أتُحِبُّهُ يَا زُبَيْرُ؟ فقلت: إنِّي والله لاحبّه! فقال لك: إنَّكَ واللهِ سَتُقَاتِلُهُ وأنْتَ لَهُ ظَالِمٌ! فقال الزبير: أستغفرالله، والله لو ذكرتها، ما خرجتُ!
فقال له الإمام: يا زبير، ارجِع! فقال: وكيف أرجع الآن وقَدِ الْتَقَت حَلَقَتَا البِطَانِ.[9] هذا والله العار الذي لا يُغْسَلُ.
فقال: يَا زُبَيْرُ! ارجِعْ بِالعَارِ قَبْلَ أنْ تَجْمَعَ العَارَ والنَّارَ.
[1] «مستدرك الحاكم» ج 3، ص 371.
[2] «مناقب الخوارزميّ» ص 112، الطبعة الحجريّة، وفي الطبعة الحديثة، ص 115.
[3] «تذكرة خواصّ الامّة» ص 42.
[4] «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» ج 9، ص 107.
[5] «تهذيب التهذيب» ج 1، ص 391.
[6] الآية 10، من السورة 48: الفتح: إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نكَثَ فَإنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ ومَنْ أوْفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا.
[7] «مروج الذهب» ج 2، ص 373 طبعة دار السعادة، ص 364 و365، في طبعة دار الأندلس.
[8] أسماء بنت أبي بكر واخت عائشة، وهي زوجة الزبير.
[9] البِطان، الحزام الذي يجعل تحت بطن الفرس والبغل، له حلقتان متّصلتان تحت البطن. وإذا ما كانتا منفصلتين فإنّ الدابّة غير جاهزة للركوب والحركة. أمّا إذا اتّصلتا بعضهما ببعض، فإنّها جاهزة للحركة، وكلّ شيء يكون قد تمّ وحان حِينُهُ. وقوله: إلْتَقَتْ حَلْقَتَا البِطَانِ مَثَلُّ يضرب عند العرب إذا عظم الخطب واشتدّ الأمر.