ماهو القصد من قوله: الرجل يهجر، وقوله: غلبه الوجع؟ أليس قصدهم من ذلك إثارة الجلبة والضجيج، وصرف النبيّ عن عزمه؟ وهل يتصوّر أحد أنهم أرادوا المعنى الحقيقيّ للهجر الناتج عن غلبة الوجع؟
ذلك أنه أوّلًا: مضافاً إلى أنَّ التأريخ لم ينقل أنَّ أحداً سمع من النبيّ الأكرم كلاماً اعتباطيّاً عابثاً طيلة فترة النبوّة وقبلها، فإنَّ أيّ مسلم لا يستطيع- في ضوء الموازين الدينيّة- أن ينسب إلى النبيّ الأعظم الذي ضمن الله تعالى في القرآن الكريم عصمته وحفظه، هجراً وعبثاً.
ثانياً: لو كان القصد من هذا الكلام معناه الحقيقيّ والجادّ، فلا معنى لقول عمر: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ؛ عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ. وينبغي الاستدلال على هجر النبيّ بسبب الوجع، لا أنَّ وجود القرآن الكريم يغني عن كلام النبيّ.
ثالثاً: أنَّ كتاب الله هو الذي فرض طاعة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله على المسلمين، واعتبر كلامه كلام الله، وصرّح بعدم خِيَرَة الناس حيال حكم الله ورسوله. فحجّيّة كتاب الله نفسها هي حجّيّة كلام رسول الله. ولا مجال لاحتمال الهجر فيه، وأنَّ نسبة الهجر إلى رسول الله لا تستهدف شيئاً في قاموس ذلك الصحابيّ غير إثارة الضجيج والضوضاء.
رابعاً: لقد حدث مثل هذا الأمر في المرض الذي مات فيه الخليفة الأوّل أبو بكر، وأوصى بخلافة عمر. وكان عثمان حاضراً عند أبي بكر، وكلّف من قبلة بكتابة الوصيّة. وكان قد اغمي على أبي بكر أثناء الكتابة، ثمّ استفاق؛ ومع ذلك فلم ينسب الخليفة الثاني إليه الهجر الذي نسبه إلى رسول الله، بل اعتبر وصيّته نافذة، إذ جلس على كرسي الخلافة بعد موت أبي بكر، وتسلّم زمام الامور. فيستبين- إذَن أنَّ ذلك الهجر المزعوم لم يكن هجراً جدّيّاً يحول دون الإقرار والاعتراف والوصيّة، بل هو الهجر الذي تقوّله أصحابه لإثارة التشويش والاضطراب في مجلس الرسول الأعظم، وبالتالي عزوف الرسول القائد صلّى الله عليه وآله عن الكتاب.
ونقرأ في حديث ابن عبّاس مع عمر الذي يدور حول الخلافة أنَّ عمر قال بصراحة: إنَّ قومكم (قريشاً) كرهوا أن تكون لكم الخلافة، فأقصوا عليّاً عنها.
ونقل ابن أبي الحديد وقائع هذا الحوار، وذكر أنَّ عمر قال لابن عبّاس: يَا بْنَ عَبَّاسٍ! إنَّ أوَّلَ مَنْ رَيَّثَكُمْ عَنْ هَذَا الأمْرِ أبُو بَكْرٍ! إنَّ قَوْمَكُمْ كَرِهُوا أنْ يَجْمَعُوا لَكُمُ الخِلافَةَ والنُّبُوَّةَ.[1]
[1] «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 58، ضمن الخطبة 26، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.