أخرج أحمد بن حنبل في مسنده عن على بن حكيم الأوديّ، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وَهَب وزيد بن يُثيع قالا: نَشَدَ عَلِيّ النَّاسَ في الرُّحْبَة: مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ إلَّا قَامَ! قَالَ: فَقَامَ مِنْ قِبَلِ سَعيدٍ سِتَّةٌ، ومِنْ قِبَلِ زَيْدٍ سِتَّةٌ، فَشَهِدُوا أنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ (وَ آلِهِ) وسَلَّمَ يَقُولُ لِعليّ رضي الله عَنْه يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: ألَيْسَ اللهُ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ؟ قَالُوا: بَلى! قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ.[1]
ورواه ابن كثير الدمشقيّ بهذا اللفظ والسند من طريق أحمد بن حَنْبَل.[2]
ورواه أحمد بن حَنْبَل بسند آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. قَالَ:شَهِدْتُ عَلِيَّاً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في الرُّحْبَةِ يُنْشِدُ النَّاسَ: انْشِدُ اللهَ مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، لما قَامَ فَشَهِدَ! قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقَامَ اثْنَا عَشَرَ بَدْرِيَّاً كَأني أنْظُرُ إلى أحَدِهِمْ، فَقَالُوا: نَشْهَدُ: أنَّا سمِعْنَا رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: ألَسْتُ أوْلَى بِالمؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ. وأزْواجِي امَّهَاتُهُمْ؟! فَقُلْنَا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ وعَادِ مَنْ عَادَاهُ.[3]
نرى في هذه الرواية أنّ الراوي يقول: اثنا عشر شاهداً، كلّهم كانوا بدريّين، أي: أنّهم كانوا من خاصّة الصحابة الذين لهم شرف المشاركة في غزوة بدر. وكأنِّي الآن أنظر -و أنا أتحدّث- إلى أحدهم. أي: أنّ الرؤية محدّدة أيضاً.
وروى أحمد بن حنبل أيضاً بسند آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّه شهد عَليّاً رضي الله عنه في الرُّحبة قَالَ: نْشِدُ اللهَ رَجُلًا سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ وشَهِدَهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ إلَّا قَامَ! ولَا يَقُومُ إلّا مَنْ قَدْ رَآهُ. فَقَامَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَقَالُوا: قَدْ رَأيْنَاهُ وسمِعْنَاهُ حَيْثُ أخَذَ بِيَدِهِ يَقُولُ: اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ. فَقَامَ إلَّا ثَلَاثَةٌ لَمْ يَقُومُوا. فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَأصَابَتْهُمْ دَعْوَتَهُ.[4]
ونلحظ في هذه الرواية أنّ ثلاثة من الذين كانوا قد شهدوا الغدير لم يقوموا للشهادة وكتموها، فدعا عليهم الإمام وأصابتهم دعوته.
وروى أحمد بن حنبل أيضاً بسند آخر عن أبي الطفيل، قال: جمع على رضي الله عنه الناس في الرحبة، ثمَّ قال لهم: انشد الله امرءاً سمع ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وآله في يوم غدير خمّ إلّا قام. فقام ثلاثون رجلًا. وقال فضل بن دَكِين (أبو نعيم): قام جمع كثير من الناس وشهدوا، وكان رسول الله قد أخذ بِيَدِ على وهو يقول للناس: أتَعْلَمُونَ إنِّي أوْلَى بِالمُؤمِنِينَ مِنْ أنفُسِهِم؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ. وقال أبو الطفيل ناقل هذه الرواية: فَخَرَجْتَ وكَأنَّ في نَفْسِي شَيْئاً. فَلَقِيتُ زَيْد بْن أرْقَمَ فَقُلْتُ لَهُ:إنِّي سَمِعْتُ عَلِيَّاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ كَذَا وكَذَا. قَالَ: فَمَا تُنْكِرُ؟! قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ لَهُ.[5]
ينبغي أن نعلم أنّ زيد بن أرقم كان من المنكرين والكاتمين في ذلك المجلس؛ فلهذا كُفّ بصره بدعاء الإمام. وكان يقول: هذا دعاء عليّ قد أصابني. بَيْدَ أنّه كان يروي حديث الغدير بعد ذلك المجلس مراراً وتكراراً في أماكن مختلفة، وذلك للأشخاص الذين رووا عنه ونقل لنا التأريخ أسماءهم. ونقلنا شيئاً من ذلك في أبحاثنا، وسننقل منه إن شاء الله.
وروى الهَيْثَميّ هذا الحديث في «مجمع الزوائد» عن أحمد بن حَنْبل سنداً ومتناً.[6]
وأخرج النسائيّ في «الخصائص» بسنده عن سَعيد بن وَهَب أنّه قال: قَالَ عَلِيّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ في الرُّحْبَةِ: انْشِدُ بِاللهِ مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ يَقُولُ: إنَّ اللهَ ورَسُولَهُ ولي المُؤْمِنِينَ، ومَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ!
قال سعيد: قام إلى جنبي ستّة. وقال زيد بن مُنيع:[7] قام عندي ستّة وشهدوا. وأضاف عمرو بن ذي مرّ في روايته قوله: أحِبَّ مَنْ أحَبَّهُ، وأبْغِضْ مَنْ أبْغَضَهُ في مناشدة عليّ. وروى هذا الحديث إسرائيل، عن إسحاق، عن عمرو بن ذي مُرّ.[8]
وكذلك روى النسائيّ (أحمد بن شُعيب) عن عليّ بن محمّد بن عليّ، عن خَلَف بن تميم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ذي مُرّ أنّه قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّاً بِالرُّحْبَةِ يُنْشِدُ أصْحَابَ مُحَمَّدٍ أيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وأحِبَّ مَنْ أحَبَّهُ، وأبْغِضْ مَنْ أبْغَضَهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ،[9] وتُفَرَّقْ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكَافِر.[10]
وأخرج النسائيّ أيضاً بسنده الواحد المتّصل عن عمرو بن سعد أنّه سمع عليّاً عليه السلام ينشد في الرُّحبة: مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، فَقَامَ سِتَّةُ نَفَرٍ فَشَهِدُوا.[11] وروى مضمون الحديث أيضاً بسند آخر عن سعيد بن وهب ويزيد بن يُثيع،[12] وبسند آخر عن زيد بن يُثيع.[13]
[1] «مسند أحمد» ج 1، ص 118؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 202 عن «أمالى الشيخ».
[2] «البداية والنهاية» ج 5، ص 210.
[3] «مسند أحمد» ج 1، ص 119؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 211؛ و«مجمع الزوائد» ج 4، ص 105. وجاء فيه ما نصّه: كأني أنظر إلى أحدهم عليه سراويل. والسراويل لباس يستر النصف الأسفل من الجسم. وهذا التعبير أقرب وأفصح.
[4] «مسند أحمد» ج 1، ص 119؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 211. وروى المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 202 و203 المناشدة في الرُّحْبَة عَن «الأمالى» للشيخ الطوسيّ؛ و«بشارة المصطفي» عن عميرة بن سعد، عن أمير المؤمنين عليه السلام.
[5] «مسند أحمد» ج 4، ص 370؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 211 و212.
[6] «مجمع الزوائد» ج 9، ص 104.
[7] وهو زيد بن يُثيع نفسه المذكور في النسخة المطبوعة للنسائيّ باسم «زيد بن مُنيع».
[8] «خصائص مولانا أمير المؤمنين على بن أبي طالب» لأحمد بن شُعَيب النسائيّ المتوفي سنة 303 ه ص 26، طبعة مطبعة التقدّم، القاهرة.
[9] يبدو أنّ هنا إسقاطاً
[10] «خصائص النسائيّ» ص 26 و27
[11] «خصائص النسائيّ»، ص 22.
[12] (4 و5) «خصائص النسائيّ»، ص 32.
[13] (4 و5) «خصائص النسائيّ»، ص 32.